تاريخ الإضافة : 25.12.2008 09:11
لعنة العسكر...سراب وطن
أكاد لا أصدق ... أهو ضرب من الخيال...أم أنا أغط في نوم عميق بعد يوم جهيد والكوابيس تهاجمني...
مثقفون ورجال دين وساسة يحضرون لمراسيم تشييع جنازة وطنهم، يتفننون في قلب الحقائق وفى التملق ويجعلون من المفسد مصلحا حسب رأيه في الأسياد الجدد وحسب الرأي في الأسياد أيضا يمكن تصنيف المصلح مفسدا... كل ذلك من أجل حفنة مال غير مؤكدة السداد أو وظيفة غير مأمونة المستقبل.
أهكذا تصير المبادئ بمرور الزمن بضاعة تباع بأرخص الأثمان أم هي الأزمة العالمية تلقى بظلالها لتجعل كل الأشياء تفقد قيمتها الأصلية فاضطرنا لإنشاء سوق للمبادئ...
تبدأ خيوط تفاصيل تجارة المبادئ في وطني العزيز منذ تأسيس الدولة، ولكنها بدأت تتجذر منذ الثلاثين عاما الأخيرة، ومنذ ذاك والوطن يتخبط في سراب الدولة...
وتتقاذفه مزيج من العقليات المريضة: عقلية عسكري يرى في الاستبداد الطريقة الأمثل لحكم الشعوب وعقلية مدني يرى في التملق والمحسوبية أقصر طريق للمنصب، وعقلية شعب يرى أن الحكم خارج اختصاصه ودوره يقتصر على السمع والطاعة لأولى الأمر و إن جاروا!
يا للمرارة كل شيء عز إلا الوطن، يحاولون بيعه بأبخس الأثمان...
هكذا ضاع الوطن ذات مرة ...وهاهو بنفس الآلية يضيع...
لم يكن الأمر مفاجئا فقد كان بالإمكان تلمس إشاراته منذ أن قرر العسكر الاستيلاء على الوطن غيلة في العام 1978، ومذ تلك الفترة البائسة، ورغيف الخبز يستدر بالكرامة وبالمنصب الرفيع الكرامة تستباح أيضا ....
إنه مزيج من تفكير العضلة والبطن...
و مذ ذاك العقد...وأصحاب النياشين يتلاعبون بمصير البلد... ويتنافسون على كسب ثقة المخابرات الأجنبية لتحقيق الطموحات الشخصية... بينما كان الوطن يحتاج لرجال يقدرون الوضع الحرج لوطن لم يتعافى بعد من مخلفات الاستعمار البغيض، فيما بدا جليا أن أرض الوطن حررت ولكن العقول بقيت حبيسة التقاليد والعادات وبعض المكتسبات المميتة.
و من خلال خلافاتهم الشخصية، أضاعوا الوطن مثلما أضاعوا الجيش من بعده ، وبدا ذلك واضحا من خلال التجاذبات التي كانت على مستوى المؤسسة العسكرية وتخبطها الذي دام سنوات، خلالها لم يستتب الأمر لشخص محدد.
ليعيش الوطن حقبة لقبضتين حديديتين لم تعمر أولاهما، ليلبس العقيد في الثانية الزى المدني ويجند كل مقدرات الوطن في سبيل إيصاله للهاوية... فكان الأساس لثقافة "كل شيء للبيع"... و أزداد تعقيدا وضع الوطن في هذه الفترة سياسيا و اقتصاديا، وضمن النفق المظلم هذا دخل الوطن والمجتمع في الحسابات الدولية، فكانت العلاقة مع إسرائيل وتبعاتها المقلقة.
ومع تغيير 2005 تطلعنا إلى تغيير جدي ينسف عقليات الماضي ويتوج أصحاب المبادئ بإشراكهم في تسيير المرحلة... وكانت الخيبة مبكرة من خلال التشكيلة الوزارية... لكن حب الوطن أبقى لدى الكثير أمل بأنه ربما مجرد التغيير هو بداية الغيث...
