تاريخ الإضافة : 28.03.2009 10:20
دمعات مكتوبة على شريط الاغتراب
بقلم: الشيخ أحمد ولد البان
عند مركز بئر الكندوز الحدودي.. حيث آخر نفس لأرض الرجال..أرض الميلاد..تيرس لا تزال كثبانها الفضية مسكونة بلهاث عواصف الرمال القادمة من الشمال في حنين أبدي لموسم الهجرة إلى الجنوب..الجغرافيا والطقس يلغيان اتفاقية الحدود ..ليس المناخ خاضعا لشرطة الحدود ودستور التضاريس أسمى من قوانين الهجرة..فاصل جغرافي تسميه لغة القانون "شريطا حدوديا"وتسميه لغة القلوب الملتاعة بسوط البعد "شريط الاغتراب"..الغربة هي اللحن التراجيدي الذي تعزفه رمال تيرس المهجرة فينوح في كل مهجة حنينا لمرابع غالية تتنفس آخر روح لها -مثلي- وولعا بأخرى ترى حصاها قاب خطوة أو خطوتين أن تمرغ فيه وجهها نافثة خافقة الشوق العارمة بين ضلوعها المكسرة بضيق الاغتراب ..أجناس شتى ووجهات مختلفة:
سارت مشرقة وسرت مغربا ** شتان بين مشرق ومغرب
متباعدون جمعهم القدر في صعيد واحد، وطوحت بهم صروف الدهر إلى هناك.. أوروبيون تذرو العواصف المغبرة في خراطيمهم الطويلة حبات رملها فيتأففون منها .. ليس بها اعتدال جبال البرانس و أفارقة قادمون من اسبانيا وغيرها لاتزال ملامحهم السمراء تحكي حرارة البركان الخامد في حضن جبل كلمنجارو العتيد.. كل ما هنالك غريب حتى استمارة المعلومات ..أليست تكتب رغم أنف التاريخ والسيادة بلسان أعجمي في أرض المرابطين..قدمت جواز سفري لضابط الحدود الموريتانية وقلت له له : أطلب منك أن تمنحني ما أكره.فطبع على جوازي إذنا بالخروج..أخذته شاكرا إياه على وحدة الشعور ..ألم يفهم أن هناك شيئا نتفق على قلاه هو وداع وطن نسكنه ..لا بل أرضا تسكننا ..تبادلت و إياه نظرات الوداع الأخير ..وأودعني بنظراته سؤالا كانت عيناي تحملانه إليه ..لماذا نحب الوطن حد التوله والهيام..أنا فهمت سؤال عينيه وأعجلني منادي السيارة أن أتأكد من فهمه سؤال عيني ..نظرات نكأت جرحا كان سهم عيني أم علي وهي تودعني ذات مساء حزين تركه مفتوحا في حشاشة قلببي المكلوم ..آه ..لماذا نكره الخروج من أرض الوطن السياسي ..أعرف جواب ابن الرومي في قوله:
وحبب أوطان الرجال إليهم ** مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ** عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
لكن مآرب شبابي قضيتها بعيدا عن الأرض التي أحزن لفراقها الآن؛ شتان بين كثبان تيرس وهضاب" أفله" على الأطراف الشمالية الغربية للحوض الغربي..أنا ما سكنت تيرس منذ خرجت إلى عالم الحياة، ليست لي بها أي ذكريات؛ كل ذكرياتي في مرابع"أفله" ..أعرف طعم هوائه و لون أنسامه المحملة بأنفاس الأحبة كم يسحرني تصفيفها لجدائل الروابي البيض حين تهب متعثرة كالعليل ..صعدت جباله ذات فرحة في مغامرات طفولية..أيام كنا نسابق الطير لنقطف النبق المتدلي بتراقي السدر المتكىء على أريكة وادي "البطنان"كعقد من العقيق يعانق جيد غانية كسول..كنا نمضي سحابة يومنا في قطفه وتخير أنواعه ثم نصعد قبيل الغروب إلى قمة جبل "الديكديك"لنكسر من شجر البشام أغصانا عطرة يستخدمها الكبار مساويك ..مساويك البشام نشتري بها رضى الأمهات اللواتي كنا خرجنا دون إذنهن في ظلمة الغلس ..أذكر أني مرة حاولت التسلل قبيل الفجر لكن أمي كانت مستيقظة تصلي ..