تاريخ الإضافة : 15.03.2009 16:59
يا سيدي محمد سالم .. فكل قرين بالمقارن يقتدي
سيدي بن المختار العرفاتي
فى الأسابيع الماضية كتبت أنامل هذا العبد الضعيف مقالا بعنوان "إلى الإصلاحيين ... ما عاتب الحر الكريم كنفسه " وعندما نشر على موقع الأخبار اختلفت حوله ءاراء أهل الفضل ما بين مؤيد ومخالف ، وهذا أمر مقبول ما دام اختلاف الآراء ملتزما بآداب الحوار المستقاة من أخلاق الإسلام
وبينما أنا أتصفح موقع الأخبار الإلكتروني إذا بأحد الإخوة الأفاضل ( محمد سالم بن أحمد ) ينشر مقالا يرد فيه على ما كتبته تحت عنوان :"منطق يوسف وفلسفة عمر... تعليق على مقال "العرفاتي"." فسارعت إلى قراءته عل الله أن يظهر الحق لي على لسان صاحبه حتى يشفي غليلي من تحالفات سياسية يقف اللبيب في شأنها حيرانا، وهو ما لم أجده حتى الآن ، لكن مع ذلك فقد سررت كثيرا بضبط أخينا "محمد سالم ولد أحمد " لعباراته واهتدائه لطيب القول ، رغم أنه سعى جاهدا ليُلبِّس على فحوى المقال بكل ما أوتي ، بوصفه تارة بأنه "موعظة تربوية" وأرجو أن يكون قد استفاد منها ، وتارة يوهم القارئ بأنه إنما كُتب لأجلها ، و ذلك - حسب اعتقادي - أسلوب ركز عليه أخونا فى مستهل رده ليبعد القارئ عن جوهر الموضوع
و مما لفت انتباهي قول أخينا أن ( "منطق الخوف التربوي" مستساغ في مراحل الدعوة الأولى عندما تكون الزمرة المؤمنة قليلة ) ثم لا يلبث حتى يقول لنا بصريح العبارة أنه لا يمكننا أن نتخندق وحدنا فذلك مما يسهل على أعدائنا رمينا واتهامنا بكل النعوت الباطلة (الإرهاب، عدم قبول الآخر...). فعن أي مرحلة تتحدث وبأي منطق يمكن أن نتصور أننا وصلنا مرحلة الجهر بالدعوة ونحن فى زمن لا يمكن للواحد منا أن يصدع فيه بكل ما في نفسه بل إن الأسهل عليه أن يتنازل عن كل ما يعتقد جازما أنه حق من ربه، حتى يرضي الآخرين ، ويتعايش معهم ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) ، ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) ، خصوصا أن انتشار الدعوة والأخلاق الإسلامية ما زال ضعيفا داخل المجتمع ، والأنشطة فيها ما زالت محدودة إن لم أقل شيئا ءاخر ، فقد انشغلنا – كلياًّ - بالسياسة بالرغم من أنها جزء يسير من طموحنا ، ولا أدل على ذلك من نسبة الوعي الإسلامى داخل بلادنا لأن الإخوة الذين يحملون مشعل الهداية تقتصر دعوتهم على طبقة المثقفين والمتعلمين وهم قلة ، وبقي جل الشعب بعيدا عن رونق هذا الدين وحلاوته ، وهكذا بقي - للأسف - هذا الوضع هو السائد إلى يومنا هذا
وحتى لا نبتعد كثيرا عن لب الموضوع فسأثير بعض الاستشكلات التي استوقفتني و أثارها أخونا ، وذلك من باب قول الأصوليين أن " الاستشكال علمٌ " :
الغاية لا تبرر الوسيلة
سعى أخونا أثناء كلامه عن أقطاب الفساد " بيجل " و"يحي ولد الواقف " و " الشيخ العافية " ... وغيرهم ممن أستحي أن أسطر أسماءهم في رق أحرى أن أتلفظ بها ، أن يبرر سعي الإخوة الإصلاحيين فى مشاركتهم فى ما يسمى " الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية " مستغربا ممن يقول أنه "كبوة جواد" في حين أنه أمر ضروري في نظره يمليه الواقع، وتؤيده الأدلة الشرعية منها " طلب نبي الله يوسف عليه السلام من ملك مصر أن يوليه خزائن الأرض و إشارته بتزكية نفسه "إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ". و طبعا قبِل يوسف تكليف ذلك الفرعون الكافر له أن يتولي الوزارة و هذه القصة تؤرخ و تؤصل لمنطق المشاركة السياسية المبنية على أساس الكفاءة والمر دودية فيوسف نبي الله قبل أن يشارك فرعونا الحكم ، أفلا نقبل نحن ما دون ذلك " ؟
