تاريخ الإضافة : 18.03.2009 12:09
الآن يحاربونك..
"أليس لديك أعداء؟ ألم تقل الحقيقة أبدا أم لم تحب العدالة؟ "
سانتياغو رامون إيكاخال
سانتياغو رامون إيكاخال
I- لا جديد تحت الشمس...
من قال أن الكلمة لا ثمن لها؟ يعرف الشعراء مقابل قصائدهم وكذلك أصحاب النبوءات. لا أحد يخفى عليه –والتاريخ شاهد ناطق- أن الذين يصدحون بالحق لا بد أن يتسلموا المقابل المادي لقوة الكلمات والأفكار، وذلك مرتين. المرة الأولى عندما يعترضهم الطغاة وحراس الظلام، يكيلون لهم صنوف المضايقات وأطياف العقاب. والمرة الثانية عندما تنقشع المعركة وقد خسر جند الباطل وأيقنوا عجزهم عن إطفاء شمس الحقيقة، حيث تكلل رؤوسهم بالغار وهم منتصرون.
أبو العباس الآن، في مرحلة ما قبل الانتصار حسب قانون غاندي. إنها العاصفة التي تسبق الهدوء. لذلك فإنه لا شيء يدعو إلى فقدان الأعصاب، بل لا شيء يثير الاستغراب، ونحن أمام قانون طبيعي، وجزء لا يتجزأ من صعود الطغيان وانهياره. إن مرحلة الصلف والبطش في حياة الحكم بالنسبة لأي دكتاتور تشبه كثيرا مرحلة الشباب في حياة أي إنسان، إلا أنها ربما تختلف. فإذا كان الشباب علامة قوة دائما، ودليل اكتمال جسدي ونفسي، فإن مرحلة استخدام القوة في عمر الأنظمة الاستبدادية لا تبدأ أحيانا إلا مع بداية الضعف المبكر-في هذه الحالة- أو الشيخوخة في حالات أخر.
اليوم بإمكان الموريتانيين، إن يستعينوا بجرعات الصبر التي طالما ادخروا، ويتابعوا بهدوء نهاية المسرحية. بإمكان المستعجلين منهم أيضا أن يقرؤوها في كتب قديمة وروايات عتيقة. بإمكانهم أن يستعيدوا شريط الأخبار الذي مر خلال العقود القليلة الماضية، أو يعودوا إلى مصنفات التاريخ الكلاسيكية. إن هناك مصادر عديدة وأكثر من مرآة إذا نظروا فيها، بإمكانهم أن يعرفوا كل شيء عن بقية القصة، ولن يعانوا من صدمة المستقبل في هذه الحالة. فالجنرال ومعاونوه، من حيث يدرون أو لا يدرون، إنما يسلكون طريقا معروفا اسمه : درب النزول. والسيناريو الذي تعاقب الطغاة على تمثيله عبر العصور يبدأ على هذا النحو وينتهي بنتائج معروفة مسبقا. قد تكون الأسباب التي تحول بينهم وبين تجنبه لا حيلة لهم في السيطرة عليها، فهي ربما كامنة في جينيالوجيا التسلط، ولن يكونوا قادرين كذلك على منع العواقب.
الظاهر أن الإنسان لا يمكن تعريفه مطلقا بأنه الكائن الذي له تاريخ ويملك ذاكرة، ونحن نرى أعمال هؤلاء الحكام وحديثهم المعاد. حافر يقع على حافر، وطريق يعبره الطغاة آلاف المرات وتكتب لهم في آخره نهايات بعددهم.
ترى إلى أحدهم يلعن السابقين، ويقدم الدروس للمستقبل، فتقول حكيم. وما إن تنتظر برهة حتى تضع الحية ثوبها، وينبئك الحكيم المزيف أنه، كان يقرأ خطابا كتب منذ ألف سنة. سنة في أترابه، وسبيل يمرون جميعا عليه. حيث يجد الحاكم فاقد الشرعية نفسه أمام أداتين: دعاية وتنكيل. يسخر الأبواق ويغزوا الآذان والأفهام ليل نهار بأباطيل وخرافات، لا هو نفسه مقتنع بها، ولا هو مستعد لأن ينزلها مقاما أقل من الحقائق التي لا يرقى لها الشك ولا الظنون. من جهة أخرى، يدفع بيد الحديد إلى الأمام ويحاول أن يضرب بها بعض الضحايا الذين يريد أن يجعل منهم عبرة للآخرين. ولا بد أن يكون أول أولئك المضحى بهم من كانوا في الطليعة يتقدمون الركب ويصدعون بالحقيقة.
