تاريخ الإضافة : 28.03.2009 16:43
حتى لا نغتال وحدتنا الوطنية
حتى لا نغتال وحدتنا الوطنية
"حوار للمصلحة والمحبة "
السعد ولد عبد الله بيه
باحث بمجال العلوم السياسية
Saadbayeh_2006@hotmail.com
في البداية يحسن بي الإقرار بأنني أحد مريدي وأنصار مدرسة السياسة الأخلاقية ،وهو أمر قد لايروق للسياسي بالمعني العملي والفني ،لتعاطيه السياسة كأسلوب للنضال من أجل الحقوق والقضايا المختلفة ،فالسياسة على ما نلاحظ كمراقبين أصبحت تأخذ تمثلات أكثر صرامة وعنفيه، وأقل لباقة واعتدالا عموما، ومما راقني هو التعبير المتزايد، في أوساط النخبة الموريتانية عن مواضيع كانت تعتبر من مكنون الصدور ، ومن التابوهات الاجتماعية ،فجميل أن يعبر كل موريتاني غيور، عن نفسه وما يراه مصلحة وطنه ودينه ،فهذه هي شجاعة الرأي والتعبير ، التي تدفعنا لنقاش عمومي بناء، في النور لا في الظلام ،يجعل الكل يعبر عن هواجسه وآلامه وآماله ،دافعه في ذلك الإخلاص ،ومنهجه الحوار ، وهدفه العدل ،بهذا المعنى سمحت لنفسي أن أتحاور ولو من بعيد حول قضايانا الحيوية "موضوع العبودية والإرث الإنساني"، التي يطرحها بعض إخوتي من المناضلين البارزين والحقوقيين المشاكسين ، وذلك لشراكتي معهم في الوطن ، وانتمائي معهم لنفس الدين ، ودفاعي مثلهم عن نفس الحقوق ،حقوق الإنسان في الكرامة والحرية والمساواة ،التي لا أعتبرها حقوقا أنشأها لنا ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 فقط، وإنما هي حقوقنا الفطرية اللصيقة بوجودنا والأصيلة المتجددة التي أخبرنا بها الإسلام وأنشأها لنا على سبيل التكريم والإلزام ، إذا ما قرأنا وفهمنا نصوص الوحيين " القرآن والسنة" والتطبيقات الراشدة والمعتدلة لهذا الدين 0
ومن خلال هذا المقال "الحوار" قد نتفق حول جملة أمور ، ونختلف تارة ، ونتناصح أخرى مع هؤلاء الإخوة، وأول ما نتفق عليه هو قدسية الإسلام وعلو شأنه وعظمة قيمه ،وعموم مخاطبته للناس ،وأن ديننا مبرئ من كل عيب يصفه به الآخر،وما يوصم به من تهم وافتراءات ،فهو من عند "العدل " الحكم" الواحد" رب العالمين ،وعباده جعلهم متساوون في الأصل والخلقة والتكريم ،لايتفاضلون إلا بالتقوى أي الإيمان وعمل الصالحات ، وبالنفع لعيال الله "الخلق جميعا" ، وأتى به سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم رسولا من الله لخلقه جميعا أسودهم وأحمرهم وأبيضهم وأصفرهم وبكتاب واحد سمانا المسلمين سمانا المؤمنين 000 ولم ينادي علينا بأسمائنا ، ولا بمستوياتنا ولا بقبائلنا ولا إثنياتنا ولا حتى بأوطاننا وإنما بصفتنا الإيمانية ، فالإسلام يظل "مثالا" وتصرفات وسلوكات المسلمين شيء آخر ، وبقدر ما نقترب من هذا المثال نكون مسلمين ، ولكي لا يكون ملبوس علينا، تجب معرفة الحق مستقلا عن الرجال و عن الإثنيات 000 إلخ 0
إننا الآن في موريتانيا وبعد خمسين عاما تقريبا على لحظة نشوء وتكون دولتنا الوطنية الحديثة ، بحاجة ماسة لطرح الأسئلة الكبرى ، وهي أسئلة تتعلق بالتقييم والمراجعة ، لما أعتقدناه وما رسناه اجتماعيا وسياسيا عبر هذه الخمسين ، وبالاستشراف والأمل في المستقبل من جهة أخري ، وخصوصا في ظل التحولات العاصفة للعولمة الجارفة وخاصة في جانبها السلبي ،وما تنشره وتذيعه وسائل الاتصال والإعلام من منتج يتعلق بالصراعات الإثنية محليا وإقليميا ، مما زاد عبئ المجتمعات والدول ،فأصبحت مهمة الدولة ـ وموريتانيا ليست بمنئي عن هذا ـ حساسة جدا فيما يتعلق بأمنها الوطني ،فتحصين الداخل الوطني من مؤثرات عولمة الخبر والأزمات مسألة في غاية الدقة والصعوبة،وعلينا الاعتراف بأن دولتنا ذات التركيبة السكانية المتنوعة ، والوضع الاجتماعي الهش إلى حد ما،معرضة ـ لا قدر الله ـ لمخاطر مختلف الهزات ،سواء بسب العولمة السلبية وتياراتها المختلفة ،أو تداعيات السياسات الدولية 000 فالتنوع ثراء وثروة للدول التي تمتلك مساحة من الوعي والتحضر ،وهو خطر على الدول المتخلفة التي لا تعرف كيف تدير تنوعها وتستفيد منه ، لذلك من الأهمية بمكان أن نفهم في موريتانيا خريطتنا البشرية ، ونستوعب حقائقها وتراكماتها ، وما تحمله من فرص ، وتمثله من عوائق في سبيل وئامنا الوطني وتقدمنا المنشود0 فالمخطأ حقا ـ في تقديري ـ من يظن أن لنا براءة مما نشاهده ـ للأسف ـ في بعض مناطق العالم الملتهبة ،وخصوصا في قارتنا الإفريقية بسبب السعي وراء إقتسام سلطة النفوذ والثروة والذي يلبس مسوح العرق والثقافة والدين ،خصوصا إذا تذكرنا أن بلدنا متعدد اللغات والإثنيات ، كما أنه يعاني من الانتماءات "مادون الوطنية " من جهة ،وقبيلة ،وعرق والتي لايتورع البعض للأسف عن إذكاءها في سبيل دوافعه الشخصية ،مما يقرر حقيقة أن الاستخدامات السلبية لتنوعنا العرقي واللغوي يمثل معيقا لتقدمنا اجتماعيا ، وسياسيا وديمقراطيا ، وتنمويا0
في تقديري أن هذه هي إحدى الانشغالات والتحديات الحقيقية التي يجب أن تشغل بال السياسيين ، وخصوصا من يمتلك القرار ، وكذلك العلماء والمثقفين والمناضلين ، وكل مواطن يمتلك بصيرة، بصفته غيورا على مستقبل الوئام والوحدة في هذا البلد، الذي لا نمتلك غيره ،لما تقدم يجب الاعتراف بأننا شهدنا بعض الحوادث والمحاولات المحدودة ،ولكن الخطرة لتعريض سلمنا الأهلي للخطر، ولكن فترات التعايش والتجاور الإيجابي، بين مكونات شعبنا العظيم هي الغالبة على تاريخنا ،ذلك أن قيمنا الروحية والاجتماعية الإيجابية ،مثلت سياجا حمائيا لتعايشنا ووحدتنا على مر التاريخ0ونضيف أنه بالرغم من تلك الأحداث الأليمة والممارسات المعزولة ،لم تقم شواهد وأدلة على وجود سياسات مبرمجة وممنهجة من الدولة الموريتانية الحديثة أو من أغلبية مجتمعية أو أقلية لمعاقبة، أو الانتقام من مكون اثني أو شريحة من شرائح المجتمع الموريتاني ،على عكس ما شاهدناه في إفريقيا مثلا، أو ما نشاهده في بعض بقاع العالم من سياسات مبرمجة لاقتلاع بعض القوميات وحرمانها من حقوقها السياسية والاجتماعية والثقافية 000،وبالرغم من ذلك ورغم الإحساس المتفاوت لدى الموريتانيين بهذه القضية، فما يدفعنا لمناقشتها هو الشراكة في الحفاظ على مستقبل وحدتنا الوطنية، وإدراكنا لمخاطر البيئات المحيطة ،والمخاطر المتجددة بفعل التلاحم العولمي بين المجتمعات والوحدات الدولية المختلفة 0