وأقول إن هذا دليل جيد يمكن الاستئناس به ما لم يدخله الاحتمال الذي يمنعه من ذلك ، لكنه يا أخي لا يخلو من كونه قياسا مع وجود الفارق الكبير جدا، فنبي الله يوسف عليه السلام ما شارك ليكون وجوده فى الحكم صوريا بل إنه أخذ تفويضا من الملك يشعره بالصلاحية المطلقة في أداء مهمته ( ... قال إنك اليوم لدينا مكين أمين )، وقد أكد الله تعالى ذلك التمكين بقوله : " وكذلك مكنا ليوسف " فأين هذا مما مررنا به طيلة مسيرتنا مع عصبة اللصوص والمنافقين ، واسأل الإخوة عن ما حصدوه من مسيرتهم مع المهوس بالسلطة - لا غير - وحليف الأمس الدابر " أحمد ولد داداه " وكيف قلب لهم ظهر المجن ، بالرغم من أنهم بذلوا جهدا كبيرا في تلميعه ، وأسبغوا عليه من المديح والإطراء ما لا يستحقه ( ستكتب شهادتهم ويسألون ) لكن ما الذى حصدناه من ذلك التفاني والتلميع سوى الشتم والسب من القائد أحمد وشيعته !!
وما أمرُ بلدية تفرغ زينة منا ببعيد، فأين هي علامات التمكين ، وهل جلوسنا مع الظلمة وأعوانهم يعتبر علامة للتمكين ، فى نظري ونظر الكثيرين أن المستفيد من ذلك هو بيجل والشيخ العافية ويحي ولد الواقف .. وغيرهم من ممن يتخوضون فى أموال الناس بغير حق
فعصبة اللصوص هذه إنما الدافع لها أساسا كما تعلم يا أخي هو فقدها لمناصبها التى شغلتها طيلة عشرين سنة ، من نهب لصدوق الضمان الاجتماعي والخطوط الجوية الموريتانية ... إلخ، وأخاف أن يتخذونا مطية للوصول إلى أهدافهم ( ولا تركنوا إلي الذين ظلموا )
فأين هذا يا أخي من تمكين يوسف الذي تولى تسيير الدولة ووضع مخططات اقتصادية لإنقاذ البلاد ، والملك في أزمة تتطلب منه أن يتنازل عن بعض سلطته حتى يمكنه إنقاذ حكمه ولن يتأتى له ذلك حتى يعطي صلاحيات واسعة ليوسف عليه السلام ، "مكره أخاك لا بطل " وبذلك يجد يوسف منصبا يخدم منه الدعوة وينفع الناس ومن خلال هذه القصة يتبين أن مشاركة المصلحين للكافرين ليست عيبا إذا كان دورهم هناك فاعلا ومثمرا في البلاد وجعل كلمتهم هي العليا وذلك لتغليب المصلحة ، فبذلك يمكن أن يصدق عليهم الشطر الثاني من البيت :
............................... ** " والمرء يصلحه القرين الصالح "
أما إذا كان وجود أهل الإصلاح لا يعدوا كونه تكثيرا لسواد الظلمة وأعوانهم ، كما هو واقع في الجبهة الوطنية المعارضة فلا أرى فيه تمكينا بقدر ما هو حصول لزمرة لصوص مردوا على النفاق على تزكية مجانية من المصلحين تشجعهم فى المستقبل على ارتكاب المزيد من الجرائم فى حق هذا الشعب والوطن ، ولن يكون للإخوة في المستقبل حجة في أن ينفروا الناس منهم ، بل أخشى أن يصدق في هذه الحالة قول الشاعر الآخر :
عن المرء لا تسأل ، وسل عن قرينه ** فكل قرين بالمقارن يقتدي
أما نظرة التمكين لدى أصحاب المبادئ السامية ، والهمم العالية الذين اصطفاهم الله من خلقه واختارهم لرسالته فقد تلخصت في كلمات ذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه " لقد بعثنا الله تعالى لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، و من جور الأديان لعدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ".