إنها الحتمية التاريخية للطغيان.
إنها لعنة الحماقات التي لا تموت إلا لتولد، ولا تختفي إلا لتعود، امتحانا دائما لاختبار وجود الخير في الأرض.
إلا أن البشرى، التي تحملها الأنباء السيئة ممثلة في الاعتقال والسجن وتضييق الخناق على الحريات، أوضح من أن نغفلها. وبداية النهاية ممثلة في التشديد دليل على ارتباك سياسي يلعب بأهواء الجنرال ويتسرب كالعرق بينه وبين بزته. وما نراه ليس سوى القوة التي يراد منها إخفاء الضعف، والبطش الذي لا يجدي نفعا في إحقاق الباطل. ولا تزال الحقيقة كالشمس، وأصابع جنرالات القصر الذين يحاولون أن يسرقوها ما تزال جافة وما أسهل أن تحترق.
أبو العباس الآن، في مرحلة ما قبل الانتصار حسب قانون غاندي. إنها العاصفة التي تسبق الهدوء. لذلك فإنه لا شيء يدعو إلى فقدان الأعصاب، بل لا شيء يثير الاستغراب، ونحن أمام قانون طبيعي، وجزء لا يتجزأ من صعود الطغيان وانهياره. إن مرحلة الصلف والبطش في حياة الحكم بالنسبة لأي دكتاتور تشبه كثيرا مرحلة الشباب في حياة أي إنسان، إلا أنها ربما تختلف. فإذا كان الشباب علامة قوة دائما، ودليل اكتمال جسدي ونفسي، فإن مرحلة استخدام القوة في عمر الأنظمة الاستبدادية لا تبدأ أحيانا إلا مع بداية الضعف المبكر-في هذه الحالة- أو الشيخوخة في حالات أخر.
اليوم بإمكان الموريتانيين، إن يستعينوا بجرعات الصبر التي طالما ادخروا، ويتابعوا بهدوء نهاية المسرحية. بإمكان المستعجلين منهم أيضا أن يقرؤوها في كتب قديمة وروايات عتيقة. بإمكانهم أن يستعيدوا شريط الأخبار الذي مر خلال العقود القليلة الماضية، أو يعودوا إلى مصنفات التاريخ الكلاسيكية. إن هناك مصادر عديدة وأكثر من مرآة إذا نظروا فيها، بإمكانهم أن يعرفوا كل شيء عن بقية القصة، ولن يعانوا من صدمة المستقبل في هذه الحالة. فالجنرال ومعاونوه، من حيث يدرون أو لا يدرون، إنما يسلكون طريقا معروفا اسمه : درب النزول. والسيناريو الذي تعاقب الطغاة على تمثيله عبر العصور يبدأ على هذا النحو وينتهي بنتائج معروفة مسبقا. قد تكون الأسباب التي تحول بينهم وبين تجنبه لا حيلة لهم في السيطرة عليها، فهي ربما كامنة في جينيالوجيا التسلط، ولن يكونوا قادرين كذلك على منع العواقب.
الظاهر أن الإنسان لا يمكن تعريفه مطلقا بأنه الكائن الذي له تاريخ ويملك ذاكرة، ونحن نرى أعمال هؤلاء الحكام وحديثهم المعاد. حافر يقع على حافر، وطريق يعبره الطغاة آلاف المرات وتكتب لهم في آخره نهايات بعددهم.
ترى إلى أحدهم يلعن السابقين، ويقدم الدروس للمستقبل، فتقول حكيم. وما إن تنتظر برهة حتى تضع الحية ثوبها، وينبئك الحكيم المزيف أنه، كان يقرأ خطابا كتب منذ ألف سنة. سنة في أترابه، وسبيل يمرون جميعا عليه. حيث يجد الحاكم فاقد الشرعية نفسه أمام أداتين: دعاية وتنكيل. يسخر الأبواق ويغزوا الآذان والأفهام ليل نهار بأباطيل وخرافات، لا هو نفسه مقتنع بها، ولا هو مستعد لأن ينزلها مقاما أقل من الحقائق التي لا يرقى لها الشك ولا الظنون. من جهة أخرى، يدفع بيد الحديد إلى الأمام ويحاول أن يضرب بها بعض الضحايا الذين يريد أن يجعل منهم عبرة للآخرين. ولا بد أن يكون أول أولئك المضحى بهم من كانوا في الطليعة يتقدمون الركب ويصدعون بالحقيقة.
