تاريخ الإضافة : 03.01.2009 12:15

التعلق بالأفراد على حساب الدولة ظاهرة يجب أن تختفي!

سيدي محمد ولد ابهادي Sidi-med@hotmail.com
تصم آذاننا في هذه الأيام حملات التطبيل والتزمير، للمنجزات الكبرى "للمجلس العسكري" المتمثلة في تخفيض الأسعار، والعناية بالمواطنين وإشاعة الأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من آيات المدح و صنوف الإطراء مما تفتقت عنه عبقريات الظواهر الصوتية، والحناجر المأجورة التي لم تعد تستحي من كثرة ما استمرأت الضحك على ذقون العامة، حتى أصبحت تصدق ما تقول طبقا للمثل المعروف "اكذب ثم اكذب حتى تصدق ما تقول"، غير أن اللافت للانتباه في هذه الأزمة هو انضمام مجموعة من قادة النضال و رموز الدفاع عن الصالح العام، إلى طاقم المروجين للحكم الجديد، حتى أصبحنا نسمع من المناضل أحمد ولد داداه أنه يرى في شخص الجنرال "بطلا شجاعا" !! لا ؟أدري حقا ما الذي يقصد الرئيس أحمد بشجاعة الجنرال إلا إذا كان ما أبداه "عزيز" من شجاعة ورجولة في الانقلاب على السلطة والتطاول على النظام الدستوري في أبهى تجليات السطوة والاستهانة بمقدرات الدولة، أو لعله يركن في ذلك التصور إلى ما نسمعه من حين لآخر في خرجات الجنرال غير الموفقة -شتما لهذا أو استهزاء بذاك – تماما كما نسمع في مجالس الدهماء والعامة " والله ألا راجل ما يعنيه ش" المدهش هنا هو كيف سمح الرئيس المناضل أحمد أن يستغل إعلام الجنرال ذلك التصريح وينشره في جريدة "الشعب" بالمانشيت العريض إمعانا في التشويش على نضال وتضحيات الرجل...الأدهى من ذلك أن يقف المناضل الآخر والرجل الذي ضحى -في يوم من الأيام- بحياته في سبيل إنقاذ الدولة من نظام ولد الطايع وزمرته؛ يقف ويقول: الديمقراطية مهمة لكن موريتانيا أهم من الديمقراطية، وكأن ولد عبد العزيز وحده هو من يقرر متى وكيف تنتهي صلاحية الديمقراطية، أو كأنه وحده المكلف من قبل الشعب بحماية الدولة- علما بأنه كلف بحماية رمز من رموزها فلم يكن أهلا لذلك-.
إن آلة الجنرال الدعائية، وقدرته على الابتزاز، و استعماله لأسلوب الترغيب والترهيب، كل ذلك لن يثبت إلا حقيقة واحدة؛ هي أن العقل العسكري-على الأقل عندنا- عصي على استيعاب فلسفات قيام الدول، وقاصرة عن تصور استيراتيجة طويلة الأمد تنهض بالدولة، وتعزز دور المؤسسات خدمة للشعب كله، فلسنا بحاجة لأفراد يمنٌون علينا بالحماية؛ بل بحاجة إلى مؤسسات تجمعنا جميعا وتحنو علينا جميعا. ومن يتصور أن مشكلتنا يمكن أن تحل بالقرارات الارتجالية، والحلول الجزئية فهو مخطأ كثيرا.
إن مشكلتنا ليست في صعود أو هبوط الأسعار، و لا هي في توفير بعض المستلزمات هنا أو هناك..ينفر منها الشعب من كثرة ما من عليه بها كأنها هبة من رئيس أو وزير، في حين أنها جزء من مستحقات هذا الشعب ونزر يسير من ثروات ومقدرات بلده التي أنفقت وتنفق لاسترضاء الزعامات القبلية وشراء ذمم المنافقين، والمتزلفين..ممن مردوا على استنجاع الأزمات وعاشوا على ريعها زمنا طويلا.!! مشكلتنا يا سيدي مشكلة بنيوية شاملة عمرت طويلا ولا يمكن لشخص أو مجلس أن يحلها بين عشية وضحاها كما تتصور؛ بل لابد من استراتيجية واضحة المعالم تقوم على بناء المؤسسات، واحترام دورها وإعطائها القدر الكافي من الوقت حتى تنعكس على المواطنين، فردا فرد؛ا فقد أثبتت التجارب أن المصلحة العامة تتحول مع الزمن إلى مصلحة خاصة، وهذا ما لم يستطع ساستنا بعدُ أن يفهموه، و هو ما أضعف دور الدولة لحساب ذوي السطوة والجاه، فلا أحد يتعلق بالجنرال الآن لأنه رئيس الدولة ولكن لأنه في لحظة من اللحظات بدى وكأنه قوي !!، ولو كان العكس صحيحا لتعلقنا جميعا بالرئيس المنتخب؛ لأنه وإن لم تعهد عنه السطوة والقوه، إلا أنه قوي بالقانون وبرمزية المكان -عند من يؤمنون بالدولة طبعا- وهم في ذلك المنكب القصي من الأرض معدومون...!
أجزم بأنني الآن أغرد خارج السرب وأن الجميع اليوم بات مقتنعا بهبوط سعر الدقيق والأرز، وسعر البنزين(المرتبط عضويا بمؤشرات خارجة عن حدود قدرات الجنرال وغيره من الرؤساء ...) ومنتشيا بزيارات الاستعراض التي يقوم بها الجنرال هنا وهناك...و مرتاحا لجو التشاور والنقاش في منتديات الديمقراطية. .. مما جعلهم يتعلقون بهذا البطل المنقذ وهذا المحرر الجديد، ولن نعدم غدا من يفتي له بوجوب الترشح للانتخابات القادمة لأنه وحده القادر على حماية الدولة وأمنها وسلامتها...
إن ذاكرة هؤلاء لابد أن أنها مثقوبة أو تكاد، فصالة قصر المؤتمرات لم تبرد بعد من كثرة ما نوقشت فيها الديمقراطية، وأساليب تنظيم الانتخابات، وإعداد اللوائح الانتخابية...إلى غير ذلك من المقررات التي رمي بها عرض الحائط؛ فمن يضمن اليوم تطبيق المقررات الجديدة...؟ المجلس الأعلى ؟ كلا وألف كلا فما يحمي المقررات إلا الدولة، ولا تقوم الدولة إلا على المؤسسات، ومادام ولد عبد العزيز وأمثاله –طبعا- يحددون وحدهم متى وكيف ينصبون هذا وينقلبون على ذاك دون وازع من قانون أو شرعية، وما دامت نخبة المجتمع وساسته يتعلقون بالأفراد أكثر من الدولة، ويستجدونهم الحماية أكثر من المؤسسات؛ فقل على الدولة والمؤسسات السلام .



الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026