فكل من يسعى إلى عدل الإسلام لا بد أن يطهِّر الوسيلة التي يتوسل بها إلى ذلك المقصد النبيل من الأدران حتى تكون بيضاء نقية ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم باستطاعته أن يصل إلى مبتغاه من خلال أسهل طريق وأقصرها عند ما عرض عليه عتبة بن ربيعة رأيا قال فيه ( ... يا ابن أخى إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ) لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يعطي أمته درسا عظيما مفاده أن وسيلة الهدف يجب أن تكون شريفة ونزيهة ولذا لابد من أن تسلم من الشوائب.
العلاقة بين الإصلاحيين والجمهوريين إلى أين ؟
كان للإصلاحيين قادة قبل قادتنا الآن برزوا في حقبة من الزمن ماضية وأبلوا بلاء حسنا فى نشر الدعوة وتبليغ العلم ، وكنا نعتقد أن باستطاعتهم إذا خالطوا السلطان أن يكونوا أكثر تأثيرا وأحسن أداء في خدمة الإسلام والمسلمين لكن نسأل الله العافية فتنوا وافتتنوا ،
فالجمهوريون قوم خربوا البلاد والعباد واستهزأوا بالشعارات الإسلامية " كالحجاب " و" المساجد " وغيرها !!
وأغرب شيء أنه عندما سقط عرش الظلمة وحكمها الطائعى البائد " والموجود فى آن واحد " ، تسلل بعض أعوانه وجراثيمه الخبيثة إلى جسم الإخوة المصلحين الإصلاحيين ولم يقتصر الأمر على ذلك بل زاد حتى صاروا يمثلونهم فى اتخاذ قرارات مصير البلد داخل قبة البرلمان مع عصبة اللصوص المتغلبة !!
وقد وصلوا لهذه المرتبة بحجة أو تزكية واهية ، تارة تفيد بكونهم كانوا يكتمون ( إيمانهم ) فى زمن المحن داخل الحزب - الله أعلم بإيمانهم - وتارة بالقول أن الجمهوريين ليسوا كلهم فى درجة واحدة من السوء ؛ فأحوالهم متباعدة ، وعلينا أن نكون واقعيين فى ضم أعوان الظلمة إلينا، وعلى الذي برر ذلك ودعا إليه أن يتذكر قول الله تعالى : ( ولا تكن للخائنين خصيما )
ومما يندى له الجبين أن هذا التصرف يعطي الانطباع بأن رحِم الحركة الإسلامية لم تستطع أن تنجب من الكفاءات والطاقات ذات الأيدي النظيفة ما يجعلها تنأى بنفسها عن المفسدين وأذيالهم ، ولا داعي لذكر الأمثلة فاللبيب تكفيه الإشارة ،
ولا أود أن يفهم من كلامي أنى أدعو إلى إقصاء الجمهوريون من الحزب ، أو أن يتصور أنهم رجس لا يمكن التعامل معهم ، لا ورب الكعبة ، لكن على الأقل يجب أن لا يكونوا فى المواقع القيادية الحساسة فى اتخاذ القرار، ولأن برنامج الحزب الإصلاحي الذى يتبناه يجعل من أولويته محاربة الفساد والمفسدين .
