تاريخ الإضافة : 24.03.2009 18:05

كنت مع الجنرال في مثلث الفقر و الأخاديد والأحواض الناضبة

فور مصافحته أعيان ووجهاء وجماهير الاك تمثل الرئيس بقول الشاعر
عظيم ما لقيت وما الاقي
كرام القوم حولي في الاقي
فهؤلاء هم كل وجوه المنطقة وأعيانها وسادتها فذاك بابكر سولي يجر وراءه سرات هليبه المدعومين بأعيان الفلان الذين يقودهم صو آداما وهذا ولد أداعه وولد بلالي وولد مكت وولد أغربط وولد الشيخ عبد الدايم وبن أبي المعالي وعليه فليس لإغلاق دار ولد احمدشل من تأثير خصوصا في ظل الحضور الفاعل للبلدية ولسادة أغشوركيت وفي ظل الدعم القوي من أقيال شكار وزوايا مكطع لحجار ومشاييخ صنكرافة وغيرهم من أعطوا التمكين منذ فجر التاريخ في هذه الربوع إعانة للضعيف وغوثا للمستجير وابن السبيل وترحيبا بالسلطة واحتضانا لمن ولي التسيير المركزي للبلد.
بعد هذه البداية السعيدة والتفاؤل الكبير ومع التقدم في اتجاه التخوم المطلة على مشارف آفطوط وجد صغار مرافقي الرئيس أن فسحة الأمل التي أمتدت على طول الطريق بدأت تتضاءل مع انفتاح الفضاءات المرعبة والصخور المغبرة المتناثرة والمترامية على مرآى البصر فشخصت الأبصار وأصبحت الأفواه فاغرة والأعين غائرة .
على امتداد الصحاري القاحلة الممتدة بين الغايرة إلى مشارف أمبود مرورا بباركيول والتي تتثنى كالثعابين لتمر بفم لكليت ومونجل ومال، كان على كل مرافقي الوفد الرئاسي وتابعيهم من الغاوين أن يشربوا حتى النخاع من الغبار والأتربة كما كان عليهم أن يعايشو الارتجاجات والكدمات وأحيانا الصفعات التي توزعها الأخاديد بسخاء على الجميع دون أن تفرق بين الرسمي وغير الرسمي كما يفعل بعض القائمين على الأنشطة ضمن هذه القافلة والذين يميزون في وعود التغذية والرعاية بين الناس وفق معيار الترسيم الذي قدم هنا على الشريعة الربانية التي فرضت المساواة بين أبناء السبيل باعتبارهم كذلك ودون اعتبارات أخرى.
المهم أنه كان على القطط السمان من الوزراء والمدراء أن يلتحفوا الأسمال كما يفعل السكان هنا مقهورين كما كان عليهم أن يركعوا للأخاديد وأن يلطخوا باللون الرمادي الذي يغير سيماء البشر ويكسيهم مسحة داكنه تدوم لأيام و تزيدا قهرا في العمر عشرات السنين موحية بترهل الكاهنات وتقدمها في السن وحملها للهموم وللعنات المسلطة على الجميع.
كان عليهم أيضا أن يعانوا من سوء الهضم الناتج عن الأغذية غير الصحية وأن يقفوا الساعات الطوال خلف الأخبئة والأعرشة وفي الأقبية منتظرين الرحمة والفرج كما تفعل عجائز البقر وأعجازها في هذا الموسم خصوصا عندما تكون السنة شهباء عجفاء كما هذا العام.
كان عليهم ومن معهم أن يخضعوا لقانون المكان الذي لم يبق من مظاهر الحياة غير أحجار تتصرم وتتكسر بفعل عوامل التعرية وأشجارا شمرت عن سيقانيها استعدادا لآخر عاصفة ستدفع للعالم الآخر، من هنا كان الوفد شخوصا وأعجاز نخل خاوية؛ بعضها اشتكى علنا من قلة الزاد وضآلة القرى وتلوث المشرب ، بينما أمل البعض الآخر عودة يمكن أن تنسي هذا الهم والعذاب الذي ليس سوى تطهير من خطيئة الانتماء لهذا البلد وتضحية لا بد منها حتى يظفر الوزير بالامتيازات الكبيرة المرتبطة بالمنصب.
