تاريخ الإضافة : 28.02.2009 01:26

منطق يوسف و فلسفة عمر... تعليق علي مقال "العرفاتي"


محمد سالم ولد أحمد - المغرب

في الزمن القديم خلد القرآن، أن نملة خافت علي قومها (أي علي جنسها). من نبي الله سليمان و جنوده، فقامت تنذر وتحذر وقضت حق الله فيهم "يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "، فاستحقت أن تكون رائدة قومها. وبذالك خلد ذكرها القرآن و تبسم لقولها سليمان.

تذكرت هذه القصة و أنا أطالع مقال الأخ "سيدي بن المختارالعرفاتي" المنشور في موقع الأخبار المحترم تحت عنوان : "إلي الإصلاحيين ... ما عاتب الحر الكريم كنفسه" . وقد رأيت أن أبدي رأيا في بعض ما أتي عليه الأخ موضحا بعض النقاط المهمة و التي استسهل الإخوة أخذها علي الإصلاحيين. مثل مشاركتهم في حكومة فيها أهل فساد و تطبيع. أو ما سماه الأخ "كبوة جواد تواصل" ، ثم "تحالفهم" مع أولئك المفسدين كرة أخري في الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية و هو أمر كما قال الأخ " يحتاج إلي نقاش و حوار لتميز الحق من الباطل و ليظهر ما يمكن أن تطمئن إليه نفس المؤمن" . ثم تاليا ما أشار إليه الأخ "من ضرورة تأسيس خندق ثالث ".

ولكن قبل ذالك لابد أن نذكر أن الكاتب قد استهل مقاله بما يمكن أن نسميه "موعظة تربوية" و ظل طوال فقرات المقال يحافظ على ذالك النفس الوعظي –الذي يبدو لي أن المقال إنما كتب لأجله- و ذالك أمر جيد و هو علامة على عمارة القلب بالإيمان الدافع إلي الخوف من كل الأدران. و هو خوف -كخوف تلك النملة- له ما يبرره تربويا على الأقل، و هنا ادعوا الأخ إلي أن يأمل معي أملا آخر ألا وهو أن نؤثر نحن في أهل السوء فحجتنا أقوي و أيادينا أنظف و نوايانا أسلم، فلماذا نخشى و نحن أهل عزة ؟ نفاصل حين نريد. و نعايش حين نريد و نوجه من منطلق الأستاذية. و في هذا المقام نستطيع رصد ما وصفه الأخ "بالابتعاد عن أماكن السوء" و "مجالس السوء مع زمرة النظام السابق"... الخ.

وهذا المنطق "منطق الخوف التربوي" مستساغ في مراحل الدعوة الأولي عندما تكون الزمرة المؤمنة قليلة. تخشى أن تذوب في محيطها، ولكن اليوم لم يعد هذا الخوف وردا و قد نشرت الدعوة أشرعتها و سمع نبرات أذانها كل قصي. و نحن اليوم (بالمنطق المعاكس ) نريد للمجتمع أن يذوب في دعوتنا. و بدأنا نرى بوادر ذالك و الحمد لله. و يلزمنا فقط أن ننزل الى الميدان بقياداتنا لتقود الجموع اللاهثة. نحو المسجد و منه لقبة البرلمان و ساحة التظاهر و مدرجات الجامعة. و أرضية الملاعب، بل نحو كل عناوين التمكين و آفاق الحضارة و التمدن.

قصة المشاركة... منطق يوسف و فلسفة عمر

بادئ الأمر –قضية المشاركة- وهي قضية أسالت الكثير من الحبر و لم توف حقها (حسب رأي) من النقد و لا من التأصيل. فالذين انتقدوها بنو انتقادهم علي كونها مشاركة في حكومة فساد و تطبيع . و لم يرجعوا إلي أصل المشاركة و كونها عنوانا للإصلاح ، و ليس عنوانا لإقصاء و الاستفراد ، و الذين أيدوها و قفوا عند نقطة التبرير (ربما بسب الجمهور الجامد عند نصوص الفقه و المعطل لملكة الاجتهاد).

