تاريخ الإضافة : 26.03.2009 10:12

فتوى من القطب الجنوبي

أحمد فال ولد الدين في القطب الجنوبي

أحمد فال ولد الدين في القطب الجنوبي

فتوى من القطب الجنوبي
أحمد فال ولد الدين
شاء ربك أن أجد نفسي وسط جمع من شُذاذ الأفاق يمتطون الريحَ في طريقهم إلى القارة الجنوبية المتجمدة: انتاركتيكا.
أنتاركتيكا عبارة عن قارة ضخمة هي الأبرد والأكثر رياحا بين القارات. تلتحف طيلة السنة عباءة ثلجية كثيفة يصل سمكها في بعض المناطق خمسة كيلو مترات، كما يغطي الثلج 97% من مساحتها.
بدأت الرحلة من رأس الرجاء الصالح: من المطار الدولي بكيب تاون: المدينة الساحرة.
بعد ثمان ساعات من الطيران في طائرة غير عادية مزودة بوسائل تمكنها من الهبوط على مدارج الثلج، أخبرنا الطاقم أن علينا أن نغير ملابسنا استعدادا لصقيع انتاركتيكا..
تسابقنا لمراكمة أكبر قدر من الملابس الخاصة بمكافحة البرد...
كنت أحدث النفس في الطائرة قائلا: "كيف يمكنني وأنا القادم من صحراء موريتانيا الساخنة أن أعيش ثلاثة أيام في أنتاركتيكا؟ وكيف يمكنني العيش على قارة تغطي الثلوج 97% من مساحتها.
كان من بين رفاق الرحلة رجل فرنسي زار موريتانيا عدة مرات، وكان يداعبني قائلا: "كأني بك وقد تحولت إلى قطعة من الثلج...وكأني بهم في العالم العربي يقولون إنك أول صحافي يتجمد على أرض هذه القارة".
لكن بعد استرسالي في الحديث معه سألني إن كنت رأيت الثلح في حياتي فأخبرته أني قضيت شتاء كاملا في ولاية نبراسكا الأميركية فقال: "إذن أنت موريتاني مُزوَّر وستعيش بسلام في أنتاركتيكا ما دامتْ لك جذور نبراسيكية!"
بعد أراكمنا على أجسادنا ما شاء الله أن نراكم من الملابس هبطنا "مدفن الثلج" الساعة الثالثة صباحا..إلا أنه كان النهار..فالشمس لا تغيب نهائيا عن أنتاركتيكا ستة أشهر من السنة..
عندما بدأت أتجول في جنبات انتاركتيكا، بدأت أشعر كأني في صحراء موريتانيا. فالفرق الوحيد هو أن هذه صحراء بيضاء.
قال لي أحد المرافقين: "يجب أن تسجل أنك أول صحافي عربي يزور القطب الجنوبي، فقلت لا أدري ولا أستطيع أن أجزم بذلك، لكنني يمكن أن أسجل أني أول من أنشد أشعار الأعراب في قارة الثلج هذه.
فقد وجدتني أنشد وأنا أمشي وسط صحراء من الثلج لا نهاية لها:
كأني بأحشاء السباسب خاطرٌ * فما وُجدتْ إلا وشخصيِ ضميرُها
وبما أنني بحمد الله أحتفظ بعادة بدويةٍ وهي أن المناظر المؤثرة عندما تستفزني أنشد شعرا بصوت مسموع على طريقة الأعرابي:
إذا ما تغني أنَّ من بعد زفرةٍ * كما أنَّ من حر السلاح جريح...
فقد سألني أحد البلاجكة: ما الذي تُهينم به؟ فقلت له: "هذا ربيع النفوس النفيسة، ورأس مال العلوم الرئيسة..الشعر!" – والتعبير لياقوت الحموي-...
لكن الرجل لم يفهم، وأنا لم أحسن الترجمة...
وكان على قرببنا بيننا * مجاهلُ من جهله والعمى!
كان الهدف من الرحلة حضور تدشين أول محطة تعمل دون تسرب للغاز في تلك القارة. وكانت هذه المحطة حلما عاش له مستكشف بلجيكي اسمه ألان هوبرت..
ولعل أهم ما رجعت به من هذه الرجلة أمرين:
فتوى شرعية حصلت عليها هناك...
وحوارا أجريته مع هذا الرجل المستكشف العجيب: ألان هوبيرت..
وبما أن الحوار طويل وعميق، فسأتركه حتى مناسبة اخرى لكنني سأتحفك – قارئي الكريم- بالفتوى.
فعندما تم تدشين المحطة دارت الصهباء احتفالا بإنجاز المشروع.. فتقمدتُ للفتاة المشرفة على الحفل وقلت لها: أريد عصيرا...
فقالت: "هل أنت مسلم متشدد"؟ فقلت لها: "نعم أنا مسلم لكن..بيني وبين التشدد "جبالٌ من الشام تطولُ وتقصرُ"... إلا أنني لا أشرب أم الخبائث لأنها حرام.
فقالت: "لكن الخمر ليست حراما. فأنا مسلمة أيضا وقد درست الموضوع بعمق..
إن الحرام أنواع وطبقات، والخمر لا تصل لحد الحرمة، ثم إن المناسبة خاصة،( Special Occasion) وإذا كانت هناك كراهة فطبيعة اللحظة تتجاوزها..."
فقلت: "هذا هو الفقه لعمري!".
وقلت في نفسي: إن لم أعد من بلاد الثلج بغير هذه الفتوى، فقد حزت قدم السبق..وسأعرضها على فقهاء أولاد ديمان عندما أعود لبلاد السيبة...

------------------------
لقراءة مزيد من مقالات أحمد ولد الدين أضغط أدناه أو اذهب إلى زاوية مقالات

كناش أحمد فال ولد الدين

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026