تاريخ الإضافة : 21.12.2008 15:38
البيان رقم 18: إمام الجامع الكبير ...مجرد محاورة
من المؤسف والمحرج أن يجد الإنسان نفسه مجبرا على الانحياز- ولو قيد شبر- عن خط عام ارتضاه لنفسه سيما إذا تعلق الأمر بالتعرض لمن يفترض فيهم تأدية الأمانة بإخلاص وتجرد ،،ومن وهبهم الله نصيبا من العلم الشرعي
،فقد كنت – ومازلت- أرفض الزج بأسماء العلماء وحملة الشرع في أتون الصراعات –أيا كانت - والتعريض بهم في وسائل الإعلام والمنتديات العامة ذلك أن التعرض لهم أولبعضهم بناء على قراءات معينة واجتهادات فردية قد يفتح الباب واسعا أمام العامة للخوض في لحوم العلماء والتطاول عليهم لمجرد الاختلاف في الرأي والخلط بين حابل الحقيقة بنابل غيرها وهو ما لا يتماشى ووجوب توقيرهم واحترامهم باعتبارهم حملة الشرع وحماة الدين وسرج الأمة في ظلمات الحياة
بيد أن المؤسسة الدينية الرسمية الموريتانية تنشط هذه الأيام تنديدا بمعارضة الانقلاب وتأييدا له ..والمزعج أن تحاول أن تجعل فهمها هو وحده الصراط السوي والطريق القويم وأن تبذل جهدها في شرعنة "الانقلاب" مرة والمطالبة بالشورى مرة أخرى في موقف أقل ما يوصف بالإثارة والغرابة...
لقد تحدث إمام الجامع الكبير عن عدم اهتمام الإسلام بالديمقراطية فبالنسبة له لايهتم الإسلام بطرق الوصول إلى الحكم وهو موقف يحتاج مراجعة وتمحيصا فنصوص الشرع واضحة وصريحة-والشيخ أدرى- بالأمر بالشورى والتنفير من الديكتاتورية ومن غير المنطقي أن يطالب بالشورى ويمتدح المسلمين بها ثم يرمي بها عرض الحائط ويلغيها في أهم منصب سياسي في الدولة الإسلامية ..قد نتفق مع الشيخ في أن ثمة مرونة في فهم دلالة الشورى وطرقها وآلياتها التي ترك الإسلام المجال فيها مفتوحا ومرنا ..ولكن لا يمكن أن نتفق معه في أنها تتساوى مع منطق "القوة"أحرى أن تكون أقل منه أهمية واعتبارا ، وأن أي شخص يمتلك القوة والعتاد يمكن أن يحل محل الشورى ..بل ويمكن أن نضرب بنتائج الشورى عرض الحائط ونخلع البيعة لأن "قويا " استأثر بالحكم .اللهم إلا إذا صرح الشيخ بأن المتغلب "تجب طاعته " خوفا من الفتنة مع أنه خالف الشرع باغتصاب الأمر العام والتولي على قوم هم له كارهون وهو ما يلاحظ أن المؤسسة الدينية الرسمية تتجنبه مما يفقد خطابها مصداقية ويجعلها تتخبط في محاولة جلب نصوص مبتورة من سياقاتها وأحداث مقصوصة من فضاءاتها لتبرير الانقلاب ومباركته بشكل غير مقنع لمن ألقى السمع وهو شهيد..وكأن الإسلام بالنسبة لهؤلاء ليس سوى ساتر حديدي" يحمي "المسدس" فحيثما كان المسدس حاضرا وكانت القوة والغلبة والاغتصاب فثم شرع الله وهو منطق لايمكن أن يستقيم .فبأي كتاب أم بأية سنة يكون الخطاب الشرعي مع "الأقوى" دائما حتى ولو أتى البيوت من غير أبوابها ،نعم نتفهم أن الشارع ينفر من زعزعة الأمن والاستقرار،و يحذر من الولوغ في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم والإخلال بالأمن العام وهو مقصد كبير من مقاصد الشريعة يعين على حفظ الكليات ..لكن ذلك المقصد لا يعني أن المدار في النهاية على "المتغلب" مطلقا سيما إذا كان بالإمكان تدارك الأمر ومعالجته بالطرق السلمية ،،وكانت هناك آليات سلمية يمكن الركون إليها لفض النزاع لمن أراد الصواب الصرف والحق المحض
إن تبني خطاب"مع الأقوى" لا يمكن أن يكون خطاب الشرع في كل شاردة وواردة .ولا ينبغي أن يوصف الشرع الحنيف بأنه يقتبس من الغبة أسوأ ما فيها .وإلا لفتحنا الباب أمام فتنة أشد وهي ترك الأمة تحت رحمة"السيف" وهوالأمر الذي شرعت الشورى لتجنبه ..فلو كان المدار على السيف والشوكة لما تسنى لأول خليفة للمسلين رضي الله عنه أن يلي الأمر فقد كان كما وصفته ابنته رجلا أسيفا ولم يكن يمتلك قوة خاصة تؤمن له البيعة ..وإنما ارتضاه المسلمون بطرق من طرق الشورى المفتوحة ..وقد تحدث الشيخ أكثر من مرة عن الديمقراطية وانسجامها مع الإسلام إبان تسيير الرئيس الشرعي سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله للحكم ..فهل زال الانسجام بين الشرع والديمقراطية لأن "جنرالا" متمكنا استولى على السلطة .؟؟.من الصعب استيعاب هذا الانحناء القوي والسريع في الخطاب الشرعي العام..!!!
