تاريخ الإضافة : 23.03.2009 23:30

الحرب على الفساد: كفى تصفيقا.. كفى شعرا.. وغناء !

هكذا جاءت مدوية! كلمة بوقع قنبلة!! سلاح فتاك بلا ريب، دخل المعركة الدائرة رحاها اليوم على الفساد والمفسدين؛ " كفى تصفيقا.. كفى شعرا وغناء" قذف بها الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس الدولة، في وجوه المهرجين والمداحين، ممن مردوا على تسلق معارج الزيارات الرسمية والمناسبات العامة، للوصول إلى غايات خبيثة لا تشبع نهمهم المحموم أبدا إلى الحظوة والمناصب والتسهيلات، على حساب الغالبية البائسة من المواطنين.

الكثير من هؤلاء المهرجين، ومعظمهم من أصحاب السير الذاتية المضرجة بدموع الفقراء والمهمشين، وأصحاب البطون المتخمة بميزانيات كاملة لمشاريع ومؤسسات عمومية وقطاعات عدة، برعوا وتفننوا في لفت أنظار القادة والرؤساء، وحملهم على الاستماع إليهم والارتهان لمكائدهم وخططهم، ونجحوا أكثر من مرة في تحويل الاهتمامات الوطنية السامية لضحاياهم إلى غايات أنانية هابطة، فقد {زينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} وشيئا فشيئا، وبالإيحاء والوسوسة وإثارة الغرائز،عكف الضحايا على شهواتهم، ونبذوا الأمانات التي حملوها وراء ظهورهم، وتقلبوا في المفاسد- ظهرا لبطن-حتى إذا ما دالت سلطتهم و{حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم} شيعهم المهرجون والمداحون والمصفقون بالشتائم واللعنات، ثم اشرأبت أعناقهم وسال لعابهم لافتراس الطريدة الجديدة.

الجموع الحاشدة في مناسبات عامة، كزيارة الرئيس للمناطق الداخلية مثلا، هي أحبولة المصفقين والمهرجين للإيقاع بطرائدهم من الرؤساء والقادة، فأن تستفيق- مثلا- بلدة الغائرة الصغيرة النائمة في حضن العدوة الدنيا من هضبة العصابة، حيث قذف الرئيس بكلمته القنبلة في المهرجان العام، أن تستفيق تلك القرية الوادعة من سباتها ذات يوم، وقد احتشد فيها ضعف ساكنة الولاية التي تنتمي إليها على الخارطة الإدارية، فذلك أمر، رغم استثنائيته بكل المقاييس في القرية البائسة، كونه يقطع رتابة الحياة الاعتيادية فيها ولو إلى حين، وينعش حركة البيع والشراء وتبادل الخدمات، ولو لفترة وجيزة، إلا أن ذلك لا يمت بصلة إلى الغايات التي شدت من أجلها الجموع الغفيرة رحالها إلى القرية، بل جاءت تلك الجموع لتفسد على أهل القرية المساكين فرحتهم البريئة برئيس قرر أن يزور مجموعة من القرى البدائية التعسة المتناثرة في أغوار وقيعان آفطوط،، بما فيها قريتهم، ويأمر بتنفيذ حزمة من المشاريع التنموية، من شأنها أن تمد تلك القرى لأول مرة بأبسط مقومات الحياة المستقرة؛ فجاءت جموع المصفقين والمهرجين والمداحين، لتتظاهر بما ليس فيها من الولاء والمساندة غير المشروطة، ولتتعرض للأضواء الكاشفة وتنشد الأشعار وتكيل المدائح وتقود جوقة الزمر والتطبيل والتصفيق، وتتصدر مواكب المستقبلين والمحتفلين، وتتقدم قائمة المقابلات الشخصية مع الرئيس، وتنثر بين يديه فحيحها المسموم.

مهرجانات الجموع الحاشدة تلك التي خاطبها الرئيس خلال رحلته إلى مثلث الفقر والقرى المنسية في آفطوط، والتي صفقت كثيرا وهللت كثيرا، كانت بلا ريب، أضعاف ساكنة المناطق المزورة، وجاء معظمها من نواكشوط ومن نواذيبو، فضلا عن العواصم والمدن الكبرى في الولايات التي تناولت جولة الرئيس بعض أطرافها، وذلك جريا على سنة سيئة وعادة مقيتة أرستها فترات الفساد المتتالية، تتمثل في إلزامية عودة كل المنحدرين من أي منطقة يقرر من بيده الأمر جدولتها في برامج الزيارات الاستعراضية، وذلك لتقديم آيات الزلفى والتظاهر بالولاء وكيل المديح، والظفر بمقابلة السلطان، وقد كانت تلك السنة السيئة- والبعض ما زال يعتقد أنها كذلك- عملا واجبا يثاب على فعله بالوظائف والتعيينات والتسهيلات، ويعاقب على تركه بالتهميش والحرمان والمضايقات.

