تاريخ الإضافة : 29.01.2009 13:47

لهذا تركت "موريتيل موبيل".. حفاظا على صحتي!!

بقلم: محمد محفوظ ولد أحمد

بقلم: محمد محفوظ ولد أحمد

يسألني الأصدقاء لماذا لا يرد هاتفي ولا يرن؟ والمتبادر لأغلبهم أن هاتفي سرق.. فهذه حالة أصبحت شائعة وربما باتت سائغة، مثل تبديل جهاز الهاتف نفسه؟
ولكن مهلا، هاتفي لم يسرق بعد.. وشريحة الـ"جي اس أم" موجودة لدي وبها ـ بالمناسبة ـ رصيد كبير من أفضال موريتيل موبيل التي تغدقها علينا بين الحين والآخر في شكل زيادات مضاعفة في الرصيد.. وهاتان النقطتان تستحقان تعليقا أختم به الحكاية.
لكن حقيقة الأمر أنني تركت موريتيل موبيل وهجرت شبكتها العتيدة حفاظا على صحتي لا غير!
لم أفعل ذلك باختياري، بل كان بعد معاناة طويلة مع هذه الشبكة الخليوية (ولا أدري أهي نسبة إلى الخلِية ـ واحدة الخلايا ـ أم هي نسبة إلى الخلْية ـ بتسكين اللام ـ المعروفة في الحسانية).. أفضت بي أحيانا إلى حافة الانهيار العصبي والإصابة النفسية، حتى نصحني الأطباء والصيادلة والمشعوذون وعباد الله الصالحون بعلاج واحد لحالتي وهو ترك موريتيل والابتعاد من جوالها، منه وإليه..!!.
أما كيف يصح هذا ويتأتى فأقول إنه لا علاقة له بالفيروسات ـ حتى الالكترونية منها ـ ولا بداء أو عدوى تصيب الإنسان.. كلا وحاشا. بل الأمر يتعلق بالصحة العقلية والسلامة النفسية. فإن من لديهم جهاز عصبي سليما، ويدركون بعض حقائق شبكات الاتصال، معرضون لانتكاسات نفسية وأزمات عصبية قد لا تحمد عقباها ـ خاصة إذا كانوا عرضة لأمراض أخرى ذات صلة، مثل ارتفاع الضغط أو العصاب أو السكري.. الخ ـ حين يتعرضون لأنماط من التعذيب النفسي برعت في التسبب فيها شبكة موريتيل موبيل أيما براعة!
فهذه الشركة الآخذة بنواصي معظم سكان هذا البلد لها أوقات ومواسم يكون الاتصال بها أو منها مثل لعبة "البوكر" تماما: يساعدك الحظ فتكسب ويعاكسك أكثر فتخسر.. ولو اقتصر الأمر على عدم الاتصال من أساسه لهان الخطب: فما عرفنا الهاتف ولا "الراك" إلا البارحة، بل ما عرف العالم بأسره الـ "جي أس أم" إلا يوم أمسه!
لكن الطامة هي في أسلوب هذه الشركة المقتبس من قصة "حطاب الدشرة": فكلما ازداد شكوى زبنائها من ضيق شبكتها ورداءة أدائها شنت حملات وحملات جديدة لزيادة المشتركين وزيادة مكالماتهم بالطبع!
والقصة هي كما يلي، مثلا: ما ذا تفعل عندما تريد بيع عشرة هواتف لمائة شخص بحيث تدفع لهم من عندك عشرة أجهزة فقط وتأخذ من كل واحد منهم ثمن جهاز كامل، أي أن تحصل تماما على ثمن مائة جهاز لا أقل؟!.
بالنسبة لعلماء الرياضيات ومهندسي البيانات فهذا مستحيل تماما، ناهيك عن جانبه الشرعي أو القانوني. لكن بالنسبة لموريتيل موبيل لا يوجد مستحيل أصلا، والأمر سهل وواقع كما ترون بل وشرعي حلال زلال! فقط ضعوا جانبا تلك الأشياء المنطقية وانسوا التشريع والتنظيم (سمع بعض الناس، ربما من المخابرات، بوجود هيئة تدعى سلطة التنظيم!)، فالمسألة أبسط من ذلك: فإذا استطعنا ـ بأية طريقة كانت ـ أن نجعل كل واحد من المائة شخص يدفع ثمن جهاز، سواء حصل عليه حقا أو وهما، فقد تم المطلوب، انتهى!.
أما هل حصل هذا الشخص على الجهاز فعلا، وهل حقق له فائدة، وهل كان مرتاحا أم بائسا يائسا.. فهذه سفسطة محضة! فجوهر الحقيقة هو أن نقبض من الجميع!
وليت الأمر اقتصر على تجسيد هذه الفلسفة العدمية؛ فهي حالة جشع قد لا يتجاوز ضررها خسارة مادية محدودة، لكن الطامة الكبرى هي الطقوس التي ترافقها من تعذيب نفسي وضغط عصبي يسبب الذبحة الصدرية..
