تاريخ الإضافة : 27.12.2007 12:33

عملية ألاك.. ثغرة في الأمن أم في القضاء؟

أحمد ولد إسلم
Ahmed3112@hotmail.com
مع الساعات الأولى بعد الهجوم على السياح الفرنسيين قرب مدينة ألاك استبعد المراقبون احتمال أن تكون العملية جنائية ، وقفزت إلى ذهن كل من سمع الخبر فرضية وقوف نشطاء من \"السلفيين الجهاديين\" وراء العملية، وظلت الفكرة تتردد مع مستوى من الاستبعاد لها، نظرا للانفراج الذي تشهده العلاقة بين السلطة الموريتانية والتيار الإسلامي بمختلف أطيافه ، ولأن أغلب مبررات التصعيد بين الطرفين تلاشت بعد الإفراج عن المعتقلين السلفيين في عهد ولد الشيخ عبد الله، بعدما قضوا سنتين في المعتقل لرفض ولد محمد فال تحريك ملفهم.
غير أن المستبعدين لهجوم ذي طابع \"جهادي\" ظلت معطيات أخرى تدفعهم إلى عدم الإمعان في ذلك؛ فالمهاجمون -وحسب المعلومات الواردة من مكان الحدث- لم يسلبوا من الضحايا مالا،وقد وجد الدرك المال والهواتف النقالة مع الضحايا ، مما يعني أن المهاجمين لو كان لهم هدف \"مادي\"لأخذوا المال والهواتف ، وقد يفعلون ذلك دون الحاجة إلى القتل...
المحصلة النهائية للمعلومات حول الحادث أكدت رسميا اتهام \"خلية جهادية\" بالعملية وفق بيان النيابة العامة.
البيان أكد اتهام شخصين أحدهما سبق أن برأته المحكمة من تهمة العمل ضمن\"تنظيم سري والتخطيط لعمليات إرهابية على الأرض الموريتانية\"
والثاني كان تحت الرقابة الأمنية ، ولم تحله الشرطة إلى القضاء لعدم كفاية الأدلة، واكتفت بإلزامه الحضور كل ثلاثة أيام إلى مقر إدارة أمن الدولة، قبل اختفاءه أسبوعين قبل العملية -حسب ما أورد موقع أخبار نواكشوط-.
كل هذه المعطيات تلزمنا بطرح سوال مركزي لمعرفة الواقع واستشراف المستقبل وهو من أي ثغرة أوتي هذا البلد المسالم المطمئن؟
أمن أجهزة أمنه التي قد تكون اتكلت وتراخت في جو الانفتاح الديمقراطي ، فأمنت على نفسها وبلدها؟
أم من جهاز قضائي وجد نفسه بين مطرقة ملفات ثقيلة ورثها عن نظامين تحمل محاضرها وثائق تثار حولها عشرات الأسئلة، وسندان طرح غير مسبوق من قبل الإعلام الوطني والدولي لملفات الإسلاميين باعتبارها أكثر الملفات أولوية بالنسبة للوافد الجديد على القصر الرمادي؟
والواقع أن أجهزة الأمن الموريتانية واجهت تحدين كبيرين ، في مجتمع ذي طبيعة اجتماعية معقدة، فهو متدين بشكل عام ، مترابط في علاقاته الاجتماعية لدرجة يصعب معها فهم طبيعة الروابط بين الأفراد، والقبيلة فيه ضاربة أطنابها ، ومصلحتها الذاتية أكثر أولوية من أمن كيان الدولة؛ هذا ما يفسر ما أثير عدة مرات من إطلاق سراح معتقلين تعددت أوجه تهمهم لعلاقة قبلية بأحد القادة أو معارفه.
والتحدي الثاني: أن العمليات المسلحة التي تقوم بها التنظيمات \"الجهادية\" لا تزال جديدة على أجهزة الأمن الموريتانية ، ولم يسبق لها التعامل معها على أرض الواقع، حتى ولو كان بعض أفرادها تلقى تدريبات مكثفة في الخارج على وسائل ومناهج التعامل مع هذه العمليات.
وهذا ما يفسر ارتباك أجهزة الأمن التي ألقت بداية الأمر القبض على مجموعة من ذوي السوابق العدلية تبين أن لا علاقة لها بالأمر، وأكثر من ذلك ، استعانتها بأخصائيين مغاربة وفرنسيين للتحقيق في مسرح الحادث لمعرفة الفاعل.
وبالعودة إلى القضاء في تعالمه مع ملف السلفيين نجد أن الأحكام التي صدرت بحق السلفيين لم يكن أحد يتوقعها، فقد برأتهم المحكمة جميعا في وقت وجيز، قياسا لفترة اعتقالهم قبل المحاكمة ،وقياسا لكم المحاضر التي جاء بها الأمن – حتى وإن كانت الشواهد تثبت أنها محشوة باعترافات انتزعت تحت التعذيب-
فالقضاء في عهد ولد الشيخ عبد الله وجد نفسه في مأزق، فقد ورث ملفا معقدا يحتاج البت فيه وقتا طويلا ، إذا اتبعت الإجراءات السليمة لسير العدالة،لكن ضغط السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس ولد الشيخ عبد الله ، وسعيه للتخلص من الإرث الأسود لنظام ولد الطايع ومخلفات العسكر، والظهور بوجه البريء من كل سوءات الأنظمة السابقة ، وفتح صفحة جديدة يستهلها بالحوار والانفتاح ، كل ذلك جعل القضاء محرجا إذا أصدر أحكاما تتنافى مع هذا التوجه الذي رسمه الوافد الجديد.
عملية ألاك وضعت الرئيس الموريتاني أمام خيارين يصعب التوفيق بينهما:
خيار العودة للمقاربة الأمنية التي انتهجها نظام ولد الطايع وجاراه في جزء منها نظام العسكر، وإن كان يتوقع هذه المرة أن تكون أقل حدة ، فتقتصر على نشطاء التيار السلفي ذي التوجه \"الجهادي\" دون ملاحقة تيار الإخوان المسلمين الذي أثبتت السنوات الماضية جنوحه إلى السلم ومقارعة الأنظمة بالعمل السياسي، كما لا يتوقع أن تطال الاعتقالات رموزا معروفة من التيار السلفي العلمي، لأن الدولة الموريتانية في وضع لا يسمح لها باستعداء عدد كبير من الخصوم، وستعمل على تحييد كل من أمكنها معه ذلك.
الخيار الثاني : أمام نظام ولد الشيخ عبد الله هو مواصلة نهج التشاور والحوار، مع مستوى أكبر من الحزم في حفظ الأمن ومراقبة نشطاء التيار \"الجهادي\" دون استفزازهم.
مع السعي المضاعف لتحسين ظروف الحياة العامة للمواطنين ، لأن دراسات أخصائيي علم النفس الاجتماعي أثبتت أن أبناء الأحياء المحرومة في المدن الكبيرة أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة.
وفي خضم ذلك على السلطة التنفيذية أن تنأى بنفسها عن جهاز القضاء حتى يحافظ على استقلالية تمنحه المصداقية في أحكامه.
فبأي الخيارين سيعمل الرئيس؟

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026