وجريا على تلك العادة المقيتة، وإحياء لتلك السنة الكريهة، تركت أفواج المسئولين والموظفين، من كل درجات الهرم الوظيفي في الدولة، ومن القطاعين العام والخاص، وكذلك المنتخبون ورؤساء الأحزاب ورجال الأعمال ومشايخ القبائل وأبناء الأسر والعشائر النافذة، فضلا عن الشعراء والفقهاء وسماسرة المناسبات الرسمية، تركت مشاغلها وعطلت دوائرها وأغلقت مؤسساتها وشركاتها ومكاتبها وأجلت جميع التزاماتها ومسئولياتها ووظائفها، وانطلقت في سباق مع الزمن إلى مختلف مناطق آفطوط وأضلاع مثلث الفقر، لتكون في طليعة المستقبلين والمضيفين والمنظمين والمصفقين بحرارة لكل كلمة يقولها الرئيس، ولتسجل أسماؤها على لوائح الأطر والوجهاء، وتتصدر قائمتهم الطويلة للمقابلات الخاصة بالرئيس، حيث تسرج عندئذ المطايا الذلول للفساد.

تلك الاستعراضات الكرنيفالية التي يحسن إخراجها وحبكتها ذووا المناصب والوظائف والوجاهة وأهل الطول والسعة وقادة أجنحة الصراعات الأثنية والعنصرية والعشائرية وأصحاب المطامع والأحلام والآمال العريضة، هي أداة الإجهاض التي استخدمت من قبل ضد كل التدابير المتخذة لإنجاح مشاريع التنمية في البلد كله، ولقد احتشد هؤلاء من جديد في الفرصة النادرة التي مثلتها زيارة الجنرال إلى مثلث الفقر،لإجهاز على مشاريع التنمية التي حملها معه وهي في بدايتها، ولتنحرف بها عن طريق الإصلاح إلى دروب الفساد التي تحفظ مسالكها المتعرجة" كما تحفظ السورة من القرآن".

أول مسالك تلك الدروب ومنعطفاتها، هو تزوير الأوضاع والحقائق المحلية في المناطق المزورة، حيث تتستر شلة المصفقين ببهرجها وزينتها وجلبتها وخيلها ورجلها، على مظاهر البؤس والشقاء التي تطبع حياة الساكنة الحقيقية المتشبثة بالأرض، ومن ثم تحرم المواطنين المستهدفين بالزيارة من فرصة ثمينة لعرض واقعهم الاقتصادي والاجتماعي ومطالبهم البسيطة ذات الأولوية، وكما هي، دون تهويل أو تهوين.

وخلافا للمسلكيات المألوفة من أغلب قادة البلد ورؤسائه المتعاقبين، قرر الجنرال أن يصم أذنيه عن الجعجعة الفارغة ويغض الطرف عن البهرجة الزائفة للمصفقين والمداحين من محترفي السياسة المتباكين على الأيام الدابرة، فألقاها بين ظهرانيهم مجلجلة في مهرجان الغائرة:" كفى تصفيقا.. كفى شعرا وغناء" قبل أن يجد به السير الحثيث- برا- إلى تلك المنطقة النائية الوعرة، ليشرف في وضح النهار على تنفيذ المشاريع الإنمائية الجديدة الكفيلة بتحسين الأوضاع الحياتية لسكان المثلث البائس.

المفارقة العجيبة هي أن مثلث الفقر الذي استنفر الرئيس وزراء القطاعات الخدمية في الحكومة وهب لنجدته، يقع في الوسط من المضلع الأكثر خصبا في البلاد، حيث تلتقي هناك مجاري السيول المتحدرة من جبال تكانت وهضاب العصابة عبر أودية وقيعان آفطوط، مع تلاع وروافد أنهار كوركول، فتغمر- على مدار العام- مساحات واسعة من الأرض تميزها السهول الزراعية الخصبة، والمراعي الحيوانية الممرعة، ووفرة العمالة الزراعية والرعوية الرخيصة، ومنذ استقلال الدولة الموريتانية، وعلى مدى نصف قرن، رصدت لهذه المنطقة تمويلات هائلة لمشاريع عملاقة، كان من المفترض أن تحولها إلى سلة غذاء تفيض عن حاجة البلاد كلها؛ فبأي منطق يظل هذا المثلث فريسة لثلاثية الفقر والجهل والمرض؟