فأعطى المنقلبون تعهدا بالتخلي عن الحكم لصالح المدنيين خلال مدة زمنية محددة...كانت الفترة مليئة بالصخب والوصب وكان الوطن يدفع ثمن ذلك غاليا... فالحكومة لم تبقى ولم تذر من قوت للضعفاء... و العسكر وكما هو واضح لم يرتووا بعد من دماء الشعب...و المدنيين بين شرائح: إحداها ما أفاقت يوما وهي كغنم تساق إلى حتفها ولا تحرك ساكنا...وأخرى كانت أداة العسكر في تخريب الوطن والمواطن منذ بداية اللعبة...فبهم يضحكون على الخارج وبهم تحاك المؤامرات ضد الشعب، وثالثة تهمس بصوت خافت غير مسموع، أن لا خير في هؤلاء... ولا في أمر أستتب بالعنف، ومن غير فائدة على الوطن كان همسهم.
و كان المشهد الأخير من مسرحية "الفترة الانتقالية" والذي أظهر قدرة كبيرة في تنسيق المؤامرات، هو تلك الانتخابات الرئاسية التي أكسبت الوطن ولأول مرة رئيسا بأغلبية أصوات الشعب، وبغض النظر عن كيف حصل ذلك أكان بالمال أو بالقوة أو بالشعوذة!... فقد أشاد الجميع بنزاهة تلك العملية، ونجح العرض بشكل مثير.
وكنت و أنا في الغربة أشاهد المسرحية بريبة وتحسر، فالتكلف الذي يطبع الجميع سواء الأبطال أو الكومبارسات يوحى بشيء ما...ورغم كل التكهنات، لم أصدق ولو لحظة أن الديمقراطية الوليدة ستسقط بكل هذه السهولة وبهذه الطريقة المقززة في مصيدة العسكر.
و قد بدا المشهد رمزيا عند ما تعثرت التشكيلة الوزارية الثانية في عهد الرئيس الشرعي الأول، وكان إشراك التيارات الإيديولوجية في التشكيلة الحكومية الشرارة التي أشعلت الفتيل، لأنها أبرز التجليات المؤسسة لفكرة تنبئ عن نضج سياسي للرئيس.
و إن كانت الخطوة في نظر البعض ليست سوى بحث عن حلفاء أقوياء في وجه العاصفة المنتظرة، والتي كانت تتربص بالنظام المخلوع، إلا أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وظاهرة صحية، علي أساسها يمكن التنبؤ بمستقبل أفضل للوطن.
وعن توقيت الانقلاب، فالقضاء على فكرة وليدة وهي في المهد أسهل من القضاء عليها وهي متجذرة لأنه عند ذلك ستربط المجتمع بفكرة ولن يكون ارتباطه بشخص، وهنا تكمن قوة الارتباط بالفكرة، فالارتباط بشخص قد ينتهي بمجرد نهايته.
وأيا كان مصير الحدث الأخير، فعندما يتجاوز الوضع درجة التحمل، ففي حركيته مولدات للانحراف قد تؤدي بحياته، وهي مدمرات ذاتية، وما شاهدناه هو إحدى هذه الظواهر المميتة.