إنها الحتمية التاريخية للطغيان.
إنها لعنة الحماقات التي لا تموت إلا لتولد، ولا تختفي إلا لتعود، امتحانا دائما لاختبار وجود الخير في الأرض.
إلا أن البشرى، التي تحملها الأنباء السيئة ممثلة في الاعتقال والسجن وتضييق الخناق على الحريات، أوضح من أن نغفلها. وبداية النهاية ممثلة في التشديد دليل على ارتباك سياسي يلعب بأهواء الجنرال ويتسرب كالعرق بينه وبين بزته. وما نراه ليس سوى القوة التي يراد منها إخفاء الضعف، والبطش الذي لا يجدي نفعا في إحقاق الباطل. ولا تزال الحقيقة كالشمس، وأصابع جنرالات القصر الذين يحاولون أن يسرقوها ما تزال جافة وما أسهل أن تحترق.
II- السجن ..مختبر العبقريات..
عندما نلقي نظرة ولو خاطفة على أهمية السجن في تكوين الشخصيات التي تصدت للاستبداد في حقب متفاوتة، ربما دفعنا ذلك إلى كتابة تاريخ رومانسي للسجون، وربما جعلنا نصفها بأوصاف مخالفة تماما لما هو راسخ في المخيال الجماعي لهذه البقع الملعونة. إنه لأمر في غاية الصعوبة، أن تهنأ ذاهبا إلى السجن، ولكن أحيانا يبرر المنطق أن نقدم على أمر كهذا.
مرة أخرى، وعلى غرار ما وصفنا الطريق الوراثي الذي يمر الطغاة عليه، يمكن أن نصف طريقا آخر يمر عليه من يقولون الحق في وجوههم. طريقان متوازيان، ونهايات لا تشابه بينها. يبدأ هذا الطريق الأخير، عادة بالسجن في حق صاحب الرأي وصاحب الحق، كمسعى إلى لجمه ومحاولة لوأد الكلمات قبل أن تحرك الرؤوس وتنفخ روحها في أعصاب الأيدي، ولكنه ينتهي بشكل مفارق تماما. تتسرب الأفكار –وللأفكار قوتها- كالماء السلس العذب والكاسح الهادر، يتدفق نهر الحقيقة، تنهار سدود الظلم والكبت وتتطاير أحجارها وتعزيزاها. فجأة يجد المستبد نفسه، ولا أحد. يقف عندئذ ريشة في مهب رياح التغيير، وفي لحظة يحس أنه أصبح أقرب لفصيلة من فصائل الطيور.
لا بد أن هناك حتمية أخرى هي انتصار الحق.
إن السجن في عرف تكوين العبقريات، مكان اعتيادي لا غرابة في زيارته. إنه أقرب إلى مقهى يجتمع فيه المناضل الصلب مع أفكاره يلملمها، يصقلها، يطعمها ويروضها. والتاريخ أيضا يمكن أن يدلي بالكثير حول هذه التجربة الصعبة. وهو يخبرنا أنها تجربة مثمرة، وهدية غير متوقعة دأب الحكام القساة على إهدائها لمناوئيهم، ودأبت على أن تتحول بالفعل إلى هدية غالية في أيديهم. فتشوا قليلا في الماضي القريب والبعيد، وستذكرون علماء مسلمين، ودعاة وسياسيين وفلاسفة ومفكرين. ستقفون بأنفسكم على قانون كوني أو أرضي يمكن أن تسموه بما تشاءون.
لا يمكن إحصاء الذين رفعوا أصواتهم في وجه الباطل، فأدخلوا ظلام المعتقلات حتى تعمى بصائرهم. ولا يمكن عد المرات التي كانت النتيجة فيها عكس المأمول. لو رجعنا إلى مسيرة إي ممن ناضلوا مدافعين عن حق، في أي عصر أو مرحلة، سنجد أنهم يمرون بباب السجن ليدخلوا حديقة النصر من باب أوسع.
