تاريخ الإضافة : 01.02.2009 16:33

ضمير الحراطين مطالب مشروعة أم دعوات مغرضة؟

بقلم:بلال ولد صمب / نقابي

بقلم:بلال ولد صمب / نقابي

بادئ ذي بدء أود الإشارة إلى أنني لست كاتبا محترفا و لست من هواة الكتابة ،و لكنني وجدتني مرغما على أن أدلى بدلوي في موضوع تم تداوله على نطاق واسع ،في الأوساط السياسية و الثقافية الوطنية أو التي تسميها نفسها كذلك،في الآونة الأخيرة،و ليس الهدف بالنسبة لي هو الكتابة في حد ذاتها بقدر ما هو توضيح غموض ما و إحقاق حق يكاد أن يضيع ،و إنصاف شريحة لها على الأقل الحق في أن تعيش كريمة في وطنها و أن تتأوه إن هي شعرت بالألم.
فقد كانت الأيام التشاورية فرصة لمختلف الحساسيات الوطنية لإثارة ما تعانيه و ما تشتكى منه أو ما يدور في خلجات أنفسها ، لعل و عسى أن تجد آذانا صاغية ،أو أن تلتقي من يلبى النداء ،أو على الأقل من يكلف نفسه عناء الاستماع سبيلا إلى حوار وطني جاد و صريح و شفاف ،يهدف إلى إزالة جميع العقبات التي تعكر صفو الوصول إلى وطن واحد ،يسعد فيه الجميع بالحرية والعدالة ،و يجد كل فيه نفسه،و يشعر فيه بالمساواة في الحقوق و الواجبات. فتعالت أصوات ترفع بعض المطالب ،المشروعة في بعضها ،و المتفهمة في البعض الآخر،و قد تكون منحرفة في جزء منها،و هذا في نظري أمر طبيعي ،فليس الكل على نفس القدر من المسؤولية ،و ليس الكل في نفس الموقع من اجل تقييم الأمور،كما انه ليس لديهم نفس المقاييس لقياس الأمور ،و الخروج بتصور واحد.
طالعتنا الأيام التشاورية بوثيقة أطلق عليها موقعوها " ضمير الحراطين"،تحاول أن تصور واقع الحراطين ،متحدثة عما يعانونه من إقصاء و تهميش و غبن على المستوى السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و غياب في دوائر صنع القرار ،و المناصب السامية في الدولة.فأنا لا يهمني ( على الأقل هنا) أن أؤكد أو أنفى ما جاء في تلك الوثيقة بقدر ما يهمنى الكيفية التي تعاملت بها نخبتنا من منتخبين و سياسيين و مثقفين معها.
فمنذ صدورها قامت الدنيا و لم تقعد ،و كانت أشرس هجمة واجهتها ،كانت من طرف منتخبينا ،فمن على منابر المنتديات العامة للديمقراطية ،انبرى لها شيخ مقاطعة اكجوجت المحترم ،و وصفها بمختلف النعوت ،وشكك في نوايا موقعيها ،و وصل به الأمر إلى حد اتهامهم بالعنصرية ،و بمحاولة المساس بالوحدة الوطنية ،وزرع الشقاق و الفتنة،مفندا كلما ذهبت إليه تلك الوثيقة ،فبالنسبة له الوطن بخير ،و العدالة موزعة على أكمل وجه ،و الكل ينعم بالحرية والمساواة ،و لا مجال للحديث عن أي تهميش أو إقصاء أو غبن ،فنحن في جمهورية الشيخ الفاضلة و ليس علينا إلا الحمد و الشكر.
و ما إن جف ريق الشيخ الموقر حتى طالعنا نائب مقاطعة أوجفت المحترم في مقابلة مع جريدة"المرابط" ، عدد رقم 24 بتاريخ 19يناير 2009، لم تكن بأقل شانا من مداخلة شيخ اكجوجت ،هذا النائب الذي لا يساورني شك في انه على علم بان الذين أوصلوه إلى قبة البرلمان تمثل هذه الشريحة نسبة معتبرة منهم ،و هو مثلي عليم بوضعهم السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي ،و لربما كان و هو الأرجح لا يحس إحساسهم ،و لا يعيش معاناتهم ،و هو طبعا بعيدا من حمل همومهم،هذا النائب لا يري في تلك الوثيقة سوى دعوة مغرضة لتكريس العنصرية و الطائفية ،و محاولة للنيل من وحدة الوطن" المتماسك و المحصن" ،و زرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد،و بالحرف الواحد بالنسبة له هذه الشريحة ليست مهمشة و لا مقصية و لم تكن كذلك في يوم من الأيام.
و قبل أن أرد عليه و على من على شاكلته، لنفسح المجال أمام الأرقام و النسب لترد عليه بدورها من خلال جرد للتعيينات التي قام بها المجلس الأعلى للدولة منذ تسلمه للسلطة في السادس من أغسطس 2008 و إلى غاية الثاني و العشرين من يناير2009