وقصة مشاركة أهل الفساد في السلطة –ليست جديدة علي اهل الإصلاح- وتعود في جذرها القديم إلي طلب نبي الله يوسف عليه السلام من ملك مصر (فرعون كافر بطبيعة الحال)، أن يوليه خزائن الأرض و إشارته بتزكية نفسه "إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ". و طبعا قبل يوسف تكليف ذالك الفرعون الكافر له أن يتولي الوزارة و هذه القصة تؤرخ و تؤصل لمنطق المشاركة السياسية المبنية علي أساس الكفاية و المردودية فيوسف نبي الله قبل أن يشارك فرعونا الحكم ، أفلا نقبل نحن ما دون ذالك . فو الله إن بيجل و الشيخ العافية و ولد الواقف لفاسدين (ولكنهم دون ذالك الفرعون) . و من هنا يتبين أن أصل المشاركة السياسية لا يقوم علي نوعية الطرف الثاني فيها – أكان مطبعا أم فاسدا- و إنما تحسب بمعيار أهل الإصلاح.

هذا المنطق اليوسفي نستطيع أن نراه في العديد من التجارب الإصلاحية التي أعقبت الخلافة الراشدة و منها تجربة عمر ابن عبد العزيز رحمه الله و الذي تولي الملك و أمراء بني أمية بهم من الفساد ما أنت له الدولة الأموية حتى سقطت ، و لكن عمر لم يعزل يزيد ولم يول فاضلا مكانه ولاية العهد و إنما ظل يصلح و كلما أتيحت له فرصة عزل فاسد أو مضايقته فعل. حتي أسس فلسفة سليمة صاغها في جملة : "لا يكثر شيء مع الفساد ولا يقل شيء مع الإصلاح " .و نستطيع أن نجمع لهذا المنطق العديد الشواهد الشرعية (فتوي ابن تيمية الشهيرة مثلا) و الإنسانية (الأحزاب العلمانية التي تبدأ بوزيرين ثم تنتهى الى الحكم) . ولذالك لا يليق لأهل الإصلاح أن يبخسوا إخوانهم – قادتنا- حقهم في أن يجتهدوا اجتهادا سياسيا يقللون به من الفساد و يضيقون به الخناق علي أهل السوء.

و قد استطاعت الحركة الإسلامية المعاصرة ضرب العديد من الأمثلة ففي تركيا تحالفت مع لائكيين يمقتون الدين و لا يتطهرون. و يعتبرون أنفسهم حماة المشروع الآتتوركي . و كذالك في الجزائر و تجربة النحناح رحمه الله التي رفضت المشاركة مع جبهة الإنقاذ و شاركت في حكومة جنرالات فاسدة و الآن لا يستطيع أحدا أن يتجاوز الحركة الإسلامية في الجزائر . و كذالك مشاركة الإخوان في سوريا في الخمسينات و الستينيات و في الكثير من بقاع الأرض مثل ماليزيا و مؤشرات التحالف مع الصينيين الأشد كفرا و هم كما تعلم بوذيين غير موحدين.

في الأخير لابد من شيء من الواقعية السياسية و البراغماتية (بمعناها الجماعي: المصلحة الجماعية و ليست الفردية الأنانية) لركوب ثور السياسة الهائج و ترويضه بمنطق الإصلاح و المشاركة السياسية التي لا تليين للخصوم ولكن تقدم النموذج وتزيح المفسدين و قديما قالوا "ما لا يدرك كله لا يترك جله" .