منطق الموعظة ومنطق العقلنة
وأخيرا لن أنسى التعليق على ذلك لمفهوم المنتشر ، والذي يبدو أن صاحبنا من المتأثرين به ، وهو اتهام كل من يدعو للإصلاح من منطق ديني بأنه " واعظ " مع تضمين ذلك الوصف ما أمكن من معاني الشفقة والدونية ، وأحيانا معاني الازدراء والاستغباء
لا يخفى أن العلمانيين هم أكثر الناس استخداما لهذا المصطلح لامزين به كل طوائف " الإسلاميين " مهما تكن درجة انفتاحهم ، فالاستشهاد بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف ما هو في نظرهم إلا نوع من القصور يداريه صاحبه باللجوء إلى الموعظة ، بخلاف ما لو استشهد بآراء بعض فلاسفة الغرب الكافر – حتى ولو لم يفهمها - أو ذكر أسماءهم فقط ، فذلك دليل العقلانية والتنوُّر ( مصطلح يعني الظلام )
لكن أن يلجأ إلى هذا المنطق "العقلاني" غير العقلاني من يدافع عن الإصلاحيين فذلك للأسف اختراق علماني خطير ،
هل أصبحت الموعظة – حتى في السياسة – جهلا وغباءً ؟ وهل يرفض النصح أو يقبل بناء على أنه موعظة أو غير موعظة ؟ هل مطلوب منا نحن " الواعظين " أن نتغاضى عن الأخطاء الكبرى حتى لا نقع في المنطق الوعظي ؟ متى كانت الحقائق تقاس بهذه المقاييس الغريبة
الحقائق تظل حقائق والأخطاء تبقى أخطاء يجب أن تنتقد وتكشف حتى لا تسري في الحركة سريان الميكروبات في الأجسام ، والتعامل معها – قبولا أو رافضا – لا يكون بإطلاق اتهامات أو " عبارات قيمية " مطلقة ، ولكن بالنقاش في صلبها لتحديد قبولها أو رافضها
خاتمة القول ..
خلاصة الأمر أقول أن هذه الملاحظات لا تمس من مكانة الحزب ولا التيار وإنما هي من باب المثل العربي القائل : " ما حك جلدك مثل ظفرك " وإيمانا منى بأن مذهب الإصلاحيين من أنصف المذاهب وأقدرها على البقاء لأنه مشروع أمة ،
ولولا ما أؤمله في التيار الإسلامي الحركي من خدمة الإسلام والمسلمين وخوفي عليه وعلى أصحابه من أن تتلاشى أحلامنا فيهم كما جرى مع آخرين من قبل ، لما استحق عندي أن أفكر فيه ولو ساعةً ، أحرى أن أرعف فيه قلما أو أقتل فيه وقتا .
فى الأسابيع الماضية كتبت أنامل هذا العبد الضعيف مقالا بعنوان "إلى الإصلاحيين ... ما عاتب الحر الكريم كنفسه " وعندما نشر على موقع الأخبار اختلفت حوله ءاراء أهل الفضل ما بين مؤيد ومخالف ، وهذا أمر مقبول ما دام اختلاف الآراء ملتزما بآداب الحوار المستقاة من أخلاق الإسلام
وبينما أنا أتصفح موقع الأخبار الإلكتروني إذا بأحد الإخوة الأفاضل ( محمد سالم بن أحمد ) ينشر مقالا يرد فيه على ما كتبته تحت عنوان :"منطق يوسف وفلسفة عمر... تعليق على مقال "العرفاتي"." فسارعت إلى قراءته عل الله أن يظهر الحق لي على لسان صاحبه حتى يشفي غليلي من تحالفات سياسية يقف اللبيب في شأنها حيرانا، وهو ما لم أجده حتى الآن ، لكن مع ذلك فقد سررت كثيرا بضبط أخينا "محمد سالم ولد أحمد " لعباراته واهتدائه لطيب القول ، رغم أنه سعى جاهدا ليُلبِّس على فحوى المقال بكل ما أوتي ، بوصفه تارة بأنه "موعظة تربوية" وأرجو أن يكون قد استفاد منها ، وتارة يوهم القارئ بأنه إنما كُتب لأجلها ، و ذلك - حسب اعتقادي - أسلوب ركز عليه أخونا فى مستهل رده ليبعد القارئ عن جوهر الموضوع
