تاريخ الإضافة : 23.03.2009 09:09

عـــيبة الشتــيــت

أحمدو ولد المختار بزيد

أحمدو ولد المختار بزيد

أهداني الأستاذ محمدفال ولد عبد اللطيف نسخة من كتابه عيبة الشتيت- الذي صدر حديثا عن دار الفكر- وقد تصفحته أولا، ونيتي أن أعير قراءته - تلك الأيام- جانبا من الإهمال حتى أجد لذلك سانحة، ولكوني لم أهمله في ذلك المساء بعيدا، فقد أعدت النظر فيه بعد أن انفض السامر وسمح الوقت، وما حلِّي لعقد تلك النية إلا أني شغوف بقراءة قلم محمدفال، فقد كانت تستحثني بواعث على ذلك - دائما أذكرها له - منها: أسلوبه الذي أوشك أن ينفرد به بين كثير من الكتّاب، والذي يَعُد الملاحظ من سماته الأولى تلك المزاوجة السهلة الممتنعة بين أسلوب النثر التقليدي والمعاصر، فلم يستلب من ذاك، ولم يغترب في هذا. فكان مزيجا من روائع السرد النثري في يومنا هذا.
الباعث الثاني ما يستبطن به الأستاذ محمدفال كتاباته من سخرية تلقاها خلف جدية النص، أو العكس، ربما استئناسا بالقولة:( الكذب أحرام والحك ما ينكال) لا أعرف؟.
منها أيضا بساطته في الكلمة التي تصنع النص، وقطعه جميع حبال الوصل مع التكلف والتصنع، فهو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يعاظل بين الكلامين ولا يتتبّع وحشي الكلام. وتلك من شيم محمدفال حتى في غير الكتابة. ما أجمل السجية والغيب عن الأنا !
باعث آخر - والبواعث كثيرة- أن محمدفال فضلا عن طرافة قلمه، مبشر في الكتابة لا منفر، ميسر على القارئ لا معسر، لا يخيفك من القابل، ولا يصب اللعنة على ما فات.
أما الكتاب - يا حفظك الله – فهو غزير المادة، نظرك فيه كأنك على شطآن أبحر لا تعرف من أيها تغترف! مقالاته زادت على المائتين، و لك في قراءة كل منها سبحا طويلا. فأغلب مقالات الكِتاب حكت عن أمور تهم ذلك المخلوق المسكين الذي يسمى المواطن الموريتاني، ولا أعرف هل الكثير من المخلوقات الموريتانية قرأت هذه المقالات التي أثار الكاتب فيها كثيرا من القضايا الاجتماعية والسياسية، وبعض عوائق التنمية في وطن كتب له الله أن يكون، ولكون الإحاطة بالتعليق على كل مقالات الكتاب في هذا المقام متعذرة، أردت أن أذكر طَرفا منها، وكلها طُرف.
كتب محمدفال تحت عنوان: "الشعوب لا تضل ولكنها تنسى" نصا أبان فيه أن الشعوب - وأظنه يقصد شعوب العالم الثالث- غير معنية في الغالب بتكريم الأبطال مازالوا أحياء، أما إذا مات أحدهم فسيؤبنه شعبه بذكر محامده، وحدث ولا حرج...! فتقام الندوات حول إنجازاته، وتخلد ذكراه في يوم موته من كل عام، وربما أقاموا تمثالا له، وسموا شارعا باسمه إلى غير ذلك... أما وهو حي فيظل نسيا، ولو كانت إبداعاته وانجازاته بعد الحصا.
وكتب تحت عنوان: "الناصح الأمين" ما جرى له مع ناصح من أهل وده، يشنع عليه السير على الأقدام في شوارع وزقاق المدينة، والسبب بالنسبة للناصح احتقار العامة للماشي، إذ ركوب السيارة من دواعي الإجلال والإكبار لأي إنسان، والمشي دونها عيب يرد به عند الناس، ولم يكسب محمدفال رهان محاججة صاحبه من أن السير على الأقدام نافع للبدن معين على زحمة السير ينصح به الطبيب كل من طرق بابه، فقد فنّد الناصح تلك الدعاوي دون أن يكلف ذهنه كبير عناء في التفكير، قائلا: لن ترى طبيبا ولا أحدا من ذويه سائرا على قدميه تاركا السيارة، إنما ذلك مثل نصحهم بترك التدخين وتشنيعهم على أصحابه، ومعاقرتهم له، إنما مدحهم للسير على الأقدام من باب مدح التراث الوطني، والأصالة و احترام دول العالم الثالث وغيرها من المواضيع التي يحلو الكلام عنها دون أن يكون له تطبيق في الواقع الملموس.