لكل ما تقدم هناك ضرورة ماسة لإعادة الاعتبار لقيمنا الروحية والتاريخية جوهر وحدتنا الوطنية ، ففي النصوص الربانية (القرآن والسنة )وتاريخنا الإسلامي المضيء والمعتدل ما يمثل ذكري وموعظة اعتبار لمن يريد،فالشواهد على فريضة الوحدة بين المسلمين ومكونات الشعب في الدولة الواحدة أكثر من أن تحصى ، وتكفي الإشارة إلى تجربتين عظيمتين ، تمثلان درسا عميقا وعمليا لكل القادة والسياسيين والوطنيين المخلصين ،ذلك أن السيرة النبوية الشريفة هي صناعة إلهية ،وهي رحمة من الله للمسلمين وللبشرية في قابل تاريخها بعد انتقال الحبيب إلى الرفيق الأعلى ،ففي السيرة سر عظيم لصلوحيتها ، كوقائع وأفكار للموعظة والاعتبار، فحين نتأمل حدثي الهجرة بداية التأسيس للدولة "بالمدينة المنورة " نرى العجب، وكذلك حدث فتح مكة "مرحلة تكريس المشروع وانطلاقته العالمية"، إن مرحلة يثرب كانت نموذجا فريدا ودرسا لنا في أهمية التوحد ،والأخوة ، والرحمة (بين المسلمين) واللطف مع الآخرين (لا يتحدث أحد أن محمدا يقتل أصحابه) والعدل مع المخالفين (اليهود) ، ومرحلة "الفتح" درسا عظيما وكثيف الدلالة عن أهمية التسامح والتغاضي عن تاريخ الألم، من أجل مستقبل الأمل ،إنها أحداث مؤسسة لبنياننا النفسي والاجتماعي والحضاري ، وليست تاريخا للعرب دون العجم ، ولا لأسود دون أبيض ،وليست عبرة وموعظة لأحد دون الآخر ،إنه فعل رسول الله (ص) هادي الأمة ،بشيرها وقدوتها ،إنه ميراث وتاريخ الأصحاب "النجوم" سيدنا أبوبكر الصديق ،وسيدنا بلال الحبشي ، وسيدنا صهيب الرومي ،وسيدنا سلمان الفارسي، وسيدنا وبن سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين 0
إنه تاريخ الترفع عن الطين ونوازعه ،إلى الروح وألقها، إنه تاريخ نبذ العرقية والعنصرية البغيضة " سلمان منا آل البيت" ، "إنك امرئ فيك جاهلية " ،"دعوها فإنها منتنة" ، إنه تاريخ تمجيد الوحدة والرحمة من أجل الله وفي سبيله ، إنه تاريخ فقه المصالح النبيلة ووأد الفتن في سبيل بناء أمة الشهادة على الناس 0
إن الإسلام ، كل الإسلام بنصوصه المنزلة المطهرة ،وتطبيقاته السنية الشريفة ،وشعائره العملية الجميلة ،وحدة كله يدعوا إلى العدل ، والوحدة ،وإلى العمل الصالح ،هو نظام فريد من القيم الإيجابية ، هو نظام فريد من العيش بالحق وللحق ، حين نعتقد بإله واحد ،وبرسالة واحدة ،حين نصلي لله ،ونذكر الله ،ونعمل بالله ولله ،فما ذا بقي؟! إن ألواننا وألسنتنا وأفكارنا المختلفة آية عجيبة وجميلة على وحدتنا الإنسانية وكرامتنا المشتركة وحاجتنا لبعضنا ، فكيف يمكننا أن نري الجمال الكامن في اختلافنا ، وننفذ إلا ما في نفوسنا من السحر والمحبة ؟
إن الموريتانيين مسئولين عقلا ومنطقا ومصلحة بل وشرعا، عن الوحدة وضرورتها ،فمع الوحدة والتعاون يربح الجميع ، ومع التفرقة والتدابر يخسر الجميع ، إن فتح الباب على مصراعيه لزرع بذور الشقاق والفتنة نتيجته الوبال ،فإما إزالة الجميع ، أو التعلم من الخسارة وما تولده من ألم ومرارة والعودة إلى الرشد ،ولنا في التاريخ خير معلم ، وفيما نري من حولنا عبرة تغنينا عن تجربة الشقاق بأنفسنا0
إن قضية التوحد اليوم ونبذ عوامل الفرقة والتشرذم ،هي قضية الكل، الذي عليه أن يتحمل مسؤوليتها ، ولعل أهمية العامل الروحي للتضامن بين مكونات شعبنا المسلم أصبحت بارزة وواضحة جدا إن الإسلام هو طوق النجاة لموريتانيا ، فقيمه وما تأمر به من عدل وبر وإحسان وتوحد ، تمثل توجيها بليغا للمجتمع وتقوية لنسيج وحدته، هذا هو الإسلام الذي نعرفه ، إسلام الوجه لله ، وعبادته بالاعتصام بالوحدة ، والتعاون ، والبر، وأما ما عدا ذلك من الفرقة والتدابر والقطيعة والتنافر فذاك عين معصيته ، وسيبقي كل فعل صالح وكلمة طيبة ونية صادقة موافقات لنصوص وروح ومقاصد الإسلام ، وما خالف ذلك فهو بمنزلة الكذب على الله ورسوله " وليتبوأ صاحبه مقعده من النار،" سواء كان أبيض أو أسود ، فطيف النار يعكس كل الألوان وهو كناية عن جاهزيتها لكل من بدل وغير كائنا من كان0