أما ما رآه الأخ من "دخول أهل الفساد علينا في جبهة الدفاع عن الديمقراطية "، فهو أمر مستساغ في العرف الديمقراطي. و على أخوتنا أن يدركوا نوعية النضال الذي نخوضه اليوم . فكما يقول إبن خلدون أن الدول ثلاث دولة الحق و دولة القانون و دولة الغاب. فالمؤمن يكره دولة الغاب و يفرح لدولة القانون و يسعي لدولة الحق. و نحن اليوم (موريتانيا) متموقعين بين دولة الغاب و دولة القانون . و رغم أن البعض يشك في هذا الحكم، ويراه قاسيا. فإن المؤشرات تدل علي أن دولة يستبد بأمرها "جنرال" في واضحة نهار و يلقي جميع العقود الاجتماعية و القانونية التي اتفق عليها عقلائها. لا شك أنها دولة غاب أو علي الأقل دولة تحبو إلي سلطة القانون.

فنحن اليوم نخوض نضالا من أجل "دولة حريات وقانون " ولذالك لا نشترط "المؤمن" بل يكفينا أن تكون مناضلا في سبيل الحرية. فالحقوق و الحريات على الجميع أن يحصلها و قد حصلتها شعوب أوربا الكافرة بنضالها و بذلها للدماء ، و نستطيع نحن أن نحقق ذالك لا بسواعد المطهرين فقط بل بسواعد الجميع. ولكن دولة الحق و الشريعة لا تقيمها إلا سواعد الجهاد و يحتكر السلطة فيها "مؤمن".

وهذا منطق تشهد له الكثير من التجارب. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذات يوم حلف الفضول (الذي شارك فيه قبل البعثة). فمدحه و ذكر صلى الله عليه و سلم أنه لو دعي إلي مثله في الإسلام لأجاب، و أنت تعلم ما بالعرب في ذالك الزمن من الكفر و الشرك و قتل النفس و ارتكاب كبائر المنكرات و الآثام. و مع ذالك إذا دعوا إلي حلف من نوع حلف الفضول (ببنوده الإنسانية) ما كان النبي صلي الله عليه وسلم ليرفض و إنما يرحب.

فقضية التحالف مع أهل الضلالات و الفساد تنهض لها العديد من الحجج ، و أن كنا نحب لصورتنا أن لا يخدشها "جلوس بجانب بيجل" أو "دفاع عن ولد الواقف" . ولكن لنضال إكراهات. و للواقع ضغوط . وللحرية و الديمقراطية ثمن يجب دفعه.
و أنظر مثلا أليس فقه ترتيب الأولويات يدعونا الي ترتيب أعدانا ، و القبول بالتحالف مع الأقل أذا في سبيل إزاحة الأكثر أذا لنا و لوطننا. و كيف انه بذات المنطق يمنعنا من التخندق وحدنا مما يسهل علي أعدائنا رمينا و اتهامنا بكل النعوت الباطلة (الإرهاب، عدم قبول الآخر...). فالسياسة في عرفنا الإسلامي انما هي موازنة بين المصالح و المفاسد. و تنزيل لأحكام الله بلطف علي الواقع. فالإسلام حدد السقف و مقاصد الشريعة بنت الحدود و رسمت الأركان و الزوايا. و بقي علي المؤمنين أن يدفعوا قدر السوء بقدر الخير.

خندق ثالث بين الفوضى و الشرعية

أما القضية الأخرى التي أثرها "أخونا" و دعا فيها إلي تأسيس خندق ثالث يدين فعل الجنرال "المتربي في حضن ولد الطايع" و الجبهة و أهلها المنقسمين بين خلفية " الفساد و الإلحاد" حسب صاحبنا.

ولهذا الأمر خلفية إستراتيجية تحكمه ويجب أن لا يحكمه النفس التكتيكي ( كما عند ولد داداه و أعل فهما مهوسان بالسلطة لا غير ) و القول فيها مبني علي أساس الإجابة عن سؤال : من يخدم المشروع الوطني و الإسلامي أكثر ؟ جنرال لا يهتم بالعقود و المواثيق و يجهر بطموحاته الاستبدادية ؟ أم دولة فيها حريات و تتيح للجميع التدافع ضمن قواعد الديمقراطية و التعددية ؟ .

