تاريخ الإضافة : 06.01.2009 15:14
إعلامنا الرسمي بين التجهيل والتدجيل
إذا كان من المفترض في الإعلام أنه يؤدي دورا هاما في تغيير السلوك الإنساني للمجتمعات عن طريق تغيير المعارف والقيم بعد المناقشة والإقناع، فإن إعلامنا الرسمي وللأسف على النقيض من ذلك يلعب دورا أساسيا في التجهيل وتخدير العقول البشرية والقضاء على الذكاء الإنساني، وذلك بواسطة ما يبثه من خرافات وأساطير سياسية وإعلامية لا زالت تتلبس بثوب البيروقراطية التي كانت ولا زالت متحكمة في دولتنا الفتية منذ ما يربو على الثلاثة عقود من الزمان بل ولا زال إعلامنا الرسمي كذلك يراوح نفس المنحى الذي ظل محافظا عليه منذ نفس التاريخ وهو منحى التضليل والتسويف والتدجيل.
فمن يمتلك العزيمة والصبر على متابعة نشرات التلفزة الموريتانية أو يمتلك الشجاعة والتحمل على قراءة افتتاحية جريدة الشعب الرسمية لا بد وأنه ستعود به ذاكرته إلى عصر ما قبل العولمة الإعلامية ويتذكر مقولة غوبلز وزير إعلام هتلر الشهيرة ( أكذبوا ثم اكذبوا حتى تصدقوا أنفسكم أو حتى يعلق شيء في أذهان الجماهير )
ونحن هنا لا نتحدث فقط عن تدن في القيم واضمحلال في الأخلاق بقدر ما نحدث عن تدن كذلك في المستويين المعرفي والمهني للقائمين على هذا الحقل في دولتنا الحديثة إلى حد جعل جريدة الشعب الرسمية الناطقة باسم الحكومة والمساغة والمحررة تحت سمع وبصر رجالاتها تقدم التعازي على صفحتها الرئيسية في رئيس دولة شقيقة وصديقة ما زال حيا يرزق ويحل ويعقد، لا لخطأ مهني و بشري وجيه وإنما فقط لأن كاتب هذا النبأ ومحرره ومدققه اللغوي كلهم لم يميزوا بين اسم رئيس دولة وحاكم إمارة من إماراتها السبع.
فلو كان هذا الخطأ حدث في دولة تحترم نفسها ومكانتها بين الدول لقدم وزير الإعلام أو على الأقل مدير الجريدة استقالته ولحوسب وأقيل من اشترك في صياغة هذا الخبر وتحريره وتدقيقه.
وبقدر ما نتحدث عن تدن في القيم والمعارف للقائمين على هذا القطاع نتحدث كذلك عن سذاجة وسطحية المقاربات الرسمية المعتمدة لمعالجة كثير من البرامج الإذاعية والتلفزيونية الرسمية إلى حد يجعل المشاهد المتابع لهذه البرامج يعتقد جازما أنها إنما نسخت وأعيد تصويرها مرة تلو الأخرى لتشابه بل وتوحد موضوعاتها والأهداف المتوخاة من نقاشها، وأن المتحدثين المنعشين لها إنما سجلت أفكارهم وآراؤهم على أقراص مدمجة لكي يعاد نشرها وبثها في كل موسم ومناسبة لها علاقة بالموضوع أو غير ذي علاقة بالموضوع حتى.
يدهش المرء وهو يتابع الفضائية الموريتانية في نشرة الثامنة مساء ـ مثلا لا حصرا ـ عندما يرى ويشاهد كيف أن نفس المحور الذي كان موضوع نشرة الخامسة وموجز الواحدة وسيكون في الحادية عشر والثانية عشر ليلا هو نفسه محور هذه النشرة ولربما هو أيضا نفس محور النشرات في اليوم السابق واليوم التالي: بيانات تأييد ومساندة وتصريحات تثمين وإشادة بالمنجزات ومقابلات مع وجهاء وممثلين إن لم يكونوا هم نفس الأشخاص فإنهم من نفس الطينة وعلى نفس الدرب وبنفس القدر والمستوى.
لا شيء يتغير بين إذاعة الأمس واليوم ولا بين بيانات وتصريحات الشهر الماضي والشهر الحالي ولا بين برامج السنة الماضية والسنة الراهنة.
ولئن كان البعض منا قد ساوره الشك والأمل في أن تغييرا ما قد يحدث في إعلامنا الرسمي بناء على تلك النقلة النوعية التي عرفتها التلفزة الرسمية تحديدا في الفترة ما بين انقلابي 2005 و 2008 فإن ذلك الشك قد تبدد وتبددت معه كل الأماني بتغيير الواقع الإعلامي وتحسينه؛ فبقدر ما كان انقلاب السادس من أغسطس الماضي إجهاضا للحكم المدني وانتكاسة للديمقراطية الوليدة على مستوى الممارسة السياسة كان كذلك إعداما للإعلام الرسمي حيث استدارت الديمقراطية بكل مفرداتها إلى الخلف ويمم إعلامنا الرسمي وجهه نحو التزلف والتملق، فلا مهنية لدى القائمين عليه تطغى على التكسب ولا ضمير يسمو فوق التودد والتقرب للحاكم ومخرجاته.