وبعد أن خلقوا ظروفا أنجبت أخطر وضع يعيشه الوطن، يبدو قادة الانقلاب عاجزين عن فهم حجم الخطر الذي يحيط بالموريتانيين كأمة، ولن يكون مهما أي نسخة سيتبانها أسياد القصر الجدد من نسخ الحكم الاستبدادي في الوطن العربي ، فهم وفي ما يبدوا غارقين في وحول أحقاد العنصرية والطبقية والقبلية من جهة، ومن جهة وسط خلافاتهم مما يجعلهم عاجزين عن النظر بروية وعقلانية ويواجهون مستقبلا غامضا لن يكونوا قادرين على مسايرته، ورغم هذا كله فهم استحدثوا ستارا من الشعارات والإجراءات الشكلية ساعدت عليها الظروف الدولية خصوصا، ومن وراء الستار هذا يدمر المجتمع من خلال قطع أوتار التيارات الإصلاحية ضمن خطوات متعددة(شراء الذمم، التنكيل... الخ) ومن خلال التوظيف السيئ لبعض الملفات الإصلاحية، و"الزعيم" يدمر نفسه ذاتيا عبر ءالية يظن أنه من خلالها يمسك بزمام الحكم، والأمثلة في ذلك كثيرة وغير بعيد عنا ولد الطائع، سوكارنو في إندونيسيا و نكروما بغانا.
وقد يتساءل المرء لماذا تتوارث الأجيال نفس النمط، ألم تكن هناك مساع للإصلاح أين نخبة البلد، وبالنظر للحاضر فإن أغلبية تلك الرموز النضالية تداعت "اليوم على الوطن"، وهذا يفسر ما نحن عليه الآن من تخبط فكري، فالنخب لم تكن يوم جدية في مساعيها الإصلاحية وإنما كانت تمارس الابتزاز ويبدو أنها حصلت على السعر المناسب اليوم فلم تتوانى ولو للحظة في التطبيل و التزمير.
وليس من المستغرب أن تسقط جراء هذه العاصفة الكثير من القلاع المزيفة، إنه إحياء للمصطلح القديم "الأرض السائبة"، إنها عقلية السيبة تسيطر علينا من هرم السلطة حتى القاعدة الشعبية، فالانقلاب سخرت فيه جميع شرائح المجتمع (الطغمة العسكرية، كتيبة المنتخبين، أسطول المثقفين، غوغائيي المجتمع...) فالأمر لا يتعلق بلون واحد بل يشمل كل الأطياف، مما يعنى أن الأمر أكثر من انقلاب على شخص بل هو انقلاب على المبادئ، فعندما ننام ليلا على التطبيل لأحدهم لنصحو صباحا ونحن نلعنه لا لذنب أقترفه سوى أنه مارس حق كفله له دستور صوتنا عليه... فبأي منطق يحدث هذا!
إنه منطق السيبة والوحشية اللذين كانا سائدين في هذه الرقعة خلال القرون الماضية، عند ما كان الضعيف يدفع "الغرامة"، والقوي يستبيح مال وعرض من هو أضعف منه، والجاهل يعبد غير الله...
هي العقلية ذاتها لكنها بثوب التحضر إنها الكارثة!
فعندما يكون قلب الحقائق نهج المثقف ونظريته السائدة وطريقته المفضلة ومن غير استحياء، وكأنها قناعات راسخة ... فلا تبتئس بما يقول ويفعل... ولا تنتظر منه صالحا.
فنخبتنا المثقفة أصبحوا يفكرون ببطونهم، وهم أسلموا عالمنا الثقافي إلى سلطان الأوثان وعادت المسيرة إلى الوراء.
و لكي ندرك واقع المجتمع، فعلينا أن نحدد مرحلته التاريخية وموقعه من دورة الحضارة.
فنحن تجاوزنا المرحلة التي يكون المجتمع فيها بدائيا فقير الوسائل، وهناك مرحلة يخرج فيها المجتمع من دورة الحضارة، ويصبح ما بعد ذلك مثقلا بديون خلفتها مراحل تكوينه السابقة، وهي تتصرف برصيدها الروحي، هنا تصبح المشكلة أشد تعقيدا، لأن علينا أن نتخلص من تلك الديون التي أفلس بها مخزون المجتمع الروحي، ومخزونه التقني حيال وسائله، وهذه هي مرحلة مجتمعنا، ومن هذه الديون(سطوة العسكري، تقديس الحاكم، التطبيل علي بياض...)