ففي العادة حين تتصل من شبكة اتصال حديثة برقم غير عامل أو مغلق تجد في الرد الآلي جوابا جازما مثل: " الهاتف مغلق " أو "خارج التغطية" أو "الرقم غير موجود".. بل في حالات ضعف الشبكة أو ضيقها يأتيك الرد واحدا موضحا مع الاعتذار: إن خطوط الشبكة مزدحمة الآن..الخ، ويكون ذلك كذلك فعلا..
لكن لموريتيل موبيل على ما يبدو عدد مشتركيها ـ فتبارك الله ـ من الردود، التي هي مثلهم تماما فوضوية وغير منظمة وغير منطقية!! فحين تتصل منها برقم هاتف بعيد أو مجاور أو حتى رقم هاتف في يدك الأخرى يأتيك الرد بصوت واضح وجازم: "لا يمكنك الاتصال بهذا الرقم"، وفي المحاولة الثانية يأتيك "عذر آخر"، وفي الثالثة قد يطلب منك ضغط "زر الفاكس"!! وقد يصم أذنك فقط طنة أو عويل إلكتروني.. وأحيانا يحالفك الحظ فلا تسمع شيئا على الإطلاق! لأن الخط لم يتصل وكأنك لم تطلب رقما في الأصل!.. وفي جميع هذه الحالات فأنت محظوظ تماما.. ولكنك خارج على القانون، قانون موريتيل، و"سارق أحمر" في عرفها.. لأن المفروض أن تقودك 90% من اتصالاتك عبر موريتيل موبيل إلى "العلبة الصوتية" لمن تطلب رقمه، وإذا لم يكن هذا المغفل قد سجل ردا صوتيا، فإن موريتيل تقدم لك نيابة عنه "ردا صوتيا" من قبيل رقمه، وربما تطلعك على بعض أسراره الأخرى من باب كونه لم يشغل بريده الصوتي أصلا...
وعلى كل حال فالعلبة الصوتية أو البريد الصوتي عند موريتيل يساوي اختراع الديناميت عند " ألفريد نوبل"، فهي فتح مبين حقا لأنها مكالمة بديلة عن مكالمتك التي تطلب.. فربما لا يروق لموريتيل أن تتصل بذلك الرقم مثلا، وهي تفضل في أوقات الذروة أن تمضي معظم وقتك في ضرب لوحة مفاتيح هاتفك والاستماع إلى نفس العلبة الصوتية.. ولأن موريتيل تفترض أن الأمر يعجبك أو يدمرك فهي تتقاضى مقابل هذه "المكالمة" حقها المعلوم، صحيح أنها كانت ستتقاضى مبلغا أكبر لو نجحت المكالمة وخاطبت من تريد، وهذا يحدث كثيرا في النهاية..
ولكن هذا النوع من المكالمات مع العلبة الصوتية له نكهة خاصة عند موريتيل والمبالغ المحصلة منه أفضل بكثير فهي متكررة وسريعة وكثيفة، وكل ضربة لمفتاح الإرسال ستعود على الشركة برسم مكالمة.. وهذا هو المعنى الحقيقي لفلسفة "حب الاتصال!". لهذا يشتكي بعض الضعفاء في هذه الفلسفة من أن رصيدهم الذي تأكدوا منه قبل لحظات ينتهي قبل أن يتمكنوا من ربط الاتصال بمخاطبهم.. لتكون نهاية محاولاتهم الحتمية هي الاستماع لأغنية موريتيل الخالدة: "ليس لديكم رصيد...."..
فعلا لقد نفد رصيدكم في مكالمات "العلبة الصوتية" فلوموا أنفسكم.. أو اسمعوا نصيحتنا المخلصة: عبئوا رصيدا جديدا، فقد تحظون هذه المرة بمكالمة حبيبكم. لكن ـ مع ذلك ـ قد ينقطع الخط فجأة، خاصة إذا كنتم داخل انواكشوط.. لأن شبكة جوال موريتيل "متطورة": فطورا تضعف، وطورا تتدفق قوية، وطورا تنقطع كلية... كأحوال الدنيا الرديئة!
وبعد كل هذا فإن بعض "الحمقى والمغفلين" يتساءلون: إذا كانت موريتيل تستطيع باستمرار تقديم هذه الزيادات الضخمة على أرصدت التعبئة لماذا لا تخفض الأسعار قليلا أو تزيد قيمة خدمتها الدنيئة، ولماذا لا تتعاون موريتيل مع من تُسرق هواتفهم لاسترجاعها من اللصوص؛ فهي بذلك لا تعيد لزبنائها مبالغ مالية من أرصدة الهواتف المسروقة ـ على الأقل ـ وإنما تساعد الأمن والعدالة وتسهم في مكافحة الجريمة..
ولكن أكثر هؤلاء لا يلاحظون أو لا يستغربون أن الجشع قد يجعل مؤسسة كبيرة تتعامل مع زبنائها ـ بملايين الأوقية ـ بأوراق بيضاء لا تحمل أي عناوين ولا بيانات ولا أختاما.. بل تبدو كما لو كان أصدرها عابر سبيل من إحدى الوراقات أو المقاهي الشعبية، فهل سبب ذلك أن طباعة أوراق رسمية للمعاملات تكلف "رصيدا"، أم أن الذين تتعامل معهم الشركة فقط لا يستحقون حتى ورقة إيصال "محترمة"؟؟!!

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026