فبدل التغطية للأحداث الراهنة وللواقع المعاش يتم التركيز على الماضي المختزل في خمسة عشر شهرا من عمر الدولة الموريتانية، وبدل البحث عن حلول للأزمة الخانقة والخطر المحدق يتم البحث عن وسائل استفحال هذه الأزمة والمساهمة في زيادة خطورتها.
فلا ذكر للعقوبات التي فرضها البعض وما زال البعض الآخر يتهدد بها، كما لا ذكر للانتكاسة التي حدثت في البلد على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ولا ذكر للضحايا الذين يسقطون على يد الشرطة في هذه الأيام لمجرد أنهم حاولوا التعبير عن رأيهم المكفول قانونا والواجب شرعا، كما لا ذكر للإبادة الجماعية التي يتعرض الشعب الفلسطيني إلا على سبيل الاستئناف والاقتباس من بعض وكالات الأخبار الأجنبية وكأن الأمر يتعلق بالشعب النيبالي أو التايلندي .
وهنا وفي هذا السياق لا بد من تذكير المدافعين عن الانقلاب الأخير بحجة أنه مطلب ديمقراطي وأن غالبية الشعب تناصره، بأن قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني هو أيضا مطلب ديمقراطي تجمع عليه كافة فئات الشعب وكل أطيافه ومكوناته فإذا كان احترام الديمقراطية يحتم الانقلاب على رئيس منتخب نزولا عند رغبة وإرادة الأغلبية فإنه ومن باب الأولى واحتراما لنفس المبدأ يجب النزول عند رغبة هذا الشعب في قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، اللهم إلا إذا كانت تلك الحجة داحضة في الأصل .
كما أنه لا بد من تذكير وتوعية إخواننا المتضررين من السلوك الهمجي الذي يتعرضون له هذه الأيام على يد الشرطة الموريتانية بضرورة تسجيل دعاوى قضائية ضد كل شرطي مارس الضرب والتنكيل بشعبه وكذلك ضد الضابط أو المفوض الذي أمره أو سمح له بذلك، وإذا لم تقبل هذه الدعاوى أو لم تعط ثمارها في الوقت الراهن فلربما تؤتي ثمارها بعد حين، فمن يدري قد يتغير الوضع الحالي وتتبدل الظروف، كما أن العالم اليوم يتجه نحو العولمة القضائية، وكثيرا من المستبدين وزبانيتهم أصبحوا مطاردين في العالم بحيث لا يستطيعون النزول أو المرور في كثير من أقطار العالم الحر، وهؤلاء الذين يمارسون القمع والتعذيب ضد المواطنين اليوم ربما يصبحون في مراكز قيادية غدا أو بعد غد وبالتالي فتوثيق الدعاوى القضائية ضدهم من الأهمية بمكان في الإطار.
فمن يمتلك العزيمة والصبر على متابعة نشرات التلفزة الموريتانية أو يمتلك الشجاعة والتحمل على قراءة افتتاحية جريدة الشعب الرسمية لا بد وأنه ستعود به ذاكرته إلى عصر ما قبل العولمة الإعلامية ويتذكر مقولة غوبلز وزير إعلام هتلر الشهيرة ( أكذبوا ثم اكذبوا حتى تصدقوا أنفسكم أو حتى يعلق شيء في أذهان الجماهير )
ونحن هنا لا نتحدث فقط عن تدن في القيم واضمحلال في الأخلاق بقدر ما نحدث عن تدن كذلك في المستويين المعرفي والمهني للقائمين على هذا الحقل في دولتنا الحديثة إلى حد جعل جريدة الشعب الرسمية الناطقة باسم الحكومة والمساغة والمحررة تحت سمع وبصر رجالاتها تقدم التعازي على صفحتها الرئيسية في رئيس دولة شقيقة وصديقة ما زال حيا يرزق ويحل ويعقد، لا لخطأ مهني و بشري وجيه وإنما فقط لأن كاتب هذا النبأ ومحرره ومدققه اللغوي كلهم لم يميزوا بين اسم رئيس دولة وحاكم إمارة من إماراتها السبع.
فلو كان هذا الخطأ حدث في دولة تحترم نفسها ومكانتها بين الدول لقدم وزير الإعلام أو على الأقل مدير الجريدة استقالته ولحوسب وأقيل من اشترك في صياغة هذا الخبر وتحريره وتدقيقه.
وبقدر ما نتحدث عن تدن في القيم والمعارف للقائمين على هذا القطاع نتحدث كذلك عن سذاجة وسطحية المقاربات الرسمية المعتمدة لمعالجة كثير من البرامج الإذاعية والتلفزيونية الرسمية إلى حد يجعل المشاهد المتابع لهذه البرامج يعتقد جازما أنها إنما نسخت وأعيد تصويرها مرة تلو الأخرى لتشابه بل وتوحد موضوعاتها والأهداف المتوخاة من نقاشها، وأن المتحدثين المنعشين لها إنما سجلت أفكارهم وآراؤهم على أقراص مدمجة لكي يعاد نشرها وبثها في كل موسم ومناسبة لها علاقة بالموضوع أو غير ذي علاقة بالموضوع حتى.
