تاريخ الإضافة : 11.02.2009 11:49
حسابات المصالح والأشخاص: كيف تشكلَ مشهد الاستعصاء!
إذا كان انقلاب 3 أغسطس 2005 قد فتح باب الأمل في إمكانية تحقيق التغيير، دون أن يُحدِثَ في واقع الأمر أي نوع من القطيعة -التي كان يأملها كثيرون- مع حقبة السنوات العشرين التي سبقته، بما اكتنفها من ممارسات وقيم وشخوص... فإن انقلاب 6 أغسطس 2008 أتى على النزر اليسير المتبقي من ذلك الأمل العزيز إلى نفوس الغالبية. بل يبدو اليوم، ولبعض الموريتانيين على الأقل، كما لو أن الانقلاب الأخير يعود بالبلاد، في انعطافة زمنية واسعة، نحو حقبة ما قبل 3 أغسطس بحذافيرها تقريباً. وفي غياب الأمل الضائع، الذي أخذَت مجدداً تسدُّ آفاقَه مصالحٌ فئويةٌ ونخبويةٌ ضيقة للغاية، تُسجل ساحتُنا السياسية ظواهر لافتة ومثيرة لم تعرف مثيلا لها من قبل. فلم يسبق مثلا أن طُرحت مطالب ودعوات للمحاصصة الطائفية والعرقية كالتي تطالعنا الآن، علناً وبازدياد ملحوظ. ولم يحدث أن كان الوطن والوحدة الوطنية رخيصين وعديمي القيمة، إلى الحد الذي تعكسه مؤشرات سوق الساسة الهواة وتجار السياسة هذه الأيام. ولم يسبق أن كانت هيبة الدولة وسلطة القانون، باهتتين وصولا إلى حافة التلاشي، كما نشهد ذلك الآن أيضاً. ولم يحدث مطلقاً أن خيم التشاؤم والعدمية والحيرة وغموض الرؤية وانعدام التوجه، مجتمعة، على الروح العامة، كما هو حاصل في وقتنا الراهن. ولم تتعرض بلادنا قبل الآن لحصار خارجي كالذي بتنا تحت رحمته وسعينا سعياً إلى ولوج نفقه المظلم. وما سبق لها كذلك، وهي التي عَرَف تاريخها عدداً قياسياً من الانقلابات العسكرية، "الناجحة" و"الفاشلة"، أن ألْفت نفسها أمام "رئيسين"، و"حكومتين"، و"برلمانين"... أي إزاء "شرعيتين" تضاهي إحداهما الأخرى في اللاشرعية، وسط بحر مائج من ثنائيات الانقسام اللعينة في مسار الأحداث، وقد سدت أفقه نذر الفتنة القادمة!
هذه بعض مستجدات مشهدنا الطارئة، أما قديمه المتجدد فتختزله النخبة التي حافظت على استمرارها دون انقطاع، مع آخر أربعة رؤساء تعاقبوا على سدة الحكم، لنجد عناصرها ممن شاركوا في حكم البلاد طوال أكثر من عشرين عاماً، يتموقعون اليوم داخل دوائر النفوذ والقرار، كما يتموقعون على الجانب الآخر من صراع المساومة الجارية بين "جبهة الدفاع عن الديمقراطية" و"المجلس الأعلى للدولة".
وقد دخل صراع المساومة بين حلفاء الأمس شهره السادس، لكن الوضع بقي على جموده، وتواصلت عملية تكريس القيادة الجديدة، وأطلّ شبح الحصار والعقوبات الدولية منذراً بما بعده، وهانت بلادنا على أكثر الدول هواناً حتى بات الخوض في ملفها شركة مساهمة عامة مفتوحة لكل ناهق وناعق. والسبب هو الهوان الذاتي، أولا، وقد تعزز، ثانياً، بهذه الشقوق التي أصابت جدران بنائنا الداخلية، جراء مراهنة بعضنا علي شخص "الرئيس" وليس على فكرة الوطن، أي من فرط الأنانية السياسية لنخبة تضع مصالحها الشخصية الآنية قبل المصالح المستقبلية العليا للبلاد... محدثة شروخاً تتسلل منها أصابع التدويل الخشنة والتدخلات الخارجية ذات الأجندات المريبة.
والشرخ الأوسع في ساحتنا السياسية حالياً، بين "الجبهة" و"المجلس"، إنما تحدرت خليته الجذعية من رحم عملية البناء "الديمقراطي" خلال المرحلة الانتقالية، وقبلها وبعدها، وها هو أحد أطرافها قد انقسم إلى فريقين باتا يتقاذفان كرات اللوم وأنصبة المسؤولية عما جرى.