تلك هي القضية الكبرى التي تواجهنا، وتلك هي المقاربة القيمية التي نتسلح بها، فما الخطة العملية؟ وما هي المحاذير التي تحف بالخطاب وبالمسيرة؟
إن أي خطة في هذا الصد لابد أن تنطلق من سؤالين :الأول ،هل الخطر الماثل على وحدتنا ومستقبلنا يتعلق بسؤال الهوية فحسب ،أم يتعداه إلى مظاهر أخري ، وأسئلة أخرى تتعلق بالدولة والمجتمع والاقتصاد ؟
الثاني:كيف يمكننا أن نطور فكرا وطنيا يسمو على النزعات الضيقة ، ويزيل الأحقاد الموروثة ، والحساسيات الإثنية السلبية، ويفوت الفرصة على منطق الإدانة التاريخية للجماعات والأشخاص؟ على أي رؤية نستند؟ وبأي آلية نتذرع؟
إن هذا المقال "المحاولة " لا يدعي القدرة على الجواب ، لكنني أقترح بجهد المقل، التالي:
أولا : إعادة الاعتبار للعامل الروحي في موريتانيا: فعلي القطاعات المسئولة عن التوجيه و الشؤون الدينية أن تعمل على عدة محاور:
1- تحضير المرفق الديني " المسجد" وتهيئته لجذب الناس وتعلم أمر دينهم
2- إعطاء الأهمية اللازمة للمحظرة وإعادة هيكلتها بما يناسب المرحلة كحارسة للشريعة وقيم المجتمع
3- إعداد الخطط والبرامج الثقافية الدينية "الجذابة " من محاضرات وندوات وإصدارات ومؤتمرات لتعميق الروح، وأثرها على المجتمع والدولة، وبناء الجسور والروابط بين الناس، وبينهم والدولة كتعبير سياسي عنهم0
ثانيا: العمل رسميا وشعبيا على بناء نظام سياسي ديمقراطي منفتح يقوم بالأعباء التالية:
1-فتح باب الحوار على مصراعيه والاستماع للجميع
2- تدعيم وتنمية مفهوم دولة الحق والقانون
3-العمل على الاستمرار في المصالحة التاريخية وتوسيع نطاقها ليشمل شرائح وقضايا أخري
4-تقوية نظام القضاء وتطوير منهجية تعاطيه مع قضايا الحقوق المتعلقة بهذا الصنف من القضايا وتوسيع صلاحياته وتدعيم استقلاليته
5-مكافحة التمييز والعنصرية بمختلف الوسائل التربوية والتعليمية والقضائية000
6- الانفتاح الإعلامي المسئول
7- توسيع انفتاحنا الدبلوماسي على امتداداتنا البشرية في إفريقيا والعالم العربي
ثالثا: تطوير نظام تربوي وتعليمي وطني يساهم بإعادة تعريف شخصيتنا الوطنية وبناء مقوماتها وينمي روح المواطنة والإخلاص والمسؤولية
رابعا: بناء قدراتنا الاقتصادية والتنموية ، والتوزيع العادل لثمار النمو0000
يبقي على المثقفين والمناضلين في سبيل قضاياهم أن يلتزموا بالحكمة والمسؤولية ، فلابد من تنقية خطابنا السياسي والحقوقي من مظاهر التشنج والتطرف والعنف بكل أنواعه ومن القتامة والسلبية ، وهذه بعض الضوابط المعينة نجملها بملاحظات تتعلق بالتالي:
الأول: إن الكلمة سلاح ذو حدين فلنعملها دعوة للحياة" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا"
" ألم تري كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض مالها من قرار"
الثاني : الاعتماد على أنفسنا وعلى مخزوننا الديني والفلسفي والتاريخي ، فمهما كان التعاون مع الخارج مغريا إلا أن تبعاته غير مأمونة على الكل ، ويحمل خطرا على الانتماء الوطني غالبا
ثالثا: غرس قيمة التواضع لنتمكن من سماع بعضنا بعضا
في الأخير لا تزال التضحية قيمة مطلوبة، للحفاظ على أمننا الاجتماعي ، إن التاريخ والجغرافيا ، كالحب والموت مقادير لا يملك الإنسان حيالها شيئا، فلنتشارك فيما نملك بالرحمة والعدل0