فإرادة الفرد تنبع من الإطار العام للمجتمع الذي هو جزء منه، وكلما كان المجتمع متماسكا وللأفكار فيه دور وظيفي، انتظمت إرادة الفرد في إطرادها وتنافست الجهود في مسيرتها المتناغمة، وهكذا فإن المجتمع وقدرته "تضيفان صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة."
وليس من المفيد نظريا أن نرسم طريقة لنهاية الوضع الحالي بل نبحث عن منبعه في سلوكياتنا الخاطئة، ومن ثم نبحث عن كيف نقضي علي ذلك المنبع.
و في رأيي، فما أبقي المجتمع عرضة للانحراف هو ذلك القرار المشئوم بعدم فتح ملفات الفساد، وهو قرار يدفع الوطن اليوم ثمنه غاليا فالسرطان بدأ ينخر جسم المجتمع ليشمل ضحايا جدد ويفرز أنواع جديدة أكثر خطورة على المجتمع والوطن...
و يظهر ذلك جليا من خلال عملية حسابية غير معقدة فإلي مفسدي الحقبة الغابرة، أضف أغلبية البرلمان، والتشكيلية الوزارة الجديدة ووجوه التطبيل الغريبة... إنه قانون "التراكم".
ومن السوء أن يوظف ملف الفساد في تصفية الحسابات... فذلك هو صب الزيت على النار.
والفساد يقودنا للحديث عن بقية مكونات الستار المختلق...
انخفاض الأسعار...
و رغم أن انخفاضها ليس إلا نتيجة لظرفية عالمية...
...فعن لقمة العيش وضرورتها من عدمها، فالتاريخ يورد حديث دار بين أحد مؤسسي الثورة الصينية وأحد أساتذته الفلاسفة، قال فيه الفيلسوف أن علي السياسة أن تؤمن ثلاث:
لقمة العيش لكل فرد
القدر الكافي من التجهيزات العسكرية
القدر الكافي من ثقة الناس بحكامهم
وإذا أردنا الاستغناء عن أحدهم لظرف ما فالتجهيزات العسكرية هي الأولي
و عن ماذا لو أردنا الاستغناء عن أحد الباقيين فحسب رأي الفيلسوف فالقوت يمكن الاستغناء عنه لأن الموت دائما هو النهاية، لكن إذا فقد الناس ثقتهم لم يبق أي أساس للدولة.
دعوى التصحيح...
ليس من المقبول الحديث عن الانقلاب كتصحيح، فالتصحيح لا يقوم من الارتجال... إن الروح التصحيحية الحقيقية تسير وفق مركب من الخطط ذات دقة عالية ومناهج ذات جاهزية كبيرة، فيكون بذلك التطبيق سلس ويتمتع بكفاءة فنية.
ومع ذلك فالتصحيح كخطوة أولية ليس كل شيء إذ يمكن أن يكون مصيره عابرا وغير محقق، إذا لم يمتلك جهاز رقابي وتصحيحي يستمد من أصالة الفكرة وموضوعيتها فعاليته وقدرته على التأقلم مع الطوارئ.
وباختصار...
إن الديمقراطية التي يخططون لها هي استرقاق الحقوق والمواطنة عبر أوراق انتخابية.
إنه عصر تأليه الفرد يعود من جديد وهو أكثر شيء كان غائبا خلال فترة المخلوع، وفى ظرف كظرفنا، من الجنون أن يتعلق مصير الوطن بشخص واحد.
ما ولد بعد موت الديمقراطية ليس انحرافا من النوع الخفيف بل ثقيلا وثقيلا جدا... لأنه أقل ما يمكن أن يقال عنه هو أنه تكريم ل"وثن السياسي".
فالمجتمع أخذ يسير وأرجله في الهواء ورأسه إلي أسفل، هذا هو المظهر الجديد للمشكلة حينما أخلت الفكرة مكانها للشهوة، والشعب غدا قطيعا انتخابيا، وقافلة عمياء ضلت طريقها المرسوم عبر فكرة لم يكتمل نموها، فتاهت في مسارب الأوثان.