والحقيقة أن الفريقين، "الجبهة" و"المجلس"، مسؤولان بالتساوي والتضامن، عن كل ما جرى منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية عام 2007. فالجبهة (غالبيتها على الأقل) مسؤولة لأنها ساهمت في إيصال ولد الشيخ عبدالله إلى الحكم، ثم لم تحاول ترشيد قراراته حين كان يأخذ البلاد نحو هاوية المجهول. والرئيس الذي تحالف مع أساطين الفساد وسدنة الماضي (بعضهم الآن في الجبهة وبعضهم مع المجلس)، هو أيضاً يتحمل مسؤولية كبرى لأنه رضي ابتداءً بالدخول في صفقة مشبوهة تُجلسه على كرسي الرئاسة دون أن يكون رئيساً بالمعنى الدستوري. أما مسؤولية العسكر فهي الأوفر بكل تأكيد، وقد بدأت حين قرر بضعة ضباط التوجه إلى القصر وإزاحة رئيسهم بدلا من الذهاب إلى "لمغيطي" ومواجهة "القاعدة"، معلنين تغيير "النظام الفاسد" توطئة لبناء "ديمقراطية حقة"! بيد أن هؤلاء الضباط الذين ترعرعوا ونالوا تربيتهم في مدرسة ولد الطايع وخدموها أيما خدمة، سرعان ما انغمسوا في العملية الانتخابية فشكلوا "كتبيتهم" البرلمانية الخاصة (تماماً كما كان يفعل ولد الطايع)، وقد كلف إنجاح أعضائها عدة مليارات من المال العام، ثم أكملوا حبكة القصة باستجلاب وافد جديد على الحياة السياسية هو ولد الشيخ عبد الله الذي اعتقدوا أنه يحقق مقاييس تناسب رغبتهم في الإبقاء على نفوذهم خلال ما بعد المرحلة الانتقالية، فكلّف تمريره هو أيضاً، وبطريقة ملتوية عبر صناديق الاقتراع، مئات مليارات الأوقية من المال العام. ورغم الشوائب والخروقات والانحرافات الظاهرة التي طبعت تلك العملية، فإن قليلين فقط كانوا يجرؤون على المجاهرة بحقيقة الانتخابات التي انتقلت تدريجياً عدوى الوهم الخارجي حول نزاهتها إلى قطاعات كبيرة من الداخل. غير أن "كبار" القائمين على المطبخ الداخلي (معدو الخلطة "الديمقراطية" الفاسدة)، وهم الضباط العسكريون بقيادة عزيز، كانوا أول من أعطى الدليل القاطع على عبثية العملية وزيفها ككل، إذ ما أن بدأ ولد الشيخ عبد الله يحاول التصرف بحسبانه رئيساً للجمهورية، حتى أطاحوا به لينسفوا أسطورة كانوا هم من صنعها من قوالب مدرسة ولد الطايع وعجائنها المرنة، وسوقوها داخلياً وخارجياً كنموذج لا مثيل له بين ديمقراطيات العالم النامي!
وإن اعترف الفريقان أخيراً، كلٌ من جانبه، بصفقة إيصال ولد الشيخ عبد الله إلى الحكم، فإن أياً منهما لم يكلف نفسه، إلى الآن، تقديم مجرد اعتذار للشعب الموريتاني عن تلك الصفقة التي صادرت إرادته وتآمرت على "ديمقراطيته" وأهدرت أمواله! وكما لم يعتذر ولد الشيخ عبد الله عن مكافأته للضباط الأربعة بترقيتهم إلى رتبة جنرال، فإن عزيز لم يعتذر عن حملة "التعيينات الجائرة" التي شنها لدعم المرشح ولد الشيخ عبد الله، ولا عن "الأخطاء الكارثية" التي قال إن الرئيس المخلوع قد ارتكبها، وهو مَن خلعه انتهاءً وتوّجه ابتداءً.
عند هذه الدرجة من تورم الأنانية في مشهدنا السياسي، لا يبدو أن أياً من الرجلين يريد رؤية موريتانيا دون وجود شخصه متربعاً على رئاستها. وعند هذه الدرجة أيضاً يتجمد النقاش الجاري حول خيارات الموريتانيين، بين ولد الشيخ عبد الله وعزيز، وكأنهما قدَرٌ مقدّرٌ! منطق يصادر على الخيار الديمقراطي كلياً، ويصور الموريتانيين كشعب قاصر، لم يبلغ سن رشده أو لا يحسن الاختيار لنفسه. وبهذا يتواصل الخلط بين المشكلة والحل، أو على قول الشاعر: "وداوني بالتي كانت هي الداء"، كما يبرز بشدة سؤال الصدقية الأخلاقية الغائبة، في مشهد يطبعه من الانحطاط والانشقاق والمخاطر والتهديدات، ما يجعله محطة فريدة في مسار استعصاء الاقلاع الموريتاني نحو الديمقراطية والوحدة والرخاء.