"حوار للمصلحة والمحبة "
السعد ولد عبد الله بيه
باحث بمجال العلوم السياسية
Saadbayeh_2006@hotmail.com
في البداية يحسن بي الإقرار بأنني أحد مريدي وأنصار مدرسة السياسة الأخلاقية ،وهو أمر قد لايروق للسياسي بالمعني العملي والفني ،لتعاطيه السياسة كأسلوب للنضال من أجل الحقوق والقضايا المختلفة ،فالسياسة على ما نلاحظ كمراقبين أصبحت تأخذ تمثلات أكثر صرامة وعنفيه، وأقل لباقة واعتدالا عموما، ومما راقني هو التعبير المتزايد، في أوساط النخبة الموريتانية عن مواضيع كانت تعتبر من مكنون الصدور ، ومن التابوهات الاجتماعية ،فجميل أن يعبر كل موريتاني غيور، عن نفسه وما يراه مصلحة وطنه ودينه ،فهذه هي شجاعة الرأي والتعبير ، التي تدفعنا لنقاش عمومي بناء، في النور لا في الظلام ،يجعل الكل يعبر عن هواجسه وآلامه وآماله ،دافعه في ذلك الإخلاص ،ومنهجه الحوار ، وهدفه العدل ،بهذا المعنى سمحت لنفسي أن أتحاور ولو من بعيد حول قضايانا الحيوية "موضوع العبودية والإرث الإنساني"، التي يطرحها بعض إخوتي من المناضلين البارزين والحقوقيين المشاكسين ، وذلك لشراكتي معهم في الوطن ، وانتمائي معهم لنفس الدين ، ودفاعي مثلهم عن نفس الحقوق ،حقوق الإنسان في الكرامة والحرية والمساواة ،التي لا أعتبرها حقوقا أنشأها لنا ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 فقط، وإنما هي حقوقنا الفطرية اللصيقة بوجودنا والأصيلة المتجددة التي أخبرنا بها الإسلام وأنشأها لنا على سبيل التكريم والإلزام ، إذا ما قرأنا وفهمنا نصوص الوحيين " القرآن والسنة" والتطبيقات الراشدة والمعتدلة لهذا الدين 0
ومن خلال هذا المقال "الحوار" قد نتفق حول جملة أمور ، ونختلف تارة ، ونتناصح أخرى مع هؤلاء الإخوة، وأول ما نتفق عليه هو قدسية الإسلام وعلو شأنه وعظمة قيمه ،وعموم مخاطبته للناس ،وأن ديننا مبرئ من كل عيب يصفه به الآخر،وما يوصم به من تهم وافتراءات ،فهو من عند "العدل " الحكم" الواحد" رب العالمين ،وعباده جعلهم متساوون في الأصل والخلقة والتكريم ،لايتفاضلون إلا بالتقوى أي الإيمان وعمل الصالحات ، وبالنفع لعيال الله "الخلق جميعا" ، وأتى به سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم رسولا من الله لخلقه جميعا أسودهم وأحمرهم وأبيضهم وأصفرهم وبكتاب واحد سمانا المسلمين سمانا المؤمنين 000 ولم ينادي علينا بأسمائنا ، ولا بمستوياتنا ولا بقبائلنا ولا إثنياتنا ولا حتى بأوطاننا وإنما بصفتنا الإيمانية ، فالإسلام يظل "مثالا" وتصرفات وسلوكات المسلمين شيء آخر ، وبقدر ما نقترب من هذا المثال نكون مسلمين ، ولكي لا يكون ملبوس علينا، تجب معرفة الحق مستقلا عن الرجال و عن الإثنيات 000 إلخ 0
إننا الآن في موريتانيا وبعد خمسين عاما تقريبا على لحظة نشوء وتكون دولتنا الوطنية الحديثة ، بحاجة ماسة لطرح الأسئلة الكبرى ، وهي أسئلة تتعلق بالتقييم والمراجعة ، لما أعتقدناه وما رسناه اجتماعيا وسياسيا عبر هذه الخمسين ، وبالاستشراف والأمل في المستقبل من جهة أخري ، وخصوصا في ظل التحولات العاصفة للعولمة الجارفة وخاصة في جانبها السلبي ،وما تنشره وتذيعه وسائل الاتصال والإعلام من منتج يتعلق بالصراعات الإثنية محليا وإقليميا ، مما زاد عبئ المجتمعات والدول ،فأصبحت مهمة الدولة ـ وموريتانيا ليست بمنئي عن