وفشلت المحاولة؛لأنا في ذلك اليوم أشدا أسى من جندي يقود محاولة انقلابية فاشلة..خسرت كل شيئ هكذا حسابات الصغار..كان هذا دأبنا أيام عطلة المحاظر "لخميسة"مرة خرجنا في رحلة مماثلة وغربت الشمس ونحن لما ننزل عن قمة الجبل وضللنا الطريق..آه ..ويحك يا ذكريات الطفولة أراك ستسرقيني من غربة بئر الكندوز إلى أنس الاسترسال معك..أعترف أني لحد الساعة لم أجب عن سؤال الوطن..عن سر تعلقنا به..لكنني أعرف أنه سر إنساني نبيل ..حب الوطن هو الذي أخرج تلك العاطفة الصادقة من أبي الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم ، حين أيقن أنه أصبح خارج بطحاء مكة، التفت إليها وألقى نظرة هي كل ما يملك حينها وقال في انفعال عاطفي صادق: يامكة إنك لأحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني ماخرجت. أ هي عاطفة النبي المشفق على عشيرة تركها تتخبط في عمياء ستفضي بها إلى النار ..أم هو حنين الأب لأرض خلف على أديمها قسرا أبناءه وبناته أم لأن بطحاء مكة هي مدارج الصبا ومهد مآرب قضاها الشباب هنالكا ..قد يظن البعض أن في بيتي ابن الملوح سر المعجزة :
أمر على الديار ديار ليلى ** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ** و لكن حب من سكن الديارا
و والله إن حب من سكن الديار شاغف قلوبنا ..ولكن ليس ذلك هو الصواب في جواب سؤال الحنين الفطري..ذلك أن من "سكن الديار" بعيد من بئر الكندوز الآن كل البعد فلماذا لم يضرم الشوق ناره و أنا في انواكشوط التي تركت بها من "سكن الديار" وتركت بعيدا عنه أهلي وخلاني ولماذا أضرم الآن ناره ..هل أصبحنا نشتاق للوطن السياسي أكثر من شوقنا للوطن الاجتماعي..هذا ما تفسره هذه العاطفة عند خط التماس..وقد يقال أن القلب تقسمه الهوى بين الأهل والوطن وظل يتسلى برؤية ربوع الوطن عن بين الخليط وغياب وجوه الأحبة ، فلما ذهب السلو بالوقوف على حافة الروح(الوطن)انفجر بركان الشوق الخامد بالسلو الموهوم ، فهي إذن عاطفة متقسمة بينهما كشف عنها ابن الدمينة حين أعل الشوق و كره البين بالطرفين (الأهل والوطن):
فوا كبدي مما أكن من الهوى ** إذا ما بدا برق من الليل يلمح
إذا كان هذا الدهر نأيا وغربة ** عن الأهل والأوطان فالموت أروح
أقر بالعجز أمام ظاهرة الوطن القابع في المخيلة والممتد في حنايا الروح بخريطته الجغرافية وأبعادها غير المستقيمة ..خريطة الوطن هذه التي رسمناها بكثير من الارتجال على ألواحنا أيام الدراسة والتي كانت تمثل المشترك بين الصحف الحائطية لكل تلاميذ المدارس ..رحلت من اللوح والدفتر والجدار لترتسم بكل تلاوينها على خريطة المشاعر ..أو على خريطة مشاعري الشخصية..في داخلي أصداء معركة لكويشيش و عبق دماء شهداء وقعة وديان الخروب، وتواقيع بنات الريف وهن يوقعن على طبولهن وقع جياد فرسان أحلامهن القادمين من وراء الغيوم يلبسون الدراريع البيض ويلوون عمائم "النيلة" ..تلك الفتيات المسكونات بأشوار "الظل" يهتفن الآن بداخلي وتسرى ألحانهن الشجية حداء لتاريخ امتزج بالجغرافيا و جغرافيا خالطها طعم تاريخ عبق..و أيم الله إني لأكاد ألمح ألحاظهن البريئة تتسلل بين ظلال الأشجار الطويلة في الليالي البيض تترقب في توجس قدوم فتى يتراءين شبحه من بعيد وتلتفت إحداهن إلى زميلاتها قائلة:
قفي فانظري أسماء هل تعرفينه؟