ولن يتأتى الخروج من حالة الاستعصاء إلا بنزاهة سياسية يفتقر إليها كثيرون داخل جناح النخبة "المتساومة"، ووعي بتاريخية المرحلة وخطورتها لم يصله نضوج مجتمعنا بعد.
ومع ذلك فسؤال الخروج، أو الحل، يحيل إلى ثلاث إيقونات كبرى: تحييد الحسابات السياسية الضيقة، الشروع في مصالحة وطنية شاملة، وأخيراً تمكين الموريتانيين من إقامة حياة سياسية ديمقراطية وفق شروط تنافسية سليمة. أو بمعنى آخر؛ إعطاء إشارة إطلاق هندسة الإصلاح الشامل، بدلا من هندسة الفساد التي طال أمدها وطالت كل شيء في حياتنا.
هذه بعض مستجدات مشهدنا الطارئة، أما قديمه المتجدد فتختزله النخبة التي حافظت على استمرارها دون انقطاع، مع آخر أربعة رؤساء تعاقبوا على سدة الحكم، لنجد عناصرها ممن شاركوا في حكم البلاد طوال أكثر من عشرين عاماً، يتموقعون اليوم داخل دوائر النفوذ والقرار، كما يتموقعون على الجانب الآخر من صراع المساومة الجارية بين "جبهة الدفاع عن الديمقراطية" و"المجلس الأعلى للدولة".
وقد دخل صراع المساومة بين حلفاء الأمس شهره السادس، لكن الوضع بقي على جموده، وتواصلت عملية تكريس القيادة الجديدة، وأطلّ شبح الحصار والعقوبات الدولية منذراً بما بعده، وهانت بلادنا على أكثر الدول هواناً حتى بات الخوض في ملفها شركة مساهمة عامة مفتوحة لكل ناهق وناعق. والسبب هو الهوان الذاتي، أولا، وقد تعزز، ثانياً، بهذه الشقوق التي أصابت جدران بنائنا الداخلية، جراء مراهنة بعضنا علي شخص "الرئيس" وليس على فكرة الوطن، أي من فرط الأنانية السياسية لنخبة تضع مصالحها الشخصية الآنية قبل المصالح المستقبلية العليا للبلاد... محدثة شروخاً تتسلل منها أصابع التدويل الخشنة والتدخلات الخارجية ذات الأجندات المريبة.
والشرخ الأوسع في ساحتنا السياسية حالياً، بين "الجبهة" و"المجلس"، إنما تحدرت خليته الجذعية من رحم عملية البناء "الديمقراطي" خلال المرحلة الانتقالية، وقبلها وبعدها، وها هو أحد أطرافها قد انقسم إلى فريقين باتا يتقاذفان كرات اللوم وأنصبة المسؤولية عما جرى.
