تاريخ الإضافة : 16.01.2009 21:13

تجميد العلاقات خدعة سائغة

بقلم: الشيخ أحمد بن البان
لعل أكبر صفة يمكن أن تنتظم شخصية الجنرال محمد بن عبد العزيز هي أنه رجل مثير له قدرة عالية على إحياء خشبة المسرح الذي يمثل عليها يشهد بذلك كل متتبع لمواقفه و قراراته التي كان أشدها إثارة انقلابه غلى رئيس منتخب في وضح النهار ثم الخطاب الدوغمائي الذي كان يخطف به الأضواء من معارضيه على منصات زيارات الأحياء الشعبية في مشهد درامي محكم يستثير عواطف العامة بالهيروين الخطابي وليست حملة خفض الأسعار الصوري و توقيف بعض الشخصيات بتهم الفساد إلا حلقة من "مسرحية الزعيم"الذي أدرك قيمة ثبات خلفية الخشبة التي يمارس عليها الفعل الدرامي ،إلا أن الخطوة الأكثر إثارة والتي لفتت أنظار الإعلام إليه هي استدعاء السفير الموريتاني في تل أبيب ثم تجميد العلاقات مع الكيان الصهيوني في قمة الدوحة وهي خطوة تستدعي القراءة المزدوجة بين الفرح الطيب والنظر المتريب وهذا ما أحاوله من خلال هذه المقاربة:

1ـ دوافع الجنرال للتجميد

إذا تجاوزنا مبدأ الاتساق ـ وهو في هذه محمودـ مع الطبيعة العسكرية للجنرال وما تفرضه من حسم في أي اتجاه كان فإنه يمكن قراءة مجموعة من الدوافع قد تكون وراء إقدامه على خطوة التجميد:

1. أن الغليان الشعبي بلغ ذروته مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة لدرجة أصبح معها أمن السفارة الإسرائيلية مهددا بدرجة كبيرة وهذا ما تشي به مظاهرات الجمعة ـ بغض النظرعن خلفياته والجدل حوله ـ التي عجزت قوات حفظ التظام عن السيطرة عليها مما استدعى تدخل الدرك للسيطرة على جموح الجماهير الغاضبة المتجهة صوب مقر سفارة الكيان فأراد أن يخفف من تلك الغلواء لكن ما غاب عن الجنرال هو أن الجماهير التي ترى بأمهات أعينها مزق أجساد إخوتها من الرجال والنساء والولدان لن يرضيها تجميد العلاقات فقط ، صحيح أنه قد يخفف من خطابها إخراج قانوني مراوغ لقرار التجميدـ إن حصل ـ وذلك بتنكيس العلم الإسرائيلي وتسريح السفير وإغلاق السفارة ولو مع الإبقاء مؤقتا على وثائق اعتماد العلاقة مع وعد مضمون بقطعها في وقت لاحق قريب
2. أن الجنرال الذي يعتزم خوض معركة انتخابية رئاسية قريبة بحاجة إلى خطاب دوغمائي يمكن استغلاله دينيا للعب على حبل مشاعر المواطن البسيط الذي لا يعرف من سيرته إلا سيئة الانقلاب على الشرعية والقانون ،كما أن هذا الخطاب أيضا سيساعده على مشاركة الاسلاميين وغيرهم من القوى السياسيةالتي تجعل قضية التطبيع أحد مرتكزات خطابها السياسي
هذا على المستوى الداخلي أما على المستوى الخارجي فيمكن قراءة الدوافع التالية :
1. أن يكون الجنرال وطبقة المستشارين السياسيين الذين يرسمون له الخطط المتبعة ويحددون الجدول الزمني لسياساته ـ إن كانت موجودة أصلا ـ أرادوا من خلال مشاركته في القمة المقاطعة من دول عربية محورية في عملية السلام الموهومة بإيعاز أمريكي ـ إسرائيلي و التي تشارك فيها إيران راس الحربة في محور الشر بتصنيف الولايات المتحدة وتركيا التي ظهرت بخطاب ممانع تم تصنيفه ضمن صدام الحضارات داخلها على الأقل ؛لعلهم أرادوا مع كل هذه المعطيات أن يرسلوا رسالة لأمريكا من خلال إسرائيل لتراجع موقفها من الانقلاب ومما يقوي هذا الاحتمال الاقتصار على التجميد دون القطع النهائي لتكون إعادة التفعيل ممكنة إذا تغير بعض المعطيات الراهنة
2. و مما يحتمل في دوافع الجنرال أن يكون أراد من خلال المشاركة في القمة وتجميد العلاقات الانفتاح أكثر على دول إسلامية لها وزنها الدولي وقوتها الاقتصادية(تركيا ـ إيران) مما قد يسمح بمزيد من الدعمى المالي وذلك في ظل زيارة المسؤول الإيراني لانواكشوط مؤخرا وما تحدث عنه من عرضه لدعم مالي مقابل اتخاذ موقف من العلاقات مع الكيان

وقد تكون توبة ...!

وهي أبعد ما يطرحه المحللون السياسيون ـ وهم مصيبون ـ لكنني سأطرح هذا الاحتمال وهو أن يكون الجنرال قد حركت مشاعره العربية المشاهد الأليمة للأطفال والنساء والشيوخ وهم يتحولون إلى حمم من النار وقد يكون هزت قلبه قضية استشهاد القياديين في حركة حماس الشهيد نزار ريان والشهيد سعيد صيام ، لكن هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر خلاف، وسيادة الجنرال مصر على كبيرة التجاوزللشرعيةوالإنقلاب على الدستور؛ فهل له من توبة ؟

الجانب الرمزي في قرار التجميد

بغض النظر عن القيمة القانونيةوالسياسية لقرار تجميد العلاقات إلا أن دلالتها من الناحية الرمزية لها قيمة كبيرة فهي نوع من المواساة الخجولة طبعا لأهلنا في غزة ، كما هي نوع من الانصياع المتريث لمطالب الجماهير المنتفضة ضد التطبيع كما أنها ستقنع الكثير من "باديء الرأي" في موريتانيا أن قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني لا يمثل أي خطر على موريتانيا وأن كل ما يقال حول ذلك "ضلال وباطل"لأنها علاقة هامشية من دوله هامشية مع كيان زور.
وفي الأخير أقول أنه مهما كانت دوافع الجنرال ومهما تضاءلت القيمة الحقيقية لهذا القرار إلا أننا نتغافل ونفرح به ونقبل هذه الخدعة لأنها خدعة سائغة.

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026