تاريخ الإضافة : 22.01.2009 16:00

حرب غزة وسيناريوهات ما بعد العدوان؟

 محمد المختار ولد عبد الله كاتب وباحث موريتاني.Chighaly20@yahoo.fr

محمد المختار ولد عبد الله كاتب وباحث موريتاني.Chighaly20@yahoo.fr

لم تعد خافية على أحد تلك التغيرات الجيو سياسية التي أفرزتها الإخفاقات المتكررة للدولة الصهيونية، وخصوصا في حربيها الأخيرتين على كل من لبنان وقطاع غزة، حيث لم تعد الدولة الإسرائيلية هي تلك الإمبراطورية التي لا تنحي ولا جيشها هو ذلك الجيش الذي يختطف ثمار الحرب حتى من قبل بدئها كما كان سائدا منذ ما يناهز نصف قرن من الزمان، تاريخ إنشاء الدولة العبرية في فلسطين.
فقد أثبتت المقاومتان اللبنانية في صيف 2006 والفلسطينية في الشتاء الساخن في 2008 / 2009 أن هذه الإمبراطورية التي حاول الغرب تشييدها في الشرق الأوسط لتكون قاعدة عسكرية متقدمة تحفظ مصالحه وتضمن تدفق الذهب الأسود إلى أقطاره ليست بقدر تلك الهالة التي صورها بها الإعلام الرسمي العربي ولا بحجم ذلك المجد الذي بني لها بتخاذل بعض الأنظمة العربية وتواطؤ البعض الآخر، بل وأثبتت حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) أخيرا أن إسرائيل لا تقوى على مقارعة أصحاب العزيمة والثبات بقدر ما تقوى على هزيمة المتذبذبين من أولي المصالح والمآرب الشخصية الضيقة.
استطاعت حماس أن تكشف للعالم في ثلاثة أسابيع من الصمود والثبات كم هو قدر هوان هذه الإمبراطورية المزروعة في الوطن العربي والمقدسة من قبل بعض أنظمتنا العربية العتيدة، كما استطاعت حماس أيضا أن رسم خطا فاصلا ومميزا بين حقبة ماضية كانت فلسفتها تقوم على أساس الخضوع والتسليم للآلة الصهيونية القاهرة المدمرة، وحقبة تاريخية جديدة تقوم مقاربتها على أساس أن بالإمكان أحسن مما كان، وأن إسرائيل ليست قدرا مقدورا يجب على الأمة الإيمان به والانصياع له، وأن اختلال ميزان القوة لا يعني في الفكر السياسي التنازل والتحلل من الثوابت والمبادئ بقدر ما يعني الثبات على الدرب والعزيمة على النصر.
لكن حماس وإن تخلصت لحد الآن من تلك المذبحة النازية التي تعرض لها شعبها في قطاع غزة على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع مضت، إلا أنها لا زالت تتعرض لهجمة على الجبهة السياسية أشد شراسة وأكثر فتكا من تلك التي تعرضت لها على الجبهة العسكرية، ليس لكون المحاربين على الجبهة السياسية أكثرا جيشا وعتادا فحسب وإنما لكون هذه الجبهة أيضا أكثر حقولا وألغاما من جهة وأشد حربها شراسة وخطورة من جهة ثانية.
سيناريوهان لا ثالث لهما سيتعين على حماس التعاطي معهما أو مع أحدهما على الأقل، في المستقبل العاجل وليس الآجل، أولهما يتمثل في طبخة ما يسمى باسم المصالحة الوطنية الفلسطينية، حيث ستحاول القوى الاستعمارية وبواسطة أياديها العربية الإنفاذ من تلك المصالحة إلى مكامن قوة المقاومة في غزة وتجريدها من سلاحها بعد إحكام الطوق عليها عربيا والزج بكثير من مقاوميها في السجون والمعتقلات في قطاع غزة على غرار ما هو كائن في الضفة الغربية حاليا.
وستتم محاولة النفاذ إلى تطبيق هذا السيناريو من خلال إلزام حماس بالتنازل عن حقيبة الداخلية في أي حكومة وحدة وطنية أو حكومة وفاق قد يتم إخراجها من تحت الركام والجثث المتناثرة في قطاع غزة هذه الأيام، أو على الأقل قبولها بعودة ما يسمى بالحرس الرآسي الفلسطيني والذي بالتأكيد يعود هذه المرة ليس في طابعه العرفاتي القديم فحسب وإنما في طابعه العباسي الدحلاني كذلك.
فالمتتبع والناظر في المطبخ السياسي لكل من السلطة (الوطنية) الفلسطينية والنظام المصري يدرك أن المرحلة الثانية من مراحل الحرب على حماس ستكون عبر فخ المصالحة الوطنية الفلسطينية؛ فبعد ما كانت السلطة في رام الله تصر بإكبار وعنجهية على عدم الجلوس مع حماس على طاولة المفاوضات باعتبارها حركة إرهابية انقلابية تسببت في ولوج القاعدة إلى الأراضي الفلسطينية لأول مرة في التاريخ، كما وصفها محمود عباس ذات مرة، إلا أن ذلك الإصرار على رفض الحوار مع حماس أعقبه وحل محله اليوم تعطش إلى ( المصالحة ) ووحدة الصف الفلسطيني، لا لتغيير في الأجندة والأهداف و إنما تطويرا في الاستراتجيات والتكتيكات الجهنمية .