يقال إن العبقريات كالخبز، لا بد لها من ظروف تخمر. وربما ليس السجن سوى واحد من هذه الظروف.
مرة أخرى، وعلى غرار ما وصفنا الطريق الوراثي الذي يمر الطغاة عليه، يمكن أن نصف طريقا آخر يمر عليه من يقولون الحق في وجوههم. طريقان متوازيان، ونهايات لا تشابه بينها. يبدأ هذا الطريق الأخير، عادة بالسجن في حق صاحب الرأي وصاحب الحق، كمسعى إلى لجمه ومحاولة لوأد الكلمات قبل أن تحرك الرؤوس وتنفخ روحها في أعصاب الأيدي، ولكنه ينتهي بشكل مفارق تماما. تتسرب الأفكار –وللأفكار قوتها- كالماء السلس العذب والكاسح الهادر، يتدفق نهر الحقيقة، تنهار سدود الظلم والكبت وتتطاير أحجارها وتعزيزاها. فجأة يجد المستبد نفسه، ولا أحد. يقف عندئذ ريشة في مهب رياح التغيير، وفي لحظة يحس أنه أصبح أقرب لفصيلة من فصائل الطيور.
لا بد أن هناك حتمية أخرى هي انتصار الحق.
إن السجن في عرف تكوين العبقريات، مكان اعتيادي لا غرابة في زيارته. إنه أقرب إلى مقهى يجتمع فيه المناضل الصلب مع أفكاره يلملمها، يصقلها، يطعمها ويروضها. والتاريخ أيضا يمكن أن يدلي بالكثير حول هذه التجربة الصعبة. وهو يخبرنا أنها تجربة مثمرة، وهدية غير متوقعة دأب الحكام القساة على إهدائها لمناوئيهم، ودأبت على أن تتحول بالفعل إلى هدية غالية في أيديهم. فتشوا قليلا في الماضي القريب والبعيد، وستذكرون علماء مسلمين، ودعاة وسياسيين وفلاسفة ومفكرين. ستقفون بأنفسكم على قانون كوني أو أرضي يمكن أن تسموه بما تشاءون.
لا يمكن إحصاء الذين رفعوا أصواتهم في وجه الباطل، فأدخلوا ظلام المعتقلات حتى تعمى بصائرهم. ولا يمكن عد المرات التي كانت النتيجة فيها عكس المأمول. لو رجعنا إلى مسيرة إي ممن ناضلوا مدافعين عن حق، في أي عصر أو مرحلة، سنجد أنهم يمرون بباب السجن ليدخلوا حديقة النصر من باب أوسع.
يقال إن العبقريات كالخبز، لا بد لها من ظروف تخمر. وربما ليس السجن سوى واحد من هذه الظروف.
III- لهذا...وغيره...
نحن، من هذا المنطلق أمام رحلة روتينية، سواء بالنسبة لنظام مستبد وصل مرحلة البطش كمعلم ثابت على طريق التقدم نحو الهاوية، وسواء بالنسبة لآراء –يجب أن يكفل لها الحق- تحارب وتكمم وتطفئ لكنها لا تنطفئ بل تشتعل.
لهذا وغيره أيضا، نحن أمام حقيقة أريد لها بالأمس القريب أن تخبأ. تشدق النظام بأنه يفسح واحة غناء للرأي وحرية الصحافة والكتابة، فإذا به يقيم الأدلة على زور ما قال. أراد أن يوهم من يستطيع إيهامه، أنه صورة مختلفة، موديل جديد، أو طفرة في سلالة الاستبداد. بدا وكأنه لم يسمع ولن يسمح في عهده، بشيء اسمه الفساد. برأ نفسه، في محاكمة أجراها بنفسه لولاة أمور البلد، وألصق بسابقيه كل التهم.
لم تكن تلك غير سباق مع الزمن. ولم يكن الاستعراض سوى كرة عن مكرر. ولم نسمع غير الاسطوانة الأثرية، والخطبة العصماء المحفوظة. لعبة خداع الشعب، وإلقاء اللوم على السابقين والنفاذ بالجلد. أدوار تلعب بنفس الطريقة التي لعبت بها منذ مئات وربما آلاف السنين. التاريخ يعيد نفسه، ليس تاريخ هذا البلد وحده وإنما معه التاريخ الكوني للاستبداد.