إنها ثقافة الأصنام...
...إنه إفلاس مجتمع
مثقفون ورجال دين وساسة يحضرون لمراسيم تشييع جنازة وطنهم، يتفننون في قلب الحقائق وفى التملق ويجعلون من المفسد مصلحا حسب رأيه في الأسياد الجدد وحسب الرأي في الأسياد أيضا يمكن تصنيف المصلح مفسدا... كل ذلك من أجل حفنة مال غير مؤكدة السداد أو وظيفة غير مأمونة المستقبل.
أهكذا تصير المبادئ بمرور الزمن بضاعة تباع بأرخص الأثمان أم هي الأزمة العالمية تلقى بظلالها لتجعل كل الأشياء تفقد قيمتها الأصلية فاضطرنا لإنشاء سوق للمبادئ...
تبدأ خيوط تفاصيل تجارة المبادئ في وطني العزيز منذ تأسيس الدولة، ولكنها بدأت تتجذر منذ الثلاثين عاما الأخيرة، ومنذ ذاك والوطن يتخبط في سراب الدولة...
وتتقاذفه مزيج من العقليات المريضة: عقلية عسكري يرى في الاستبداد الطريقة الأمثل لحكم الشعوب وعقلية مدني يرى في التملق والمحسوبية أقصر طريق للمنصب، وعقلية شعب يرى أن الحكم خارج اختصاصه ودوره يقتصر على السمع والطاعة لأولى الأمر و إن جاروا!
يا للمرارة كل شيء عز إلا الوطن، يحاولون بيعه بأبخس الأثمان...
هكذا ضاع الوطن ذات مرة ...وهاهو بنفس الآلية يضيع...
لم يكن الأمر مفاجئا فقد كان بالإمكان تلمس إشاراته منذ أن قرر العسكر الاستيلاء على الوطن غيلة في العام 1978، ومذ تلك الفترة البائسة، ورغيف الخبز يستدر بالكرامة وبالمنصب الرفيع الكرامة تستباح أيضا ....
إنه مزيج من تفكير العضلة والبطن...
و مذ ذاك العقد...وأصحاب النياشين يتلاعبون بمصير البلد... ويتنافسون على كسب ثقة المخابرات الأجنبية لتحقيق الطموحات الشخصية... بينما كان الوطن يحتاج لرجال يقدرون الوضع الحرج لوطن لم يتعافى بعد من مخلفات الاستعمار البغيض، فيما بدا جليا أن أرض الوطن حررت ولكن العقول بقيت حبيسة التقاليد والعادات وبعض المكتسبات المميتة.
و من خلال خلافاتهم الشخصية، أضاعوا الوطن مثلما أضاعوا الجيش من بعده ، وبدا ذلك واضحا من خلال التجاذبات التي كانت على مستوى المؤسسة العسكرية وتخبطها الذي دام سنوات، خلالها لم يستتب الأمر لشخص محدد.
ليعيش الوطن حقبة لقبضتين حديديتين لم تعمر أولاهما، ليلبس العقيد في الثانية الزى المدني ويجند كل مقدرات الوطن في سبيل إيصاله للهاوية... فكان الأساس لثقافة "كل شيء للبيع"... و أزداد تعقيدا وضع الوطن في هذه الفترة سياسيا و اقتصاديا، وضمن النفق المظلم هذا دخل الوطن والمجتمع في الحسابات الدولية، فكانت العلاقة مع إسرائيل وتبعاتها المقلقة.
ومع تغيير 2005 تطلعنا إلى تغيير جدي ينسف عقليات الماضي ويتوج أصحاب المبادئ بإشراكهم في تسيير المرحلة... وكانت الخيبة مبكرة من خلال التشكيلة الوزارية... لكن حب الوطن أبقى لدى الكثير أمل بأنه ربما مجرد التغيير هو بداية الغيث...
