تاريخ الإضافة : 14.02.2009 14:58

الناقلون بين أمل التنظيم .. وفداحة الغرامات!!

بقلم:أحمدو ولد لمام

بقلم:أحمدو ولد لمام

ما كان لأحد من المتعاطين لمهنة النقل أن يتوقع تحول حلمه بتنظيم قطاع النقل فجأة إلى صعقة قاضية على أكثر أحلامه الوردية؛ بحيث كان البسطاء من أصحاب السيارات المتهالكة – وهم يمثلون غالبية نشاط النقل – يجزمون بجدية وزارة النقل والتجهيز في موضوع تنظيم قطاعهم، بل إن منهم من أقسم اليمين المغلظة:
إن هذه الوزارة باتت قاب قوسين أو أدنى من استرجاع ذلك الماضي "وذكرياته الحلوة"، بعد ما احتسوا من "كأس الحرية"، وخبروا عمق المأساة في عراك " الحرية" المفضي إلى زوال الفقراء. وبطبيعة الحال، فإن هؤلاء البسطاء بسوادهم الأعظم، هم ممن دون خط الفقر، وإذن فلا مناص من أن يقعوا اليوم صرعى تحت سطوة المفاجأة بهذه الحملة الساعية ـ في أحسن الأحوال ـ إلى دفعهم للخروج عن رتابة حياتهم المتردية. فهل، يا ترى، يفيد التذكير أن هؤلاء السذج كانوا يأملون إنشاء محطات طرقية لائقة وملائمة ... وأنهم كانوا يتطلعون إلى تعويض لمن لم يعودوا قادرين على مسايرة حمى التطورات الجارية... وأنهم، قبل هذا وذاك، كانوا يطمعون في وضع حد للفوضى العاتية التي تعصف بقطاع النقل، تحت طائلة الليبرالية في قاموس بعض الناس؟!
فما الذي حصل من كل ذالك، بل ما هو القليل الذي جرى إنجازه من جملة التوقعات في أذهان الناقلين؟.
إنني لا أزعم هنا الدقة الكاملة في عرض كل ما يأمله، أو أمله الناقلون من إصلاح ملح أو إصلاح حالم.

وعلى أية حال، فإن طلبات أصحاب الباصات الكبيرة، ذات السعة الكبيرة، لأكثر من خمسين راكبا، لا تنحصر ولا تتطابق مع ما هو مطلوب ومرغوب لدى أصحاب الباصات الصغيرة التي ما تزال تصارع مختلف الظروف على صعيد الطرق الوعرة أو المتهالكة، وعلى صعيد ارتفاع أسعار تكاليف الخدمة .. وثمة طلبات أخرى خاصة بأصحاب سيارات الشحن، وهي مختلفة عن طلبات أصحاب سيارات نقل الأشخاص.
إن هذا المثال الذي قدمنا حول اختلاف الطلبات، بحسب اختلاف وسائل النقل حجما ووظيفة، لا يمس الجوهر ولا يقارب عمق أزمة النقل.
ونحن عندما نروم توضيح الأمر أكثر، ذرونا نزعم أن ذلك المثال شكل ركنا من أركان القضية( المأساة - الملهاة)، حينما يتحول الحديث إلى الركن الثاني ؛ إذ تبدو الأمور كلها سخرية ؛ ففي قطاع النقل ـ إلى الآن ـ هناك ما يربو على ثلاثين اتحادية، لا تجد لأية منها جدوى ولا تحس لها مردودا، وإن اتخذت أشكالا متشابهة، واختلفت أشخاصها المتحركين بأسمائها، لكن تبقى اللغة والمنهج والطرائق والسلوك جامدة في صيغة التودد والخطابة المتكلفة ذات النزوع نحو التوحد، نظريا.
إنني أقول نظريا؛ لأن هذه الاتحاديات هي الطرف الذي تحتاج إليه الإدارة من وجهة نظرها، بما يمكن أن يلعبه من دور في مجال التعاطي مع مشاكل النقل والاتفاق، عند الاقتضاء، على إطار أو شبه إطار بشأن النقل ، خاصة تحت طائلة الإلحاح لوضع ترتيبات اتفاق يشكل اجماعا للخروج من محنة نقل التلاميذ والطلبة، الذين تصرف الدولة، من أجل نقلهم سنويا، مبالغ باهظة، ومن المفارقة أن الناقلين لا يتذكرون أنهم حصلوا على نصيب من هذه المبالغ. وإذا أردنا أن نجمل أهم عوامل أزمة النقل، باختصار شديد، فيمكن القول:
أ‌. فوضى في كل ناحية ؛
ب‌. التناسل غير المجدي في الاتحاديات الشكلية المتخاصمة؛
ت‌. عجز الإدارة عن إيجاد طرف جدير بالثقة، فردا كان أو جماعة، يمكن الركون إليه في إبرام الاتفاقات معه؛
إن هذه الإدارة بدت أعجز من أن تتخذ قرارا منفردا يحفظ لكل ذي حق حقه، وكل ذي مصلحة مصلحته، أو أنها لا تكترث بهذا الاتجاه، و يبدو أنها، أخيرا، رأت أن تبادر بطرح مبادرة من شقين: الشق الأول يدخل المجموعات الحضرية والمجموعات البلدية داخل البلاد في حوار حول نظام يشارك فيه ممثلو الناقلين، أو الناقلون بعمومهم، إذا لزم الأمر .
وأما الشق الثاني، فهو يتمحور حول حملة تأديبية قاسية وشديدة، وهو أمر يشي بأن الإدراة ضاقت ذرعا بإخفاقاتها المتكررة في حل هذا الملف، وهي بذلك ترى أن آخر الدواء الكي؛ وهو القرار الذي وجد ترجمته العملية في إدخال الغرامات الجديدة حيز التفعيل؛ الأمر الذي يثير اليوم ضجة لا بد أن تسفر عن آثار فاحشة على صعيد النقل بصورة عميقة.
إن أقل الناس إدراكا للأمور لا يخطئ الملاحظة في أن ثمة واقعا سيئا يعاني منه النقل بفعل تراكم كثير من الأخطاء؛ بحيث لا يتأتى إصلاحه بإتباع صيغ الاقتحام، خصوصا إذا كانت هذه الصيغ أو السياسات تفضي، بالنتيجة، إلى توسيع نطاق البؤس الاجتماعي، بفعل إجبار مجاميع من الناقلين على التوقف عن نشاطهم بسبب العجز عن دفع هذه الغرامات المجحفة.
إن الطابع القسري لدفع مثل هذه المبالغ لن يعود على الدولة بغير أمرين خطيرين كلاهما:
- تفاقم وتيرة انهيار هذا القطاع الحيوي بصورة سريعة؛
- اتساع رقعة الفقر والشقاء في الأوساط الشعبية، مع أن هذه الغرامات لن تكون عاملا مساعدا في تجفيف منابع الفساد والرشوة، بل ستخلق بيئة جديدة تنضاف للمناخ الاجتماعي الملوث عموما، وعندئذ يصبح سؤالنا مشروعا: في مصلحة من يكون تفعيل هذه الغرامات؟!!

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026