فالمشروع الإسلامي لا يصطدم مع شيء أكثر من اصطدامه بالديكتاتورية و تأليه الحاكم المتفرد ولا نجد مدحا أجمل و لا شرحا أرق للمشروع الإسلامي من عبارات ذالك الصحابي الجليل رضي الله عنه " لقد بعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد ، و من جور الأديان لعدل الإسلام ، و من ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا و الآخرة".
و مفاد تجربة الحركة الإسلامية اليوم تقول إنها لم تعان من شيء كما عانت من الاستبداد و ثقافته و هي التي قتلت البنا و أعدمت عبد القادر عودة و سيد قطب و قتلت الآلاف في "السجن الحربي" و "أبو زعبل " و " الواحات" و "أبو سليم " و "تدمر" و غيرها من سجون الاستبداد .

ولذالك فتأسيس خط ثالث يعني الاستعداد للقبول "بحكم العسكر" و "ورفضا لمنطق الحرية " . و نحن اليوم لا ندافع عن سيد ولد الشيخ عبد الله و لا عن ولد الواقف و لا لأجل "سواد عيون" بيجل و إنما من أجل فسحة من الحرية و أن يتاح لنا أن نحكم أنفسنا بخيارنا لا بخيار وزارة الداخلية (التزوير) . وهذا منطق راشد فكيف نمنع من الحرية و حق الانتخاب و يتمتع بهما إسكافي في ناميبا و عارية في الفلبين و فلاح في الهند يتبرك ببول بقرة.

خاتمة القول ... بداية الفعل

و في الأخير لا يخفي عليك أخي أن قراءة متانية للمشهد السياسي اليوم يدرك صاحبها ولاشك أن هنالك "تمفصلات" قد حصلت و أخري ستحصل في المستقبل –لاشك- و هذه "التمفصلات" الحادثة منها و المتوقع لن تتيح مشهدا لا يكون للدعاة فيه صوت ، يجاهر بضرورة الإصلاح. و يري منطق المشاركة و مزاحمة أهل الفساد كتفا لكتف . وهذا المنطق هو الذي نعول علية في التقليل من شرور المفسدين و التخفيف من مكوسهم علي المواطن العادي. و الدفع باتجاه تنمية شاملة عنوانها فقرة في فقه الدعوة و علم حركة الحياة : "يبدأ الإصلاح بصلاح المجموعة التي تقود" . فالأزمة كلها إنما أتت من نوعية "المجموعة التي تقود" و الآن للأسف كما كان في السابق فالمجموعة التي تقودنا معروفة في حانات دكار و لاس بلماس، و الحانات الصينية في انواكشوط ، أكثر مما هي معروفة في ساحات النضال و الدفاع عن المواطنين و هي نتاج فطر سياسي قائم علي بناء مملكة من الفاسدين تحتكر المال و السلطة و تحب أن يظل دعاة الإصلاح فقط "دعاة قول لا أصحاب فعل و مشاركة و مزاحمة" . ولذالك تراهم يمطروننا بالتهم و الشائعات لأننا أخيرا بدأنا نضايقهم ونزاحمهم في أماكن نفوذهم. فهم يدركون أننا سنزعجهم في الحالات كلها "ندخل عليهم الباب" فننكر منكرهم فلا تعود له القدرة علي المجاهرة به. و نزاحمهم فنقدم النموذج . فلا يكون لهم من عذر. و بذالك تتحرك الحياة و يأذن الله للمتقين أن يسودوا بعد أن استوفوا شروط الاستخلاف و عندها سيكون منظرنا واعظا و نشدو مع شاعر الجزائر محمد براح و هو يصف كيف أن:

أشبالنا كَبُروا .. ويكبر شوكنا ..
مَن كان يحبو .. صار لا يهوى الرقود ..
إنا عرفنا كيف نُبدع ..
كيف نصنعُ من جماجمنا الصعود ..
برجالنا .. بنسائنا ...
يمضي الشهيد مع الشهيد ...
عفنا المنابر والوفود ..
فاحذروا ..
أن تـُغضبوا فينا الجراح

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026