فأعطى المنقلبون تعهدا بالتخلي عن الحكم لصالح المدنيين خلال مدة زمنية محددة...كانت الفترة مليئة بالصخب والوصب وكان الوطن يدفع ثمن ذلك غاليا... فالحكومة لم تبقى ولم تذر من قوت للضعفاء... و العسكر وكما هو واضح لم يرتووا بعد من دماء الشعب...و المدنيين بين شرائح: إحداها ما أفاقت يوما وهي كغنم تساق إلى حتفها ولا تحرك ساكنا...وأخرى كانت أداة العسكر في تخريب الوطن والمواطن منذ بداية اللعبة...فبهم يضحكون على الخارج وبهم تحاك المؤامرات ضد الشعب، وثالثة تهمس بصوت خافت غير مسموع، أن لا خير في هؤلاء... ولا في أمر أستتب بالعنف، ومن غير فائدة على الوطن كان همسهم.
و كان المشهد الأخير من مسرحية "الفترة الانتقالية" والذي أظهر قدرة كبيرة في تنسيق المؤامرات، هو تلك الانتخابات الرئاسية التي أكسبت الوطن ولأول مرة رئيسا بأغلبية أصوات الشعب، وبغض النظر عن كيف حصل ذلك أكان بالمال أو بالقوة أو بالشعوذة!... فقد أشاد الجميع بنزاهة تلك العملية، ونجح العرض بشكل مثير.
وكنت و أنا في الغربة أشاهد المسرحية بريبة وتحسر، فالتكلف الذي يطبع الجميع سواء الأبطال أو الكومبارسات يوحى بشيء ما...ورغم كل التكهنات، لم أصدق ولو لحظة أن الديمقراطية الوليدة ستسقط بكل هذه السهولة وبهذه الطريقة المقززة في مصيدة العسكر.
و قد بدا المشهد رمزيا عند ما تعثرت التشكيلة الوزارية الثانية في عهد الرئيس الشرعي الأول، وكان إشراك التيارات الإيديولوجية في التشكيلة الحكومية الشرارة التي أشعلت الفتيل، لأنها أبرز التجليات المؤسسة لفكرة تنبئ عن نضج سياسي للرئيس.
و إن كانت الخطوة في نظر البعض ليست سوى بحث عن حلفاء أقوياء في وجه العاصفة المنتظرة، والتي كانت تتربص بالنظام المخلوع، إلا أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وظاهرة صحية، علي أساسها يمكن التنبؤ بمستقبل أفضل للوطن.
وعن توقيت الانقلاب، فالقضاء على فكرة وليدة وهي في المهد أسهل من القضاء عليها وهي متجذرة لأنه عند ذلك ستربط المجتمع بفكرة ولن يكون ارتباطه بشخص، وهنا تكمن قوة الارتباط بالفكرة، فالارتباط بشخص قد ينتهي بمجرد نهايته.
وأيا كان مصير الحدث الأخير، فعندما يتجاوز الوضع درجة التحمل، ففي حركيته مولدات للانحراف قد تؤدي بحياته، وهي مدمرات ذاتية، وما شاهدناه هو إحدى هذه الظواهر المميتة.
وبعد أن خلقوا ظروفا أنجبت أخطر وضع يعيشه الوطن، يبدو قادة الانقلاب عاجزين عن فهم حجم الخطر الذي يحيط بالموريتانيين كأمة، ولن يكون مهما أي نسخة سيتبانها أسياد القصر الجدد من نسخ الحكم الاستبدادي في الوطن العربي ، فهم وفي ما يبدوا غارقين في وحول أحقاد العنصرية والطبقية والقبلية من جهة، ومن جهة وسط خلافاتهم مما يجعلهم عاجزين عن النظر بروية وعقلانية ويواجهون مستقبلا غامضا لن يكونوا قادرين على مسايرته، ورغم هذا كله فهم استحدثوا ستارا من الشعارات والإجراءات الشكلية ساعدت عليها الظروف الدولية خصوصا، ومن وراء الستار هذا يدمر المجتمع من خلال قطع أوتار التيارات الإصلاحية ضمن خطوات متعددة(شراء الذمم، التنكيل... الخ) ومن خلال التوظيف السيئ لبعض الملفات الإصلاحية، و"الزعيم" يدمر نفسه ذاتيا عبر ءالية يظن أنه من خلالها يمسك بزمام الحكم، والأمثلة في ذلك كثيرة وغير بعيد عنا ولد الطائع، سوكارنو في إندونيسيا و نكروما بغانا.