هذا ـ حساسة جدا فيما يتعلق بأمنها الوطني ،فتحصين الداخل الوطني من مؤثرات عولمة الخبر والأزمات مسألة في غاية الدقة والصعوبة،وعلينا الاعتراف بأن دولتنا ذات التركيبة السكانية المتنوعة ، والوضع الاجتماعي الهش إلى حد ما،معرضة ـ لا قدر الله ـ لمخاطر مختلف الهزات ،سواء بسب العولمة السلبية وتياراتها المختلفة ،أو تداعيات السياسات الدولية 000 فالتنوع ثراء وثروة للدول التي تمتلك مساحة من الوعي والتحضر ،وهو خطر على الدول المتخلفة التي لا تعرف كيف تدير تنوعها وتستفيد منه ، لذلك من الأهمية بمكان أن نفهم في موريتانيا خريطتنا البشرية ، ونستوعب حقائقها وتراكماتها ، وما تحمله من فرص ، وتمثله من عوائق في سبيل وئامنا الوطني وتقدمنا المنشود0 فالمخطأ حقا ـ في تقديري ـ من يظن أن لنا براءة مما نشاهده ـ للأسف ـ في بعض مناطق العالم الملتهبة ،وخصوصا في قارتنا الإفريقية بسبب السعي وراء إقتسام سلطة النفوذ والثروة والذي يلبس مسوح العرق والثقافة والدين ،خصوصا إذا تذكرنا أن بلدنا متعدد اللغات والإثنيات ، كما أنه يعاني من الانتماءات "مادون الوطنية " من جهة ،وقبيلة ،وعرق والتي لايتورع البعض للأسف عن إذكاءها في سبيل دوافعه الشخصية ،مما يقرر حقيقة أن الاستخدامات السلبية لتنوعنا العرقي واللغوي يمثل معيقا لتقدمنا اجتماعيا ، وسياسيا وديمقراطيا ، وتنمويا0
في تقديري أن هذه هي إحدى الانشغالات والتحديات الحقيقية التي يجب أن تشغل بال السياسيين ، وخصوصا من يمتلك القرار ، وكذلك العلماء والمثقفين والمناضلين ، وكل مواطن يمتلك بصيرة، بصفته غيورا على مستقبل الوئام والوحدة في هذا البلد، الذي لا نمتلك غيره ،لما تقدم يجب الاعتراف بأننا شهدنا بعض الحوادث والمحاولات المحدودة ،ولكن الخطرة لتعريض سلمنا الأهلي للخطر، ولكن فترات التعايش والتجاور الإيجابي، بين مكونات شعبنا العظيم هي الغالبة على تاريخنا ،ذلك أن قيمنا الروحية والاجتماعية الإيجابية ،مثلت سياجا حمائيا لتعايشنا ووحدتنا على مر التاريخ0ونضيف أنه بالرغم من تلك الأحداث الأليمة والممارسات المعزولة ،لم تقم شواهد وأدلة على وجود سياسات مبرمجة وممنهجة من الدولة الموريتانية الحديثة أو من أغلبية مجتمعية أو أقلية لمعاقبة، أو الانتقام من مكون اثني أو شريحة من شرائح المجتمع الموريتاني ،على عكس ما شاهدناه في إفريقيا مثلا، أو ما نشاهده في بعض بقاع العالم من سياسات مبرمجة لاقتلاع بعض القوميات وحرمانها من حقوقها السياسية والاجتماعية والثقافية 000،وبالرغم من ذلك ورغم الإحساس المتفاوت لدى الموريتانيين بهذه القضية، فما يدفعنا لمناقشتها هو الشراكة في الحفاظ على مستقبل وحدتنا الوطنية، وإدراكنا لمخاطر البيئات المحيطة ،والمخاطر المتجددة بفعل التلاحم العولمي بين المجتمعات والوحدات الدولية المختلفة 0
لكل ما تقدم هناك ضرورة ماسة لإعادة الاعتبار لقيمنا الروحية والتاريخية جوهر وحدتنا الوطنية ، ففي النصوص الربانية (القرآن والسنة )وتاريخنا الإسلامي المضيء والمعتدل ما يمثل ذكري وموعظة اعتبار لمن يريد،فالشواهد على فريضة الوحدة بين المسلمين ومكونات الشعب في الدولة الواحدة أكثر من أن تحصى ، وتكفي الإشارة إلى تجربتين عظيمتين ، تمثلان درسا عميقا وعمليا لكل القادة والسياسيين والوطنيين المخلصين ،ذلك أن السيرة النبوية الشريفة هي صناعة إلهية ،وهي رحمة من الله