إنه منطق الفساد الذي نظّر له المنظرون على مر السنين، وقامت قلاعه الحصينة، تحت صولجان السلطة وبحماية من بطانة السوء؛ وكانت الوقاية الفعالة الدائمة والمتجددة، في حوزة المفسدين مزيدا من التصفيق والزلفى والتطبيل والتجييش القبلي والفئوي؛ وهكذا انتهت التمويلات الضخمة للمشاريع العملاقة في مثلث الفقر إلى جيوب المفسدين من أكلة المال العام، وأعيد تحفيظ السدود والأراضي المستصلحة كعقارات شخصية وعائلية وقبلية جماعية، ثم طواها الإهمال والنسيان.

هو- إذن- منطق النتائج المناقضة لكل مقدماتها، وقد ساد هذا المنطق، منذ أقحم نظام الانتخابات إقحاما، ودون ممهدات،على مجتمع قبلي متعدد العناصر والأعراق، قواسمه المشتركة هي التخلف والأمية والفقر؛ فيومها أحس الحاكم الوالغ في دماء الشعب وأعراضه، والمفتقر إلى أي رصيد من الإنجازات الملموسة على أرض الواقع، أحس بحاجته الماسة إلى أصوات القبائل والعشائر والعناصر، ومن ثم إلى تصفيقها وطبلها وزمرها، وإلى تزويرها ودسائسهما ومكائدها وصراعها فيما بينها، ليعزز قبضته على مقاليد الأمور ويستمر جاثما على البلاد كاتما لأنفاس العباد، فكان عليه أن يدفع ثمن ذلك تمكينا للبطانة الفاسدة في كل شيء، ودون مساءلة أو رقيب، وكانت نتيجة المنطق السليم لكل ذلك، انهيار الدولة الموريتانية بكل ما تعنيه.

وهكذا انحسرت مفاهيم الدولة والمواطنة والعدل والمساواة والحق والواجب، وتعطلت الوظائف الجوهرية للدولة، من تعليم وضمان صحي وأمن غذائي وبنية تحتية وتنمية، وانتفت المعايير الصحيحة لإسناد المسئوليات وفي مقدمتها الكفاءة والأمانة والدربة والمؤهلات، وغابت القيم والمثل النبيلة، كالقناعة والعفة والمروءة والنجدة؛ أما البدائل التي حلت محل تلك المفاهيم والوظائف والقيم الإنسانية، واصطبغت بها الحياة الوطنية بكل تقاطيعها منذ عقود، فهي معروفة للجميع.

ولقد ضاق العديد من النخب الوطنية ذرعا بتلك البدائل الممسوخة، وهبوا لمقاومة المسخ والفساد، لكن مقاومتهم وصلت في النهاية إلى طريق مسدود، انتهى بأغلبهم إلى الزنازين، فتساقط العديد منهم رهبا ورغبا تحت وطأة الحاجة والتهديد والحرمان والوعيد الشديد، واختط العض الأخر مسلكا محايدا، حاول به النأي بنفسه والسلامة بجلده، مؤثرا الابتعاد عن مشاغل الشأن العام والسلامة من بطش الجلاوزة والأزلام.

في تربة موبوءة وغارقة في مستنقع الفساد، كهذه، نبتت أجيال متعاقبة، فتحت أعينها على الواقع الممسوخ فانجرفت إلى قاع المنافسة الساخنة على الحظوة عند الحاكم، وتبارت في سباق محموم لاختراع مبتكرات من التهريج والتصفيق والإرجاف والفساد في الأرض، لا تخطر لعتاة المفسدين المتمرسين على بال، فطم البلاء وعمت المصيبة؛ وجاء الثالث من أغسطس 2005، مبشرا ببزوغ فجر يوم جديد، تعاد تحت شمسه صياغة النظام الوطني برمته خلال فترة وجيزة، فما كاد يعد حقائبه للرحيل، بعد أن نصب مرشحه الفائز، حتى تكشفت الصفحات السوداء للمرحلة الانتقالية، وانحرف الرئيس الجديد بما تبقى من الدولة إلى شفا جرف هار، لولا أن تداركها السادس من أغسطس 2008، ليصرخ قائد التصحيح لأول مرة في وجوه المفسدين المصفقين المهرجين: : كفى تصفيقا.. كفي شعرا وغناء= كفى فسادا:!! .

نواكشوط، في 23/03/2009
الحسن ولد مولاي علي
hmoulayely@yahoo.fr

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026