فتجيبها الأخرى:
.... أهذا المغيري الذي كان يذكر؟
أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن ** وعيشك أنساه إلى يوم أقبر؟
فترد عليها قائلة:
لئن كان إياه لقد حال بعدنا ** عن العهد والانسان قد يتغير
و فجأة تتمخض المحاورة عن أب أسماء وقد جاء ليعلن أن وقت السمر قد انتهى فيتسللن متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من شدة الحياء...أنا اليوم سمير:
فتية هجروا المرابع وانتــــــــــضوا ** ألواحهم وبرى النفوس طلاب
السامرون على الدروس وقد سجا الـ**ــــليل الوديع وأسدل الهداب
وإني اللحظة لأسمع لولا أن تفندوني هينمة المختار بن بون بنص الإضافة من ألفية ابن مالك وعلى مرمى بصر من هنالك أشهد محمد بن الطلبة وهو يتلوى في لحظة مخاض بمعارضته لحميد بن ثور الهلالي ولكأني الآن أسمعه يردد مطلعه:
ألاهيما ما ألاقي وهيما ** وويحا لما لم ألق منهن ويحما
فيحملق في كثبان إينشيري ويخطو رافعا رأسه كمن يتشمم رائحة مطلع شبيه يفتتح به معارضته وينطق بالمطلع الفصل:
تأوبه طيف الخيال بمريما**فأمسى معنى مستهاما متيما
هو إذن شريط الوطن الممتد بتلاوينه كقوس قزح في ذاكرة صنعت من عجين الرمل "مخلوطا بأدمعنا"..ذلك ما يشبه أن يكون سر التعلق بالوطن..الوطن الذي يسكننا إذن هو الذي نتعلق به لا الوطن الذي نسكنه..الوطن الذي يسكننا جميل كأنفاس الصبح وصاف كسماء "أفله" وثابت كرواسي جبال الموريتانيد.. أما الوطن الذي نسكنه فهو عبوس كليل ذبيان وممتقع كأوجه المتهمين و متلون كحب "الانترنت"..الوطن الذي يسكننا لا نرحل عنه لأنه مقيم مكان الضلوع والوطن الذي نسكنه نبقى غرباء ونحن في أحضانه ..ذلك أنه وطن قنفذي الأديم..ثعلبي السمات، تطلع شمسه بين قرني شيطان وتغرب بين قرني جنرال.
ملاحظة:"هي خواطر أملتها ذاكرتي على ذاكرة هاتفي فكنت أكتبها في الرسائل المحفوظة ذات مرور بمركز بئر الكندوز الحدودي بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية عند الدرك الموريتاني في يوم عاصف أردت لها أن تظل طليقة كروح الغريب".
سارت مشرقة وسرت مغربا ** شتان بين مشرق ومغرب
متباعدون جمعهم القدر في صعيد واحد، وطوحت بهم صروف الدهر إلى هناك.. أوروبيون تذرو العواصف المغبرة في خراطيمهم الطويلة حبات رملها فيتأففون منها .. ليس بها اعتدال جبال البرانس و أفارقة قادمون من اسبانيا وغيرها لاتزال ملامحهم السمراء تحكي حرارة البركان الخامد في حضن جبل كلمنجارو العتيد.. كل ما هنالك غريب حتى استمارة المعلومات ..أليست تكتب رغم أنف التاريخ والسيادة بلسان أعجمي في أرض المرابطين..قدمت جواز سفري لضابط الحدود الموريتانية وقلت له له : أطلب منك أن تمنحني ما أكره.فطبع على جوازي إذنا بالخروج..أخذته شاكرا إياه على وحدة الشعور ..ألم يفهم أن هناك شيئا نتفق على قلاه هو وداع وطن نسكنه ..لا بل أرضا تسكننا ..تبادلت و إياه نظرات الوداع الأخير ..وأودعني بنظراته سؤالا كانت عيناي تحملانه إليه ..لماذا نحب الوطن حد التوله والهيام..أنا فهمت سؤال عينيه وأعجلني منادي السيارة أن أتأكد من فهمه سؤال عيني ..نظرات نكأت جرحا كان سهم عيني أم علي وهي تودعني ذات مساء حزين تركه مفتوحا في حشاشة قلببي المكلوم ..آه ..لماذا نكره الخروج من أرض الوطن السياسي ..أعرف جواب ابن الرومي في قوله:
وحبب أوطان الرجال إليهم ** مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ** عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
لكن مآرب شبابي قضيتها بعيدا عن الأرض التي أحزن لفراقها الآن؛ شتان بين كثبان تيرس وهضاب" أفله" على الأطراف الشمالية الغربية للحوض الغربي..أنا ما سكنت تيرس منذ خرجت إلى عالم الحياة، ليست لي بها أي ذكريات؛ كل ذكرياتي في مرابع"أفله" ..أعرف طعم هوائه و لون أنسامه المحملة بأنفاس الأحبة كم يسحرني تصفيفها لجدائل الروابي البيض حين تهب متعثرة كالعليل ..صعدت جباله ذات فرحة في مغامرات طفولية..أيام كنا نسابق الطير لنقطف النبق المتدلي بتراقي السدر المتكىء على أريكة وادي "البطنان"كعقد من العقيق يعانق جيد غانية كسول..كنا نمضي سحابة يومنا في قطفه وتخير أنواعه ثم نصعد قبيل الغروب إلى قمة جبل "الديكديك"لنكسر من شجر البشام أغصانا عطرة يستخدمها الكبار مساويك ..مساويك البشام نشتري بها رضى الأمهات اللواتي كنا خرجنا دون إذنهن في ظلمة الغلس ..أذكر أني مرة حاولت التسلل قبيل الفجر لكن أمي كانت مستيقظة تصلي ..وفشلت المحاولة؛لأنا في ذلك اليوم أشدا أسى من جندي يقود محاولة انقلابية فاشلة..خسرت كل شيئ هكذا حسابات الصغار..كان هذا دأبنا أيام عطلة المحاظر "لخميسة"مرة خرجنا في رحلة مماثلة وغربت الشمس ونحن لما ننزل عن قمة الجبل وضللنا الطريق..آه ..ويحك يا ذكريات الطفولة أراك ستسرقيني من غربة بئر الكندوز إلى أنس الاسترسال معك..أعترف أني لحد الساعة لم أجب عن سؤال الوطن..عن سر تعلقنا به..لكنني أعرف أنه سر إنساني نبيل ..حب الوطن هو الذي أخرج تلك العاطفة الصادقة من أبي الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم ، حين أيقن أنه أصبح خارج بطحاء مكة، التفت إليها وألقى نظرة هي كل ما يملك حينها وقال في انفعال عاطفي صادق: يامكة إنك لأحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني ماخرجت. أ هي عاطفة النبي المشفق على عشيرة تركها تتخبط في عمياء ستفضي بها إلى النار ..أم هو حنين الأب لأرض خلف على أديمها قسرا أبناءه وبناته أم لأن بطحاء مكة هي مدارج الصبا ومهد مآرب قضاها الشباب هنالكا ..قد يظن البعض أن في بيتي ابن الملوح سر المعجزة :
أمر على الديار ديار ليلى ** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ** و لكن حب من سكن الديارا
و والله إن حب من سكن الديار شاغف قلوبنا ..ولكن ليس ذلك هو الصواب في جواب سؤال الحنين الفطري..ذلك أن من "سكن الديار" بعيد من بئر الكندوز الآن كل البعد فلماذا لم يضرم الشوق ناره و أنا في انواكشوط التي تركت بها من "سكن الديار" وتركت بعيدا عنه أهلي وخلاني ولماذا أضرم الآن ناره ..هل أصبحنا نشتاق للوطن السياسي أكثر من شوقنا للوطن الاجتماعي..هذا ما تفسره هذه العاطفة عند خط التماس..وقد يقال أن القلب تقسمه الهوى بين الأهل والوطن وظل يتسلى برؤية ربوع الوطن عن بين الخليط وغياب وجوه الأحبة ، فلما ذهب السلو بالوقوف على حافة الروح(الوطن)انفجر بركان الشوق الخامد بالسلو الموهوم ، فهي إذن عاطفة متقسمة بينهما كشف عنها ابن الدمينة حين أعل الشوق و كره البين بالطرفين (الأهل والوطن):