للمسلمين وللبشرية في قابل تاريخها بعد انتقال الحبيب إلى الرفيق الأعلى ،ففي السيرة سر عظيم لصلوحيتها ، كوقائع وأفكار للموعظة والاعتبار، فحين نتأمل حدثي الهجرة بداية التأسيس للدولة "بالمدينة المنورة " نرى العجب، وكذلك حدث فتح مكة "مرحلة تكريس المشروع وانطلاقته العالمية"، إن مرحلة يثرب كانت نموذجا فريدا ودرسا لنا في أهمية التوحد ،والأخوة ، والرحمة (بين المسلمين) واللطف مع الآخرين (لا يتحدث أحد أن محمدا يقتل أصحابه) والعدل مع المخالفين (اليهود) ، ومرحلة "الفتح" درسا عظيما وكثيف الدلالة عن أهمية التسامح والتغاضي عن تاريخ الألم، من أجل مستقبل الأمل ،إنها أحداث مؤسسة لبنياننا النفسي والاجتماعي والحضاري ، وليست تاريخا للعرب دون العجم ، ولا لأسود دون أبيض ،وليست عبرة وموعظة لأحد دون الآخر ،إنه فعل رسول الله (ص) هادي الأمة ،بشيرها وقدوتها ،إنه ميراث وتاريخ الأصحاب "النجوم" سيدنا أبوبكر الصديق ،وسيدنا بلال الحبشي ، وسيدنا صهيب الرومي ،وسيدنا سلمان الفارسي، وسيدنا وبن سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين 0
إنه تاريخ الترفع عن الطين ونوازعه ،إلى الروح وألقها، إنه تاريخ نبذ العرقية والعنصرية البغيضة " سلمان منا آل البيت" ، "إنك امرئ فيك جاهلية " ،"دعوها فإنها منتنة" ، إنه تاريخ تمجيد الوحدة والرحمة من أجل الله وفي سبيله ، إنه تاريخ فقه المصالح النبيلة ووأد الفتن في سبيل بناء أمة الشهادة على الناس 0
إن الإسلام ، كل الإسلام بنصوصه المنزلة المطهرة ،وتطبيقاته السنية الشريفة ،وشعائره العملية الجميلة ،وحدة كله يدعوا إلى العدل ، والوحدة ،وإلى العمل الصالح ،هو نظام فريد من القيم الإيجابية ، هو نظام فريد من العيش بالحق وللحق ، حين نعتقد بإله واحد ،وبرسالة واحدة ،حين نصلي لله ،ونذكر الله ،ونعمل بالله ولله ،فما ذا بقي؟! إن ألواننا وألسنتنا وأفكارنا المختلفة آية عجيبة وجميلة على وحدتنا الإنسانية وكرامتنا المشتركة وحاجتنا لبعضنا ، فكيف يمكننا أن نري الجمال الكامن في اختلافنا ، وننفذ إلا ما في نفوسنا من السحر والمحبة ؟
إن الموريتانيين مسئولين عقلا ومنطقا ومصلحة بل وشرعا، عن الوحدة وضرورتها ،فمع الوحدة والتعاون يربح الجميع ، ومع التفرقة والتدابر يخسر الجميع ، إن فتح الباب على مصراعيه لزرع بذور الشقاق والفتنة نتيجته الوبال ،فإما إزالة الجميع ، أو التعلم من الخسارة وما تولده من ألم ومرارة والعودة إلى الرشد ،ولنا في التاريخ خير معلم ، وفيما نري من حولنا عبرة تغنينا عن تجربة الشقاق بأنفسنا0
إن قضية التوحد اليوم ونبذ عوامل الفرقة والتشرذم ،هي قضية الكل، الذي عليه أن يتحمل مسؤوليتها ، ولعل أهمية العامل الروحي للتضامن بين مكونات شعبنا المسلم أصبحت بارزة وواضحة جدا إن الإسلام هو طوق النجاة لموريتانيا ، فقيمه وما تأمر به من عدل وبر وإحسان وتوحد ، تمثل توجيها بليغا للمجتمع وتقوية لنسيج وحدته، هذا هو الإسلام الذي نعرفه ، إسلام الوجه لله ، وعبادته بالاعتصام بالوحدة ، والتعاون ، والبر، وأما ما عدا ذلك من الفرقة والتدابر والقطيعة والتنافر فذاك عين معصيته ، وسيبقي كل فعل صالح وكلمة طيبة ونية صادقة موافقات لنصوص وروح ومقاصد الإسلام ، وما خالف ذلك فهو بمنزلة الكذب على الله ورسوله " وليتبوأ صاحبه مقعده من النار،" سواء كان أبيض أو أسود ، فطيف النار يعكس كل الألوان وهو كناية عن جاهزيتها لكل من بدل وغير كائنا من كان0