و مما لفت انتباهي قول أخينا أن ( "منطق الخوف التربوي" مستساغ في مراحل الدعوة الأولى عندما تكون الزمرة المؤمنة قليلة ) ثم لا يلبث حتى يقول لنا بصريح العبارة أنه لا يمكننا أن نتخندق وحدنا فذلك مما يسهل على أعدائنا رمينا واتهامنا بكل النعوت الباطلة (الإرهاب، عدم قبول الآخر...). فعن أي مرحلة تتحدث وبأي منطق يمكن أن نتصور أننا وصلنا مرحلة الجهر بالدعوة ونحن فى زمن لا يمكن للواحد منا أن يصدع فيه بكل ما في نفسه بل إن الأسهل عليه أن يتنازل عن كل ما يعتقد جازما أنه حق من ربه، حتى يرضي الآخرين ، ويتعايش معهم ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) ، ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) ، خصوصا أن انتشار الدعوة والأخلاق الإسلامية ما زال ضعيفا داخل المجتمع ، والأنشطة فيها ما زالت محدودة إن لم أقل شيئا ءاخر ، فقد انشغلنا – كلياًّ - بالسياسة بالرغم من أنها جزء يسير من طموحنا ، ولا أدل على ذلك من نسبة الوعي الإسلامى داخل بلادنا لأن الإخوة الذين يحملون مشعل الهداية تقتصر دعوتهم على طبقة المثقفين والمتعلمين وهم قلة ، وبقي جل الشعب بعيدا عن رونق هذا الدين وحلاوته ، وهكذا بقي - للأسف - هذا الوضع هو السائد إلى يومنا هذا
وحتى لا نبتعد كثيرا عن لب الموضوع فسأثير بعض الاستشكلات التي استوقفتني و أثارها أخونا ، وذلك من باب قول الأصوليين أن " الاستشكال علمٌ " :
الغاية لا تبرر الوسيلة
سعى أخونا أثناء كلامه عن أقطاب الفساد " بيجل " و"يحي ولد الواقف " و " الشيخ العافية " ... وغيرهم ممن أستحي أن أسطر أسماءهم في رق أحرى أن أتلفظ بها ، أن يبرر سعي الإخوة الإصلاحيين فى مشاركتهم فى ما يسمى " الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية " مستغربا ممن يقول أنه "كبوة جواد" في حين أنه أمر ضروري في نظره يمليه الواقع، وتؤيده الأدلة الشرعية منها " طلب نبي الله يوسف عليه السلام من ملك مصر أن يوليه خزائن الأرض و إشارته بتزكية نفسه "إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ". و طبعا قبِل يوسف تكليف ذلك الفرعون الكافر له أن يتولي الوزارة و هذه القصة تؤرخ و تؤصل لمنطق المشاركة السياسية المبنية على أساس الكفاءة والمر دودية فيوسف نبي الله قبل أن يشارك فرعونا الحكم ، أفلا نقبل نحن ما دون ذلك " ؟
وأقول إن هذا دليل جيد يمكن الاستئناس به ما لم يدخله الاحتمال الذي يمنعه من ذلك ، لكنه يا أخي لا يخلو من كونه قياسا مع وجود الفارق الكبير جدا، فنبي الله يوسف عليه السلام ما شارك ليكون وجوده فى الحكم صوريا بل إنه أخذ تفويضا من الملك يشعره بالصلاحية المطلقة في أداء مهمته ( ... قال إنك اليوم لدينا مكين أمين )، وقد أكد الله تعالى ذلك التمكين بقوله : " وكذلك مكنا ليوسف " فأين هذا مما مررنا به طيلة مسيرتنا مع عصبة اللصوص والمنافقين ، واسأل الإخوة عن ما حصدوه من مسيرتهم مع المهوس بالسلطة - لا غير - وحليف الأمس الدابر " أحمد ولد داداه " وكيف قلب لهم ظهر المجن ، بالرغم من أنهم بذلوا جهدا كبيرا في تلميعه ، وأسبغوا عليه من المديح والإطراء ما لا يستحقه ( ستكتب شهادتهم ويسألون ) لكن ما الذى حصدناه من ذلك التفاني والتلميع سوى الشتم والسب من القائد أحمد وشيعته !!