فوا كبدي مما أكن من الهوى ** إذا ما بدا برق من الليل يلمح
إذا كان هذا الدهر نأيا وغربة ** عن الأهل والأوطان فالموت أروح
أقر بالعجز أمام ظاهرة الوطن القابع في المخيلة والممتد في حنايا الروح بخريطته الجغرافية وأبعادها غير المستقيمة ..خريطة الوطن هذه التي رسمناها بكثير من الارتجال على ألواحنا أيام الدراسة والتي كانت تمثل المشترك بين الصحف الحائطية لكل تلاميذ المدارس ..رحلت من اللوح والدفتر والجدار لترتسم بكل تلاوينها على خريطة المشاعر ..أو على خريطة مشاعري الشخصية..في داخلي أصداء معركة لكويشيش و عبق دماء شهداء وقعة وديان الخروب، وتواقيع بنات الريف وهن يوقعن على طبولهن وقع جياد فرسان أحلامهن القادمين من وراء الغيوم يلبسون الدراريع البيض ويلوون عمائم "النيلة" ..تلك الفتيات المسكونات بأشوار "الظل" يهتفن الآن بداخلي وتسرى ألحانهن الشجية حداء لتاريخ امتزج بالجغرافيا و جغرافيا خالطها طعم تاريخ عبق..و أيم الله إني لأكاد ألمح ألحاظهن البريئة تتسلل بين ظلال الأشجار الطويلة في الليالي البيض تترقب في توجس قدوم فتى يتراءين شبحه من بعيد وتلتفت إحداهن إلى زميلاتها قائلة:
قفي فانظري أسماء هل تعرفينه؟
فتجيبها الأخرى:
.... أهذا المغيري الذي كان يذكر؟
أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن ** وعيشك أنساه إلى يوم أقبر؟
فترد عليها قائلة:
لئن كان إياه لقد حال بعدنا ** عن العهد والانسان قد يتغير
و فجأة تتمخض المحاورة عن أب أسماء وقد جاء ليعلن أن وقت السمر قد انتهى فيتسللن متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من شدة الحياء...أنا اليوم سمير:
فتية هجروا المرابع وانتــــــــــضوا ** ألواحهم وبرى النفوس طلاب
السامرون على الدروس وقد سجا الـ**ــــليل الوديع وأسدل الهداب
وإني اللحظة لأسمع لولا أن تفندوني هينمة المختار بن بون بنص الإضافة من ألفية ابن مالك وعلى مرمى بصر من هنالك أشهد محمد بن الطلبة وهو يتلوى في لحظة مخاض بمعارضته لحميد بن ثور الهلالي ولكأني الآن أسمعه يردد مطلعه:
ألاهيما ما ألاقي وهيما ** وويحا لما لم ألق منهن ويحما
فيحملق في كثبان إينشيري ويخطو رافعا رأسه كمن يتشمم رائحة مطلع شبيه يفتتح به معارضته وينطق بالمطلع الفصل:
تأوبه طيف الخيال بمريما**فأمسى معنى مستهاما متيما
هو إذن شريط الوطن الممتد بتلاوينه كقوس قزح في ذاكرة صنعت من عجين الرمل "مخلوطا بأدمعنا"..ذلك ما يشبه أن يكون سر التعلق بالوطن..الوطن الذي يسكننا إذن هو الذي نتعلق به لا الوطن الذي نسكنه..الوطن الذي يسكننا جميل كأنفاس الصبح وصاف كسماء "أفله" وثابت كرواسي جبال الموريتانيد.. أما الوطن الذي نسكنه فهو عبوس كليل ذبيان وممتقع كأوجه المتهمين و متلون كحب "الانترنت"..الوطن الذي يسكننا لا نرحل عنه لأنه مقيم مكان الضلوع والوطن الذي نسكنه نبقى غرباء ونحن في أحضانه ..ذلك أنه وطن قنفذي الأديم..ثعلبي السمات، تطلع شمسه بين قرني شيطان وتغرب بين قرني جنرال.
ملاحظة:"هي خواطر أملتها ذاكرتي على ذاكرة هاتفي فكنت أكتبها في الرسائل المحفوظة ذات مرور بمركز بئر الكندوز الحدودي بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية عند الدرك الموريتاني في يوم عاصف أردت لها أن تظل طليقة كروح الغريب".