تلك هي القضية الكبرى التي تواجهنا، وتلك هي المقاربة القيمية التي نتسلح بها، فما الخطة العملية؟ وما هي المحاذير التي تحف بالخطاب وبالمسيرة؟
إن أي خطة في هذا الصد لابد أن تنطلق من سؤالين :الأول ،هل الخطر الماثل على وحدتنا ومستقبلنا يتعلق بسؤال الهوية فحسب ،أم يتعداه إلى مظاهر أخري ، وأسئلة أخرى تتعلق بالدولة والمجتمع والاقتصاد ؟
الثاني:كيف يمكننا أن نطور فكرا وطنيا يسمو على النزعات الضيقة ، ويزيل الأحقاد الموروثة ، والحساسيات الإثنية السلبية، ويفوت الفرصة على منطق الإدانة التاريخية للجماعات والأشخاص؟ على أي رؤية نستند؟ وبأي آلية نتذرع؟
إن هذا المقال "المحاولة " لا يدعي القدرة على الجواب ، لكنني أقترح بجهد المقل، التالي:
أولا : إعادة الاعتبار للعامل الروحي في موريتانيا: فعلي القطاعات المسئولة عن التوجيه و الشؤون الدينية أن تعمل على عدة محاور:
1- تحضير المرفق الديني " المسجد" وتهيئته لجذب الناس وتعلم أمر دينهم
2- إعطاء الأهمية اللازمة للمحظرة وإعادة هيكلتها بما يناسب المرحلة كحارسة للشريعة وقيم المجتمع
3- إعداد الخطط والبرامج الثقافية الدينية "الجذابة " من محاضرات وندوات وإصدارات ومؤتمرات لتعميق الروح، وأثرها على المجتمع والدولة، وبناء الجسور والروابط بين الناس، وبينهم والدولة كتعبير سياسي عنهم0
ثانيا: العمل رسميا وشعبيا على بناء نظام سياسي ديمقراطي منفتح يقوم بالأعباء التالية:
1-فتح باب الحوار على مصراعيه والاستماع للجميع
2- تدعيم وتنمية مفهوم دولة الحق والقانون
3-العمل على الاستمرار في المصالحة التاريخية وتوسيع نطاقها ليشمل شرائح وقضايا أخري
4-تقوية نظام القضاء وتطوير منهجية تعاطيه مع قضايا الحقوق المتعلقة بهذا الصنف من القضايا وتوسيع صلاحياته وتدعيم استقلاليته
5-مكافحة التمييز والعنصرية بمختلف الوسائل التربوية والتعليمية والقضائية000
6- الانفتاح الإعلامي المسئول
7- توسيع انفتاحنا الدبلوماسي على امتداداتنا البشرية في إفريقيا والعالم العربي
ثالثا: تطوير نظام تربوي وتعليمي وطني يساهم بإعادة تعريف شخصيتنا الوطنية وبناء مقوماتها وينمي روح المواطنة والإخلاص والمسؤولية
رابعا: بناء قدراتنا الاقتصادية والتنموية ، والتوزيع العادل لثمار النمو0000
يبقي على المثقفين والمناضلين في سبيل قضاياهم أن يلتزموا بالحكمة والمسؤولية ، فلابد من تنقية خطابنا السياسي والحقوقي من مظاهر التشنج والتطرف والعنف بكل أنواعه ومن القتامة والسلبية ، وهذه بعض الضوابط المعينة نجملها بملاحظات تتعلق بالتالي:
الأول: إن الكلمة سلاح ذو حدين فلنعملها دعوة للحياة" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا"
" ألم تري كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض مالها من قرار"
الثاني : الاعتماد على أنفسنا وعلى مخزوننا الديني والفلسفي والتاريخي ، فمهما كان التعاون مع الخارج مغريا إلا أن تبعاته غير مأمونة على الكل ، ويحمل خطرا على الانتماء الوطني غالبا
ثالثا: غرس قيمة التواضع لنتمكن من سماع بعضنا بعضا
في الأخير لا تزال التضحية قيمة مطلوبة، للحفاظ على أمننا الاجتماعي ، إن التاريخ والجغرافيا ، كالحب والموت مقادير لا يملك الإنسان حيالها شيئا، فلنتشارك فيما نملك بالرحمة والعدل0