والحقيقة أن الفريقين، "الجبهة" و"المجلس"، مسؤولان بالتساوي والتضامن، عن كل ما جرى منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية عام 2007. فالجبهة (غالبيتها على الأقل) مسؤولة لأنها ساهمت في إيصال ولد الشيخ عبدالله إلى الحكم، ثم لم تحاول ترشيد قراراته حين كان يأخذ البلاد نحو هاوية المجهول. والرئيس الذي تحالف مع أساطين الفساد وسدنة الماضي (بعضهم الآن في الجبهة وبعضهم مع المجلس)، هو أيضاً يتحمل مسؤولية كبرى لأنه رضي ابتداءً بالدخول في صفقة مشبوهة تُجلسه على كرسي الرئاسة دون أن يكون رئيساً بالمعنى الدستوري. أما مسؤولية العسكر فهي الأوفر بكل تأكيد، وقد بدأت حين قرر بضعة ضباط التوجه إلى القصر وإزاحة رئيسهم بدلا من الذهاب إلى "لمغيطي" ومواجهة "القاعدة"، معلنين تغيير "النظام الفاسد" توطئة لبناء "ديمقراطية حقة"! بيد أن هؤلاء الضباط الذين ترعرعوا ونالوا تربيتهم في مدرسة ولد الطايع وخدموها أيما خدمة، سرعان ما انغمسوا في العملية الانتخابية فشكلوا "كتبيتهم" البرلمانية الخاصة (تماماً كما كان يفعل ولد الطايع)، وقد كلف إنجاح أعضائها عدة مليارات من المال العام، ثم أكملوا حبكة القصة باستجلاب وافد جديد على الحياة السياسية هو ولد الشيخ عبد الله الذي اعتقدوا أنه يحقق مقاييس تناسب رغبتهم في الإبقاء على نفوذهم خلال ما بعد المرحلة الانتقالية، فكلّف تمريره هو أيضاً، وبطريقة ملتوية عبر صناديق الاقتراع، مئات مليارات الأوقية من المال العام. ورغم الشوائب والخروقات والانحرافات الظاهرة التي طبعت تلك العملية، فإن قليلين فقط كانوا يجرؤون على المجاهرة بحقيقة الانتخابات التي انتقلت تدريجياً عدوى الوهم الخارجي حول نزاهتها إلى قطاعات كبيرة من الداخل. غير أن "كبار" القائمين على المطبخ الداخلي (معدو الخلطة "الديمقراطية" الفاسدة)، وهم الضباط العسكريون بقيادة عزيز، كانوا أول من أعطى الدليل القاطع على عبثية العملية وزيفها ككل، إذ ما أن بدأ ولد الشيخ عبد الله يحاول التصرف بحسبانه رئيساً للجمهورية، حتى أطاحوا به لينسفوا أسطورة كانوا هم من صنعها من قوالب مدرسة ولد الطايع وعجائنها المرنة، وسوقوها داخلياً وخارجياً كنموذج لا مثيل له بين ديمقراطيات العالم النامي!
وإن اعترف الفريقان أخيراً، كلٌ من جانبه، بصفقة إيصال ولد الشيخ عبد الله إلى الحكم، فإن أياً منهما لم يكلف نفسه، إلى الآن، تقديم مجرد اعتذار للشعب الموريتاني عن تلك الصفقة التي صادرت إرادته وتآمرت على "ديمقراطيته" وأهدرت أمواله! وكما لم يعتذر ولد الشيخ عبد الله عن مكافأته للضباط الأربعة بترقيتهم إلى رتبة جنرال، فإن عزيز لم يعتذر عن حملة "التعيينات الجائرة" التي شنها لدعم المرشح ولد الشيخ عبد الله، ولا عن "الأخطاء الكارثية" التي قال إن الرئيس المخلوع قد ارتكبها، وهو مَن خلعه انتهاءً وتوّجه ابتداءً.
عند هذه الدرجة من تورم الأنانية في مشهدنا السياسي، لا يبدو أن أياً من الرجلين يريد رؤية موريتانيا دون وجود شخصه متربعاً على رئاستها. وعند هذه الدرجة أيضاً يتجمد النقاش الجاري حول خيارات الموريتانيين، بين ولد الشيخ عبد الله وعزيز، وكأنهما قدَرٌ مقدّرٌ! منطق يصادر على الخيار الديمقراطي كلياً، ويصور الموريتانيين كشعب قاصر، لم يبلغ سن رشده أو لا يحسن الاختيار لنفسه. وبهذا يتواصل الخلط بين المشكلة والحل، أو على قول الشاعر: "وداوني بالتي كانت هي الداء"، كما يبرز بشدة سؤال الصدقية الأخلاقية الغائبة، في مشهد يطبعه من الانحطاط والانشقاق والمخاطر والتهديدات، ما يجعله محطة فريدة في مسار استعصاء الاقلاع الموريتاني نحو الديمقراطية والوحدة والرخاء.
ولن يتأتى الخروج من حالة الاستعصاء إلا بنزاهة سياسية يفتقر إليها كثيرون داخل جناح النخبة "المتساومة"، ووعي بتاريخية المرحلة وخطورتها لم يصله نضوج مجتمعنا بعد.
ومع ذلك فسؤال الخروج، أو الحل، يحيل إلى ثلاث إيقونات كبرى: تحييد الحسابات السياسية الضيقة، الشروع في مصالحة وطنية شاملة، وأخيراً تمكين الموريتانيين من إقامة حياة سياسية ديمقراطية وفق شروط تنافسية سليمة. أو بمعنى آخر؛ إعطاء إشارة إطلاق هندسة الإصلاح الشامل، بدلا من هندسة الفساد التي طال أمدها وطالت كل شيء في حياتنا.