وقد يتساءل المرء لماذا تتوارث الأجيال نفس النمط، ألم تكن هناك مساع للإصلاح أين نخبة البلد، وبالنظر للحاضر فإن أغلبية تلك الرموز النضالية تداعت "اليوم على الوطن"، وهذا يفسر ما نحن عليه الآن من تخبط فكري، فالنخب لم تكن يوم جدية في مساعيها الإصلاحية وإنما كانت تمارس الابتزاز ويبدو أنها حصلت على السعر المناسب اليوم فلم تتوانى ولو للحظة في التطبيل و التزمير.
وليس من المستغرب أن تسقط جراء هذه العاصفة الكثير من القلاع المزيفة، إنه إحياء للمصطلح القديم "الأرض السائبة"، إنها عقلية السيبة تسيطر علينا من هرم السلطة حتى القاعدة الشعبية، فالانقلاب سخرت فيه جميع شرائح المجتمع (الطغمة العسكرية، كتيبة المنتخبين، أسطول المثقفين، غوغائيي المجتمع...) فالأمر لا يتعلق بلون واحد بل يشمل كل الأطياف، مما يعنى أن الأمر أكثر من انقلاب على شخص بل هو انقلاب على المبادئ، فعندما ننام ليلا على التطبيل لأحدهم لنصحو صباحا ونحن نلعنه لا لذنب أقترفه سوى أنه مارس حق كفله له دستور صوتنا عليه... فبأي منطق يحدث هذا!
إنه منطق السيبة والوحشية اللذين كانا سائدين في هذه الرقعة خلال القرون الماضية، عند ما كان الضعيف يدفع "الغرامة"، والقوي يستبيح مال وعرض من هو أضعف منه، والجاهل يعبد غير الله...
هي العقلية ذاتها لكنها بثوب التحضر إنها الكارثة!
فعندما يكون قلب الحقائق نهج المثقف ونظريته السائدة وطريقته المفضلة ومن غير استحياء، وكأنها قناعات راسخة ... فلا تبتئس بما يقول ويفعل... ولا تنتظر منه صالحا.
فنخبتنا المثقفة أصبحوا يفكرون ببطونهم، وهم أسلموا عالمنا الثقافي إلى سلطان الأوثان وعادت المسيرة إلى الوراء.
و لكي ندرك واقع المجتمع، فعلينا أن نحدد مرحلته التاريخية وموقعه من دورة الحضارة.
فنحن تجاوزنا المرحلة التي يكون المجتمع فيها بدائيا فقير الوسائل، وهناك مرحلة يخرج فيها المجتمع من دورة الحضارة، ويصبح ما بعد ذلك مثقلا بديون خلفتها مراحل تكوينه السابقة، وهي تتصرف برصيدها الروحي، هنا تصبح المشكلة أشد تعقيدا، لأن علينا أن نتخلص من تلك الديون التي أفلس بها مخزون المجتمع الروحي، ومخزونه التقني حيال وسائله، وهذه هي مرحلة مجتمعنا، ومن هذه الديون(سطوة العسكري، تقديس الحاكم، التطبيل علي بياض...)
فإرادة الفرد تنبع من الإطار العام للمجتمع الذي هو جزء منه، وكلما كان المجتمع متماسكا وللأفكار فيه دور وظيفي، انتظمت إرادة الفرد في إطرادها وتنافست الجهود في مسيرتها المتناغمة، وهكذا فإن المجتمع وقدرته "تضيفان صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة."