يدهش المرء وهو يتابع الفضائية الموريتانية في نشرة الثامنة مساء ـ مثلا لا حصرا ـ عندما يرى ويشاهد كيف أن نفس المحور الذي كان موضوع نشرة الخامسة وموجز الواحدة وسيكون في الحادية عشر والثانية عشر ليلا هو نفسه محور هذه النشرة ولربما هو أيضا نفس محور النشرات في اليوم السابق واليوم التالي: بيانات تأييد ومساندة وتصريحات تثمين وإشادة بالمنجزات ومقابلات مع وجهاء وممثلين إن لم يكونوا هم نفس الأشخاص فإنهم من نفس الطينة وعلى نفس الدرب وبنفس القدر والمستوى.
لا شيء يتغير بين إذاعة الأمس واليوم ولا بين بيانات وتصريحات الشهر الماضي والشهر الحالي ولا بين برامج السنة الماضية والسنة الراهنة.
ولئن كان البعض منا قد ساوره الشك والأمل في أن تغييرا ما قد يحدث في إعلامنا الرسمي بناء على تلك النقلة النوعية التي عرفتها التلفزة الرسمية تحديدا في الفترة ما بين انقلابي 2005 و 2008 فإن ذلك الشك قد تبدد وتبددت معه كل الأماني بتغيير الواقع الإعلامي وتحسينه؛ فبقدر ما كان انقلاب السادس من أغسطس الماضي إجهاضا للحكم المدني وانتكاسة للديمقراطية الوليدة على مستوى الممارسة السياسة كان كذلك إعداما للإعلام الرسمي حيث استدارت الديمقراطية بكل مفرداتها إلى الخلف ويمم إعلامنا الرسمي وجهه نحو التزلف والتملق، فلا مهنية لدى القائمين عليه تطغى على التكسب ولا ضمير يسمو فوق التودد والتقرب للحاكم ومخرجاته.
فبدل التغطية للأحداث الراهنة وللواقع المعاش يتم التركيز على الماضي المختزل في خمسة عشر شهرا من عمر الدولة الموريتانية، وبدل البحث عن حلول للأزمة الخانقة والخطر المحدق يتم البحث عن وسائل استفحال هذه الأزمة والمساهمة في زيادة خطورتها.
فلا ذكر للعقوبات التي فرضها البعض وما زال البعض الآخر يتهدد بها، كما لا ذكر للانتكاسة التي حدثت في البلد على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ولا ذكر للضحايا الذين يسقطون على يد الشرطة في هذه الأيام لمجرد أنهم حاولوا التعبير عن رأيهم المكفول قانونا والواجب شرعا، كما لا ذكر للإبادة الجماعية التي يتعرض الشعب الفلسطيني إلا على سبيل الاستئناف والاقتباس من بعض وكالات الأخبار الأجنبية وكأن الأمر يتعلق بالشعب النيبالي أو التايلندي .
وهنا وفي هذا السياق لا بد من تذكير المدافعين عن الانقلاب الأخير بحجة أنه مطلب ديمقراطي وأن غالبية الشعب تناصره، بأن قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني هو أيضا مطلب ديمقراطي تجمع عليه كافة فئات الشعب وكل أطيافه ومكوناته فإذا كان احترام الديمقراطية يحتم الانقلاب على رئيس منتخب نزولا عند رغبة وإرادة الأغلبية فإنه ومن باب الأولى واحتراما لنفس المبدأ يجب النزول عند رغبة هذا الشعب في قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، اللهم إلا إذا كانت تلك الحجة داحضة في الأصل .
كما أنه لا بد من تذكير وتوعية إخواننا المتضررين من السلوك الهمجي الذي يتعرضون له هذه الأيام على يد الشرطة الموريتانية بضرورة تسجيل دعاوى قضائية ضد كل شرطي مارس الضرب والتنكيل بشعبه وكذلك ضد الضابط أو المفوض الذي أمره أو سمح له بذلك، وإذا لم تقبل هذه الدعاوى أو لم تعط ثمارها في الوقت الراهن فلربما تؤتي ثمارها بعد حين، فمن يدري قد يتغير الوضع الحالي وتتبدل الظروف، كما أن العالم اليوم يتجه نحو العولمة القضائية، وكثيرا من المستبدين وزبانيتهم أصبحوا مطاردين في العالم بحيث لا يستطيعون النزول أو المرور في كثير من أقطار العالم الحر، وهؤلاء الذين يمارسون القمع والتعذيب ضد المواطنين اليوم ربما يصبحون في مراكز قيادية غدا أو بعد غد وبالتالي فتوثيق الدعاوى القضائية ضدهم من الأهمية بمكان في الإطار.