المهم أن الوفد وعلى رأسه الرئيس قد تكونت لديه معرفة راسخة عن هذا الربع الخراب الممتد على مساحة قدرها عشرة آلاف كيلومتر مربع والتي تحوي ساكنة خلفها الجهد عن الالتحاق بالركب ، ساكنة ليس لها من متاع الدنيا غير الأعرشة والأسمال وبعض الآنية الضئيلة المنحوتة من الصخور، فقد هاجرت عنها الماشية أو ماتت كما هجرتها الغلال منذ عشرات السنين لذا فهم يطالبون بقليل من الماء وبعض حبات الفستق والفاصوليا وذرات من الذرة الصفراء التي يقول الأجداد هنا ممن بقوا على قيد الحياة للأحفاد إنها كانت تزرع في هذه الأصقاع وبأن العنقاء قد رحلت بها لغير رجعة، إنهم يطالبون بإعانتهم على توفير اليسير لأبنائهم وإعانتهم في شؤون قبورهم، بعض أعضاء الوفد استغرب مطالبة أحد الأعيان الرئيس بتسوير إحدى المقابر دون أن يدري هذا المستغرب أن الموت هنا حاضر بقوة في وعي ولا وعي السكان وهم دوما في استعداد لبناء مساكن البرزخ نظرا إلى أن الأعمار الافتراضية عندهم قليلة وبأنه ليس لديهم ما يأسفون لمغادرته ذلك أنهم قد غبنوا يوم أن تنكبوا الطريق واتجهوا لهذا الصقع الذي لا يصلح لا للرعي ولا للزاعة ولا للحياة ، إنه يصلح فقط عناوين لذوي اللياقات البيضاء الذين يأتون في المناسبات ويبيعون هؤلاء المغفلين في سوق النخاسة السياسية ويبقونهم في الحضيض؛ في الجهل والمرض، حتى لا يكتشفوا ظلم الواقع الذي يعيشونه وزيف العلاقات والأغلال التي تكبلهم، إنهم ياتون بهم للاجتماعات والاستقبالات ومن ثم لا يعيدونهم إلى قراهم البعيدة، أحرى أن ينالهم من بركة الاستقبال أي شيء، فقد مررت ـ وكنت متأخرا عن الوفد بحكم كوني من الغاوين من اتباعه ـ على عشرات النسوة وهن يحملن الاطفال وقد شمرن عن السيقان وتمنطقن بما بقي ألبسة بالية وهن يذرعن الأرض حافيات الأقدام في أكثرهن ويمددن أيديهن لكل مار طالبات العون على مشقات الرحلة وعندما استفسرتهن عن حالهن وبمن جاء بهن قلن إن أحد الأسياد قد أحضرهن في سيارة ليستقبلن الرئيس وقد أبى أن يعيدهن إلى القرية لأنه في عجلة من أمره .
لقد تجمع على هذا المنكب المنكوب لعنات المكان واخلاف البروق وظلم ذوي القربي فكان ربعا خاليا ومربعا خربا هجره كل شيء حتى الجبال التي بدأت تتصرم شظايا وذرات صغيرة وعليه فإن الجنرال عندما تعهد بتنمية هذه المنطقة فإنما تعهد بمواجهة تحد رفعه هو في مستوى الاستثناء ذلك أن مشاريع التنمية هنا قد باءت كلها بالفشل وقد أصابتها عدوى المكان فلم تعد سدودها وبنياتها التحتية تصمد سوى شهور ولا ترتفع عن الأرض إلا لحظات بفعل عوامل التعرية التي عرت البشر والحجر وحكمت بالترهل على الجميع.
المؤكد أن الجنرال وبعد أن عاد من الرحلة سيتعالق نصيا مع البيت الأول قائلا:
رهيب ما لقيت وما ألاقي
دموع القوم أدمت لي مآقي
عبد الفتاح ولد بابه ـ كاتب صحفي
Abdelfatahbaba@yahoo.fr

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026