تاريخ الإضافة : 14.03.2009 20:20

موريتانيا"الخفيفة": الرقص على سجادة الصلاة

محمد سعدنا ولد الطالب saadnapoet@yahoo.com

محمد سعدنا ولد الطالب saadnapoet@yahoo.com

بدا لي المشهد في "أرض الملثمين" هذه الأيام عبثيا إلى أبعد الحدود، طافحا بالتراجي-كوميديا وغارقا حتى شحمتي أذنيه في متاهات الضياع والوقوف على أرض رخوة، والتصرف بمنطق العشائر لا منطق الدول!!!!!!!!
دخل العقيد القذافي إلى موريتانيا بكل هيلمانه وخيله ورجله وعساكره وخيمه، وضرب وهو الذبياني أوتاد خيمته في مضارب "عبس": الموريتانية وسخر من تاريخنا ورموزنا وتدلت له أعناق الرجال خوفا وطمعا وكشفت له الحرائر عن مفاتنها في بلد أصبحت الحرائر فيه للأسف يأكلن بأثدائهن حتى ولو كن غير جوعى.
تحول الضيف- (وهو ضيف نحترمه ولا شك) إلى شيخ لقبيلة "موريتانية" كتب عليها التفتيش الأبدي عن من يستطيع قيادتها، صدحت له القيان وضربت له المعازف ونحرت له الجزور وتغنى بأمجاده الشعراء ولم يغادر أرض شنقيط حتى سمعت به العرب والعجم.
سبح المولودون في شهر الفاتح باسم الفاتح، وهرع الشيوخ ذوو اللحى المخضلة بالشيب يصلون–لا رفع الله تلك الصلاة- خلف فخامة العقيد، وخطب في عاصمة موريتانيا السنية المالكية أبا عن جد يريد إعادة عهد الفاطميين....
أي دولة "خفيفة" هذه، وأي بداوة تلك التي تجعلنا نتصرف في عصر الدولة وفق أعراف العشيرة، أما كان من الممكن أن يزور القذافي موريتانيا كضيف محترم ومبجل ولكن من دون أن يفقد الإنسان الموريتاني إحساسه بأن ثمة وطنا اسمه موريتانيا، لا يقوده إلا أبناؤه ولايأتمر بأمر الضيوف مهما كانوا .................
أكاد أجن وأنا أتملى هذا المشهد الموريتاني المملوء بالارتجال والجهل العميق بأبسط أبجديات منطق الدولة، التي من أهما ميزاتها "الثقل" والهيبة...............
أنا أؤيد بل وأفتخر أن يزور معمر القذافي موريتانيا بوصفه رئيس دولة شقيقة، ولكن إحساسي الفطري بحليب الكبرياء الذي رضعته من أثداء جبال "أفله" يجعلني أشعر بالخجل وأنا أرى رئيس دولة يزور بلادي ويتصرف فيها كأنه خليفة المسلمين يدخل إحدى إماراته...
من الضروري التنبيه إلى أن حكام موريتانيا الحاليين ارتكبوا –بقصد أو بدون قصد- خطأ استراتيجيا قاتلا سندفع ثمنه غاليا، خطأ يتمثل في إعطاء الموريتاني البسيط انطباعا بأنه لا ينتمي إلى وطن له ثقل الدول وهيبتها، كما أن ما تم يعطي إشارات سالبة لدول الجوار (خاصة المغرب والجزائر) التي
ظلت تعتبر موريتانيا دولة لها قرارها المستقل وعصية على التطويع ولا تدور في فلك أحد.
أعرف جيدا أن ثمة جهات لعبت بقضية بهذا الحجم لتحقيق مكاسب سياسية ومادية مؤقتة، ولكن ليعلم الجميع أن بكار ولد سويد أحمد لم يستشهد لتكون موريتانيا زرا في معطف هذه الدولة أو تلك، ليعلم الجميع أن دماء سيدي ولد مولاي الزين الطاهرة لم تسل لتتحول إلى خمر معتقة يعاقرها "قاصرو النظر" وهو يرقصون في حفل توديع الوطن.
الدول –ياسادتي- لا تدار كما تدار الدكاكين أو أحزاب الكرتون أو العشائر، منطق الدولة يقتضي كثيرا من العزة والإحساس الطاغي بالذات وتقدير الأمور وفق منظور استراتيجي طويل الأجل، لا وفق مصالح ضيقه لفئة أو شخص مهما كانوا.
بالله عليكم لا ترتكبوا حماقات بهذا الحجم مرة أخرى، وتأكدوا جميعا أيها المتصارعون على كرسي دوار في بيت رمادي تسكنه الجن كلما أقام فيه شخص أصابوه بمس، تأكدوا أن موريتانيا هي وحدها الباقية وكلكم راحلون.
على العسكر والجبهة والخط الثالث والخط الرابع وكل الخطوط،أن لايلعبوا بالكبريت في بلاد مرشحة للاشتعال إلى أبعد الحدود، دعوا لنا "موريتانيانا" التي نحبها، وفصلوا موريتانيا أخرى وتصارعوا عليها حتي آخر قطرة في كأس الصراع.
لاتقتلوا فينا الإحساس الغامض واللذيذ بالفخر والزهو الذي نشعر به كلما نطق أحدهم باسم موريتانيا، دعونا نغادر ونعود ونجد موريتانيا كما كانت، شهية وبهية ومقيمة في القلب لا تحول...
لا تجعلوني أفقد متعة الإحساس بالسعادة كلما عدت في فصل الشتاء إلى قرية "التنعيم" النائمة كعروس غجرية في حضن "أفله"، لاتحرموني روعة الإحساس الجميل الذي أحسه كلما جلست ضحوة من نهار في أحد حقولها وتناولت شيئا من "منجو" وشربت كأس شاي صافية لا تزويق فيها ولا "رغوة".
لاتحرموني روعة الإحساس الذي يجتاحني كلما حضرت حفلة في "التنعيم" وصدح صوت "تهينه" وعزف "ولد بلال " نايه الأسطوري، ودحل "السالم فال" إلى الحلبة يمتع الناظرين بلوحات رقصه البهلوانية العجيبة.
هي أشياء بسيطة في عرف المتصارعين على الكراسي، ولكنها أشياء لا تشترى، أشياء تجعلنا الحياة تستحق أن نعيشها.
أيها السادة: آمنوا بموريتانيا وطنا و"دولة مهيبة" وأرضا تستحق الإجلال، ومن غلب عليه كفره ولم يستطع أن يشاركنا هذا الإيمان العميق فيلحزم أمتعته ويرحل فلا مكان في موريتانيا لأنصاف المؤمنين .

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026