المصادر بيانات اجتماع مجلس الوزراء و مراسيم رئاسة المجلس الأعلى للدولة و مراسيم الوزارة الأولى ،و المنشورة على مواقع الوكالة الموريتانية للأنباء ،و موقع الوزارة الأولى , الموقع الرسمي للجمهورية الإسلامية الموريتانية
هذه المعطيات ليست من صنعي أنا ،و هي واقع لا ادري ماذا يعنى بالنسبة للنائب المحترم ،و لكنه بالنسبة لي و للمنصفين و الواقعيين و الخيرين، و اعتقد أنهم كثر من بيننا ،إن كان ينم عن شيء فإنما ينم عن أقصى مراتب غياب العدالة و المساواة في الولوج إلى الوظائف و الترقية ،و هذا في حد ذاته غير مهم إذا ما قارناه بتصور و ردة فعل برلمانيين ،يجب أن يحملوا هموم شعب ،و يسهروا على مصالحه،و يكونوا أول من يقف مع إحقاق الحق و إشاعة العدالة ،فمن لا يروق له الاستماع لأنة مريض و تأوهاته لا يمكن أن ننتظر منه العلاج. و في هذا الإطار لا يسعني إلا أن أشيد بموقف النواب الذين ابدوا تفهما لما جاء في تلك الوثيقة، و اخص منهم بالذكر نائب مقاطعة أطار المحترم.
فقد كان أولى بهؤلاء المنتخبين المتحاملين أن ينظروا إلى الأمر بواقعية ،و موضوعية ،و أن يقدموا لنا و صفات شافية لحل هذه المشاكل بدل ذر الرماد في العيون و دفن الرؤوس في الرمال.
فقد يرى البعض في هذا التفاوت في النسب أمر طبيعي نظرا إلى غياب الكفاءات و حملة الشهادات في هذه الشريحة و كذلك لغياب الخبرة لدى حملة الشهادات منهم، و حتى لو سلمنا بان الأمر كذلك فان القول مردود على أصحابه، فمسؤولية الدولة ،و مسؤولية منتخبينا،هي انتشال أبناء هذه الشريحة من اذغال الجهل و الأمية، كجزء من التكفير عن ما لحق بهم و بأسلافهم بسببهم،من اجل اللحاق بركب المتعلمين و حملة الشهادات،و بالتالي فسح المجال أمامهم من اجل ولوج باب التوظيف و اكتساب الخبرة و المهارات اللازمة.
فما تعانيه هذه الفئة هو بفعل الحرمان من التعليم و التحصيل و الإقصاء و التهميش ،و المسؤولية في ذلك تعود إلى المجتمع و نظامه الذي سخر هذه الفئة لخدمته و حرمها من التعليم ،و كذا سياسات الأنظمة التي لم تعالج ظاهرة الرق و مخلفاته بالشكل اللازم،بل رسخت و جذرت، و لا تزال كذلك إلى يومنا هذا مختلف أشكال التهميش و الإقصاء و الغبن.

إذن فتهميش و إقصاء و غبن هذه الشريحة ،و غياب العدالة الاجتماعية في البلد لا ينكره إلا مكابر ، أو من ليست لديه بصيرة أو من يريد لهذا البلد أن يعيش في دوامة من المشاكل ،و هو بالذات من يسعى إلى النيل من وحدته الوطنية ،و تفكيك كيانه المجتمعي ،و هنا أقول للذين يرون في نظام المحاصصة بعبعا أو غولا سيلتهم هذا الوطن أقول لهم أن كل سياسات الأنظمة التي عشناها كانت مبنية على المحاصصة بشكل أو بآخر،المحاصصة القبلية و الجهوية و الحزبية و حتى العرقية ،و لا باس بنظام محاصصة ينصف الجميع حتى و لو تطلب الأمر بقاء الحراطين في مواضعهم التقليدية و تحت رحمة أسيادهم السابقين و لكن مع الاخد بعين الاعتبار أنهم بشر و مواطنون لهم حقوق و عليهم واجبات ،فلا تتوانى القبيلة أو الجهة أو الطائفة أو الفخذ في منحهم نصيبهم من كل شيء حتى لو كان قطع رؤوس الجميع.
إن صمام الأمان لوحدة وتماسك هذا الوطن هو العدالة الاجتماعية و العدالة للجميع ،و بناء وطن يسعد فيه الكل بالحرية و الرخاء ، و ليس كيل الشتائم و التشكيك في نوايا الآخر و تخوينه هو الحل الأمثل لذلك.لذا فإنني أتمنى على منتخبينا و أولياء أمرنا ،و سياسيينا أن يتحلوا بقدر من الإنصاف و الموضوعية و المرونة والتفهم و التعقل في معالجة مشاكل الوطن ،و خاصة المطالب المشروعة لمختلف شرائحه في الحرية و العيش الكريم، و أن يأخذوا الحيطة و الحذر الضروريين من مكائد اللوبيات و الإقطاعيين و المفسدين و دعاة التفرقةالذين لا يريدون لهذا الوطن ان يتقدم ،فليست كل دعوة للإنصاف ،هي دعوة عنصرية ،و ليست المطالبة بالحق، هي من باب محاولات النيل من الوطن و وحدته ،و لكن بالمقابل استمرار دفن الرؤوس في التراب و التعنت ،و محاولة المضي في وضعية تتسم بتهميش الآخر و إقصائه هي في حد ذاتها العنصرية في أوضح تجلياتها ،و محاولة لجر الوطن إلى الهاوية .

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026