وما أمرُ بلدية تفرغ زينة منا ببعيد، فأين هي علامات التمكين ، وهل جلوسنا مع الظلمة وأعوانهم يعتبر علامة للتمكين ، فى نظري ونظر الكثيرين أن المستفيد من ذلك هو بيجل والشيخ العافية ويحي ولد الواقف .. وغيرهم من ممن يتخوضون فى أموال الناس بغير حق
فعصبة اللصوص هذه إنما الدافع لها أساسا كما تعلم يا أخي هو فقدها لمناصبها التى شغلتها طيلة عشرين سنة ، من نهب لصدوق الضمان الاجتماعي والخطوط الجوية الموريتانية ... إلخ، وأخاف أن يتخذونا مطية للوصول إلى أهدافهم ( ولا تركنوا إلي الذين ظلموا )
فأين هذا يا أخي من تمكين يوسف الذي تولى تسيير الدولة ووضع مخططات اقتصادية لإنقاذ البلاد ، والملك في أزمة تتطلب منه أن يتنازل عن بعض سلطته حتى يمكنه إنقاذ حكمه ولن يتأتى له ذلك حتى يعطي صلاحيات واسعة ليوسف عليه السلام ، "مكره أخاك لا بطل " وبذلك يجد يوسف منصبا يخدم منه الدعوة وينفع الناس ومن خلال هذه القصة يتبين أن مشاركة المصلحين للكافرين ليست عيبا إذا كان دورهم هناك فاعلا ومثمرا في البلاد وجعل كلمتهم هي العليا وذلك لتغليب المصلحة ، فبذلك يمكن أن يصدق عليهم الشطر الثاني من البيت :
............................... ** " والمرء يصلحه القرين الصالح "
أما إذا كان وجود أهل الإصلاح لا يعدوا كونه تكثيرا لسواد الظلمة وأعوانهم ، كما هو واقع في الجبهة الوطنية المعارضة فلا أرى فيه تمكينا بقدر ما هو حصول لزمرة لصوص مردوا على النفاق على تزكية مجانية من المصلحين تشجعهم فى المستقبل على ارتكاب المزيد من الجرائم فى حق هذا الشعب والوطن ، ولن يكون للإخوة في المستقبل حجة في أن ينفروا الناس منهم ، بل أخشى أن يصدق في هذه الحالة قول الشاعر الآخر :
عن المرء لا تسأل ، وسل عن قرينه ** فكل قرين بالمقارن يقتدي
أما نظرة التمكين لدى أصحاب المبادئ السامية ، والهمم العالية الذين اصطفاهم الله من خلقه واختارهم لرسالته فقد تلخصت في كلمات ذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه " لقد بعثنا الله تعالى لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، و من جور الأديان لعدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ".
فكل من يسعى إلى عدل الإسلام لا بد أن يطهِّر الوسيلة التي يتوسل بها إلى ذلك المقصد النبيل من الأدران حتى تكون بيضاء نقية ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم باستطاعته أن يصل إلى مبتغاه من خلال أسهل طريق وأقصرها عند ما عرض عليه عتبة بن ربيعة رأيا قال فيه ( ... يا ابن أخى إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ) لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يعطي أمته درسا عظيما مفاده أن وسيلة الهدف يجب أن تكون شريفة ونزيهة ولذا لابد من أن تسلم من الشوائب.
العلاقة بين الإصلاحيين والجمهوريين إلى أين ؟
كان للإصلاحيين قادة قبل قادتنا الآن برزوا في حقبة من الزمن ماضية وأبلوا بلاء حسنا فى نشر الدعوة وتبليغ العلم ، وكنا نعتقد أن باستطاعتهم إذا خالطوا السلطان أن يكونوا أكثر تأثيرا وأحسن أداء في خدمة الإسلام والمسلمين لكن نسأل الله العافية فتنوا وافتتنوا ،
فالجمهوريون قوم خربوا البلاد والعباد واستهزأوا بالشعارات الإسلامية " كالحجاب " و" المساجد " وغيرها !!
وأغرب شيء أنه عندما سقط عرش الظلمة وحكمها الطائعى البائد " والموجود فى آن واحد " ، تسلل بعض أعوانه وجراثيمه الخبيثة إلى جسم الإخوة المصلحين الإصلاحيين ولم يقتصر الأمر على ذلك بل زاد حتى صاروا يمثلونهم فى اتخاذ قرارات مصير البلد داخل قبة البرلمان مع عصبة اللصوص المتغلبة !!