وليس من المفيد نظريا أن نرسم طريقة لنهاية الوضع الحالي بل نبحث عن منبعه في سلوكياتنا الخاطئة، ومن ثم نبحث عن كيف نقضي علي ذلك المنبع.
و في رأيي، فما أبقي المجتمع عرضة للانحراف هو ذلك القرار المشئوم بعدم فتح ملفات الفساد، وهو قرار يدفع الوطن اليوم ثمنه غاليا فالسرطان بدأ ينخر جسم المجتمع ليشمل ضحايا جدد ويفرز أنواع جديدة أكثر خطورة على المجتمع والوطن...
و يظهر ذلك جليا من خلال عملية حسابية غير معقدة فإلي مفسدي الحقبة الغابرة، أضف أغلبية البرلمان، والتشكيلية الوزارة الجديدة ووجوه التطبيل الغريبة... إنه قانون "التراكم".
ومن السوء أن يوظف ملف الفساد في تصفية الحسابات... فذلك هو صب الزيت على النار.
والفساد يقودنا للحديث عن بقية مكونات الستار المختلق...
انخفاض الأسعار...
و رغم أن انخفاضها ليس إلا نتيجة لظرفية عالمية...
...فعن لقمة العيش وضرورتها من عدمها، فالتاريخ يورد حديث دار بين أحد مؤسسي الثورة الصينية وأحد أساتذته الفلاسفة، قال فيه الفيلسوف أن علي السياسة أن تؤمن ثلاث:
لقمة العيش لكل فرد
القدر الكافي من التجهيزات العسكرية
القدر الكافي من ثقة الناس بحكامهم
وإذا أردنا الاستغناء عن أحدهم لظرف ما فالتجهيزات العسكرية هي الأولي
و عن ماذا لو أردنا الاستغناء عن أحد الباقيين فحسب رأي الفيلسوف فالقوت يمكن الاستغناء عنه لأن الموت دائما هو النهاية، لكن إذا فقد الناس ثقتهم لم يبق أي أساس للدولة.
دعوى التصحيح...
ليس من المقبول الحديث عن الانقلاب كتصحيح، فالتصحيح لا يقوم من الارتجال... إن الروح التصحيحية الحقيقية تسير وفق مركب من الخطط ذات دقة عالية ومناهج ذات جاهزية كبيرة، فيكون بذلك التطبيق سلس ويتمتع بكفاءة فنية.
ومع ذلك فالتصحيح كخطوة أولية ليس كل شيء إذ يمكن أن يكون مصيره عابرا وغير محقق، إذا لم يمتلك جهاز رقابي وتصحيحي يستمد من أصالة الفكرة وموضوعيتها فعاليته وقدرته على التأقلم مع الطوارئ.
وباختصار...
إن الديمقراطية التي يخططون لها هي استرقاق الحقوق والمواطنة عبر أوراق انتخابية.
إنه عصر تأليه الفرد يعود من جديد وهو أكثر شيء كان غائبا خلال فترة المخلوع، وفى ظرف كظرفنا، من الجنون أن يتعلق مصير الوطن بشخص واحد.
ما ولد بعد موت الديمقراطية ليس انحرافا من النوع الخفيف بل ثقيلا وثقيلا جدا... لأنه أقل ما يمكن أن يقال عنه هو أنه تكريم ل"وثن السياسي".
فالمجتمع أخذ يسير وأرجله في الهواء ورأسه إلي أسفل، هذا هو المظهر الجديد للمشكلة حينما أخلت الفكرة مكانها للشهوة، والشعب غدا قطيعا انتخابيا، وقافلة عمياء ضلت طريقها المرسوم عبر فكرة لم يكتمل نموها، فتاهت في مسارب الأوثان.
إنها ثقافة الأصنام...
...إنه إفلاس مجتمع