ولكن لا بأس، أن تكون المشاهد التي تدور أمام أعيننا معروفة، منقوشة في الذاكرة، مصونة بين دفات الكتب، محفوظة في الصور والوثائق، لا بأس سوى أنها ستكون مملة.
لقد كشفوا الغطاء الذي كان شفافا أيضا، ونزعوا اللثام عن سياسة رعناء تفتقد كل مظاهر الحكمة والرزانة. وإذا تصورنا الديكتاتور –أي ديكتاتور- كمنتج فإن الوصفة التي ترافقه عادة كمنتج تتضمن معلومات عن كيفية تفكيره. وفي حالة صاحبنا أكاد أقرأ في سطور ورقة المعلومات الخاصة به أنه سيمضي أكثر في غيه، وسيجهد نفسه في مساعي يائسة لإسكات كل الأصوات المناوئة، فهم متشابهون عبر القارات.
ثمة جهل مركب يسيطر على المستبدين في كل مكان وزمان، ويبدو أنهم لا يستطيعون التخلص منه حتى في عصر المعلومات. وهو يرافقهم كمستشاريهم تماما، لا ينفصل عنهم ولا هم عنه ينفصلون. وهذا ما يدعو للتفاؤل فيما يخص التنبؤ بتصرفاتهم.
والآن وهم يحاربونك، بات واضحا أنك قطعت مرحلة التجاهل ومرحلة السخرية، ولم يبق لك سوى أن تنتصر، فانتصر.
لهذا وغيره أيضا، نحن أمام حقيقة أريد لها بالأمس القريب أن تخبأ. تشدق النظام بأنه يفسح واحة غناء للرأي وحرية الصحافة والكتابة، فإذا به يقيم الأدلة على زور ما قال. أراد أن يوهم من يستطيع إيهامه، أنه صورة مختلفة، موديل جديد، أو طفرة في سلالة الاستبداد. بدا وكأنه لم يسمع ولن يسمح في عهده، بشيء اسمه الفساد. برأ نفسه، في محاكمة أجراها بنفسه لولاة أمور البلد، وألصق بسابقيه كل التهم.
لم تكن تلك غير سباق مع الزمن. ولم يكن الاستعراض سوى كرة عن مكرر. ولم نسمع غير الاسطوانة الأثرية، والخطبة العصماء المحفوظة. لعبة خداع الشعب، وإلقاء اللوم على السابقين والنفاذ بالجلد. أدوار تلعب بنفس الطريقة التي لعبت بها منذ مئات وربما آلاف السنين. التاريخ يعيد نفسه، ليس تاريخ هذا البلد وحده وإنما معه التاريخ الكوني للاستبداد.
ولكن لا بأس، أن تكون المشاهد التي تدور أمام أعيننا معروفة، منقوشة في الذاكرة، مصونة بين دفات الكتب، محفوظة في الصور والوثائق، لا بأس سوى أنها ستكون مملة.
لقد كشفوا الغطاء الذي كان شفافا أيضا، ونزعوا اللثام عن سياسة رعناء تفتقد كل مظاهر الحكمة والرزانة. وإذا تصورنا الديكتاتور –أي ديكتاتور- كمنتج فإن الوصفة التي ترافقه عادة كمنتج تتضمن معلومات عن كيفية تفكيره. وفي حالة صاحبنا أكاد أقرأ في سطور ورقة المعلومات الخاصة به أنه سيمضي أكثر في غيه، وسيجهد نفسه في مساعي يائسة لإسكات كل الأصوات المناوئة، فهم متشابهون عبر القارات.
ثمة جهل مركب يسيطر على المستبدين في كل مكان وزمان، ويبدو أنهم لا يستطيعون التخلص منه حتى في عصر المعلومات. وهو يرافقهم كمستشاريهم تماما، لا ينفصل عنهم ولا هم عنه ينفصلون. وهذا ما يدعو للتفاؤل فيما يخص التنبؤ بتصرفاتهم.
والآن وهم يحاربونك، بات واضحا أنك قطعت مرحلة التجاهل ومرحلة السخرية، ولم يبق لك سوى أن تنتصر، فانتصر.