ومن مدعمات الناصح التي أفحمت مخاطبه، أن السير على الأقدام مثلبة اليوم، مقصٍ من دائرة "البطارين"، الذين إذا أرادوا الرياضة لبسوا لها ثيابها، التي تجيب المشاهد عنهم قائلة: هذه ثيابنا شاهدة لنا، وإنما تركنا السيارة وسرنا على الأقدام اختيارا لا اضطرارا.
كتب محمدفال تحت عنوان: " عنز الأمهار والخنزير البري الملقب بعر" مقالة أوضحت بجلاء التناقض الصارخ بين الموريتاني وحياة التمدن، مثلما هو واقع من تضاد في العيش المشترك بين عنز الأمهار التي لا تترك البراري والعيش فيها، والخنزير البري الذي لا يألف غير البحور والغوص فيها. وضرب لذلك مثلا - وأمثلته كثيرة- أننا نرى الرجل منا وقد بنى القصر ذا الشرفات، ومع ذلك لا يقر له قرار حتى يبني بفنائه أو على سطحه خيمة، يسكنها ويجعل فيها جل مثواه بالليل والنهار.
وكتب تحت عنوان: " نمير أهلنا ونحفظ أخانا" معالجة ظريفة لظاهرة الولاء للأحزاب، وطبعا ليست كل الأحزاب، إنما الذي آتاه الله منها المال والسلطان، وهو ولاء تحكمه مبادئ من نوع آخر تجري عليها - بالقياس- أحكام المبادئ الأصلية التي سميت مبادئ. فتكون المبادئ المستجِدة أو التي نسميها اليوم "المبادئ العقلانية" تحت ذريعة نمير أخانا ونحفظ أهلنا، الأخ هو المسئول الذي أدخلنا الحزبَ، واعتنقنا المبادئ من أجله، والأهل القبيلة التي نرجو أن تزداد كيل بعير من نفحات الولاء لهذا الحزب، والبراء من غيره. وهذه المبادئ تبقى ما بقي الأخ في منصبه، ومنائح القبيلة محفوظة، وحين يطرأ على ذلك طارئ ينهي الميرة والحفظ فإن "المبادئ الثالية" لهؤلاء قريبة.
وكتب تحت عنوان: "دراهم لا أعناق لها" مقالا طريفا يبين فيه تعذر قول من أين لك هذا، في عالم اليوم. فعمر رضي الله عنه كان يقولها عندما يرى الإبل و الخيل والبغال... عند ولاته، وقد قال مرة لأحدهم - وهو يشاهد عنده إبلا ترعى- "لقد مدت الدراهم أعناقها" أما الدراهم اليوم فقد قطعت الحسابات المصرفية الخارجية السرية أعناقها. وتعوز المفتش في أغلب الأحيان قرائن الاستدلال على أين سارت الدراهم؟ هذا إذا كان المفتش يطلب القرينة، أما إذا كان لا شأن له بها فسواء يا محمدفال كانت الدراهم لا أعناق لها أم كانت كلها أعناق.

مقالات هذا الكتاب كـ "خيل بوزنيبه" ومن رام البحث فى طرائفها، ونكتها، وبعد غور معالجاتها، فإنه سيرتقي صعبا. وأنا لست من أولئك الكتاب الذين يكتبون تحت مقالاتهم "يتواصل" وفي اليوم الموالي إذا بك مع مقال لهم طويل رصين، فأولئك علية القوم من أهل الثقافة، وصراحة أغبطهم على ذلك، لعلمي بقصر نَفَسي في الكتابة، وميلي للإيجاز. لكني آمل أن يأتي اليوم الذي أكون فيه من كتبة " يتواصل". فأنا ممن دخلو الثقافة من باب "الكزرة" وفي ذلك العالم كل شيء يجوز.

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026