وقد وصلوا لهذه المرتبة بحجة أو تزكية واهية ، تارة تفيد بكونهم كانوا يكتمون ( إيمانهم ) فى زمن المحن داخل الحزب - الله أعلم بإيمانهم - وتارة بالقول أن الجمهوريين ليسوا كلهم فى درجة واحدة من السوء ؛ فأحوالهم متباعدة ، وعلينا أن نكون واقعيين فى ضم أعوان الظلمة إلينا، وعلى الذي برر ذلك ودعا إليه أن يتذكر قول الله تعالى : ( ولا تكن للخائنين خصيما )
ومما يندى له الجبين أن هذا التصرف يعطي الانطباع بأن رحِم الحركة الإسلامية لم تستطع أن تنجب من الكفاءات والطاقات ذات الأيدي النظيفة ما يجعلها تنأى بنفسها عن المفسدين وأذيالهم ، ولا داعي لذكر الأمثلة فاللبيب تكفيه الإشارة ،
ولا أود أن يفهم من كلامي أنى أدعو إلى إقصاء الجمهوريون من الحزب ، أو أن يتصور أنهم رجس لا يمكن التعامل معهم ، لا ورب الكعبة ، لكن على الأقل يجب أن لا يكونوا فى المواقع القيادية الحساسة فى اتخاذ القرار، ولأن برنامج الحزب الإصلاحي الذى يتبناه يجعل من أولويته محاربة الفساد والمفسدين .
منطق الموعظة ومنطق العقلنة
وأخيرا لن أنسى التعليق على ذلك لمفهوم المنتشر ، والذي يبدو أن صاحبنا من المتأثرين به ، وهو اتهام كل من يدعو للإصلاح من منطق ديني بأنه " واعظ " مع تضمين ذلك الوصف ما أمكن من معاني الشفقة والدونية ، وأحيانا معاني الازدراء والاستغباء
لا يخفى أن العلمانيين هم أكثر الناس استخداما لهذا المصطلح لامزين به كل طوائف " الإسلاميين " مهما تكن درجة انفتاحهم ، فالاستشهاد بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف ما هو في نظرهم إلا نوع من القصور يداريه صاحبه باللجوء إلى الموعظة ، بخلاف ما لو استشهد بآراء بعض فلاسفة الغرب الكافر – حتى ولو لم يفهمها - أو ذكر أسماءهم فقط ، فذلك دليل العقلانية والتنوُّر ( مصطلح يعني الظلام )
لكن أن يلجأ إلى هذا المنطق "العقلاني" غير العقلاني من يدافع عن الإصلاحيين فذلك للأسف اختراق علماني خطير ،
هل أصبحت الموعظة – حتى في السياسة – جهلا وغباءً ؟ وهل يرفض النصح أو يقبل بناء على أنه موعظة أو غير موعظة ؟ هل مطلوب منا نحن " الواعظين " أن نتغاضى عن الأخطاء الكبرى حتى لا نقع في المنطق الوعظي ؟ متى كانت الحقائق تقاس بهذه المقاييس الغريبة
الحقائق تظل حقائق والأخطاء تبقى أخطاء يجب أن تنتقد وتكشف حتى لا تسري في الحركة سريان الميكروبات في الأجسام ، والتعامل معها – قبولا أو رافضا – لا يكون بإطلاق اتهامات أو " عبارات قيمية " مطلقة ، ولكن بالنقاش في صلبها لتحديد قبولها أو رافضها
خاتمة القول ..
خلاصة الأمر أقول أن هذه الملاحظات لا تمس من مكانة الحزب ولا التيار وإنما هي من باب المثل العربي القائل : " ما حك جلدك مثل ظفرك " وإيمانا منى بأن مذهب الإصلاحيين من أنصف المذاهب وأقدرها على البقاء لأنه مشروع أمة ،
ولولا ما أؤمله في التيار الإسلامي الحركي من خدمة الإسلام والمسلمين وخوفي عليه وعلى أصحابه من أن تتلاشى أحلامنا فيهم كما جرى مع آخرين من قبل ، لما استحق عندي أن أفكر فيه ولو ساعةً ، أحرى أن أرعف فيه قلما أو أقتل فيه وقتا .