ونعتقد أن رموز السلطة الفلسطينية سيدفعون بعجلة المصالحة الوطنية أكبر قدر مستطاع من السرعة حتى لا تضيع جهودهم في الحرب الأخيرة سدى وحتى يتمكنوا بالتالي من الاستفادة من الضعف أو الإرهاق الحاصل لحماس جراء العدوان الأخير عليها، ولعل التصريحات الأخيرة لأولمرت والتي زعم فيها أن حربه على قطاع غزة أضعفت من قبضة حماس على القطاع بما يقوي من سلطة عباس ـ على حد وصفه ـ لعل تلك التصريحات إذا تؤكد هذا المنحى وترجحه أكثر مما تنفيه وتبعده.
وأما السيناريو الآخر والذي سيكون ثمرة لفشل محاولة النفاذ إلى السيناريو الأول فسيتمثل في إعادة الاحتلال للكرة مرة ثانية بحيث سيحاول، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إعادة احتلال قطاع غزة ومن ثم تسليمه إلى أيد أمينة تضمن تهجين مقاومته وتطويع ثواره.
فالهدف المنشود من الاحتلال وحلفائه من العرب قبل الغرب لمّا يتحقق بعد، ولذلك فمن الغباء السياسي الاعتقاد بأن دول طوق المقاومة ستقف عند هذا الحد من دون أن تحاول إيجاد مخرج سياسي تستعيض به عن الفشل العسكري في حربي غزة 2006 و2008، وما انتهت إليه قمة الكويت أخيرا يؤكد أيضا أن الحرب لمّا تضع أوزارها وأن المتربصين بالمقاومة لمّا ييأسوا بعد .
أخذت حماس على عاتقها مهمتين غايتين في الصعوبة والمشقة، فهي من جهة تقارع أبشع استعمار عرفته البشرية في تاريخيها القديم والحديث معا، كما هي من جهة أخرى تتصدى لسلطة استبدادية مدعومة بمنظومة دولية وإقليمية بالمال والسلاح والسياسة، بل وأنشأها الغرب في الأصل لتكون حارسة لأمن واستقرار إسرائيل وجدارا للفصل بين المقاومة والمحتل.
لكن حماس تريد أن تقلب أجندة هذه السلطة رأسا على عقب فتجعل منها جدارا لحماية ظهورالمجاهدين وعامل قوة للمقاومة لا وسيلة استنزاف وإكراه لها.
ربما هذه الازدواجية في المهام والمشاق تسللت إلى حماس من فكرها التنظيمي الذي تعود جذوره إلى حركة الإخوان المسلمين والتي يقوم برنامجها الحركي على أساس ضرورة المواءمة بين العمل الجهادي والدعوي وبين العطاء الاجتماعي والسياسي، على خلاف ما هو سائد عند بعض الحركات الإسلامية الأخرى.
فحماس لا تريد أن تترك السلطة وتأثيراتها السياسية والاجتماعية من دون تأطير وضبط لإيقاع حركتها، كما لا تريد أن تلهو بالسلطة ومزاياها وامتيازاتها عن العطاء الجهادي والمرابطة على الثغور والقلاع من أجل تحرير الأرض والمقدسات والإنسان.
ومن المؤكد أن حماس ستتحمل لقاء ثقل حملها وازدواجية نضالها الكثير من التضحيات والآلام والنكبات.
ولن يكون العدوان الأخير عليها إلا جولة من جولات هذه الحرب المفتوحة على الأمة ومشاريعها النهضوية.
فهناك مشروعان متوازيان لا يمكن أن يتعايشا إلا من خلال ذوبان أحدهما في الآخر والتسليم له بالتبعية والانقياد: مشروع مكمل لمطامع قوى الاستعمار الرامية إلى السيطرة على مقدرات الأمة وثرواتها وإحكام الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية والفكرية عليها عن طريق تكريس التجزئة للأمة وإخراج القضية من إطارها القومي والإسلامي، بل وإبعادها عن بعدها الإنساني كذلك.
ومشروع يهدف إلى إبقاء جذوة الصراع مع المحتل متقدة في نفوس الجماهير حتى استكمال شروط حسم المعركة من توحيد لإرادة الأمة واكتمال أسباب النصر العسكرية والسياسية.
ومن دون شك فإن المعضلة الأساسية في صراعنا وعجزنا لحد الساعة عن النصر ترجع بالأساس إلى أسباب ذاتية داخلية أكثر منها عوامل خارجية أو أجنبية، فأولمرت وباراك وليفني يتسابقون في سفك دمائنا من أجل كسب ود الناخب الإسرائيلي، ولكن كثيرا من قادتنا نحن يتسابقون في التآمر على المقاومة ومحاربة كل عوامل النهوض بالأمة ونجاحها من أجل كسب ود الحامي الأمريكي الغربي، لأن كلا من الصنفين معني بشرعيته وما به يستمد قوته ويضمن بقاءه وديمومته.
ولئن كان باراك أوباما قد بدا في خطاب تنصيبه معنيا بتغيير سياسات سلفه في منطقتنا العربية والإسلامية فإنه من المؤكد أن إرادته في الإصلاح ستتحطم على صخرة واقعنا العربي لأننا ببساطة نمتلك من الحصانة والتجربة ما يؤهلنا للملاءمة مع أي وضع طارئ أو مستجد مهما كانت طبيعته، كما أننا كنا ولا زلنا شركاء في صنع الواقع الذي يهم أوباما بتغييره، فقد ساعدنا جورج بوش في كل أعماله القذرة، كما سنساعد أوباما في كلما يهم به ـ من غير الإصلاح طبعا ـ أو يحتاجنا فيه، فنحن قد خبرنا سياسة الديمقراطيين والجمهوريين معا، كما خبرنا سياسة العماليين والمحافظين في بريطانيا وسياسة الاشتراكيين واليمينيين في فرنسا و ... وقد تغير الجميع وما زلنا نحن كما كنا، أوفياء للجميع.

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026