ثم لماذا يقبل الشرع منازعة الرئيس المتتخب بطرق تتلاءم والشريعة الأمر والتملص من بيعته من قبل حراسه في حين تساق النصوص في وجوب طاعة"المنتزع- بكسر الزاي- وحرمة الخروج عليه ؟..أليس في الأمر تناقض يحتاج مراجعة وتدقيقا ؟؟.
ولا يقل عنه غرابة حديث الشيخ –الإمام عن دستور موريتانيا وملاءمته للشريعة الإسلامية بحيث يستطيع الشيخ ربط أغلب مواده بالنصوص الشرعية وكأن النص القاضي بانتخاب الرئيس خارج الدائرة... فلا وجود في الدستور الموريتاني لرئيس غير منتخب ديمقراطيا ..كما أنه لا وجود لمادة تبيح تدخل الجيش لإنهاء الحكم بطريقة قسرية ..وهو ما يعني تجاوز الانقلابيين للدستور الموريتاني الإسلامي الذي ينبغي أن يكون الإمام أول المدافعين عنه والذابين عن حياضه
تلك ملاحظات عابرة نسطرها ونحن نكن للإمام عظيم الاحترام ونقدر له علمه ومكانته .
وإلى الملتقى في البيان رقم 19 إن شاء الله
------------------
*كاتب وشاعر موريتاني مقيم في الإمارات
،فقد كنت – ومازلت- أرفض الزج بأسماء العلماء وحملة الشرع في أتون الصراعات –أيا كانت - والتعريض بهم في وسائل الإعلام والمنتديات العامة ذلك أن التعرض لهم أولبعضهم بناء على قراءات معينة واجتهادات فردية قد يفتح الباب واسعا أمام العامة للخوض في لحوم العلماء والتطاول عليهم لمجرد الاختلاف في الرأي والخلط بين حابل الحقيقة بنابل غيرها وهو ما لا يتماشى ووجوب توقيرهم واحترامهم باعتبارهم حملة الشرع وحماة الدين وسرج الأمة في ظلمات الحياة
بيد أن المؤسسة الدينية الرسمية الموريتانية تنشط هذه الأيام تنديدا بمعارضة الانقلاب وتأييدا له ..والمزعج أن تحاول أن تجعل فهمها هو وحده الصراط السوي والطريق القويم وأن تبذل جهدها في شرعنة "الانقلاب" مرة والمطالبة بالشورى مرة أخرى في موقف أقل ما يوصف بالإثارة والغرابة...
لقد تحدث إمام الجامع الكبير عن عدم اهتمام الإسلام بالديمقراطية فبالنسبة له لايهتم الإسلام بطرق الوصول إلى الحكم وهو موقف يحتاج مراجعة وتمحيصا فنصوص الشرع واضحة وصريحة-والشيخ أدرى- بالأمر بالشورى والتنفير من الديكتاتورية ومن غير المنطقي أن يطالب بالشورى ويمتدح المسلمين بها ثم يرمي بها عرض الحائط ويلغيها في أهم منصب سياسي في الدولة الإسلامية ..قد نتفق مع الشيخ في أن ثمة مرونة في فهم دلالة الشورى وطرقها وآلياتها التي ترك الإسلام المجال فيها مفتوحا ومرنا ..ولكن لا يمكن أن نتفق معه في أنها تتساوى مع منطق "القوة"أحرى أن تكون أقل منه أهمية واعتبارا ، وأن أي شخص يمتلك القوة والعتاد يمكن أن يحل محل الشورى ..بل ويمكن أن نضرب بنتائج الشورى عرض الحائط ونخلع البيعة لأن "قويا " استأثر بالحكم .اللهم إلا إذا صرح الشيخ بأن المتغلب "تجب طاعته " خوفا من الفتنة مع أنه خالف الشرع باغتصاب الأمر العام والتولي على قوم هم له كارهون وهو ما يلاحظ أن المؤسسة الدينية الرسمية تتجنبه مما يفقد خطابها مصداقية ويجعلها تتخبط في محاولة جلب نصوص مبتورة من سياقاتها وأحداث مقصوصة من فضاءاتها لتبرير الانقلاب ومباركته بشكل غير مقنع لمن ألقى السمع وهو شهيد..وكأن الإسلام بالنسبة لهؤلاء ليس سوى ساتر حديدي" يحمي "المسدس" فحيثما كان المسدس حاضرا وكانت القوة والغلبة والاغتصاب فثم شرع الله وهو منطق لايمكن أن يستقيم .فبأي كتاب أم بأية سنة يكون الخطاب الشرعي مع "الأقوى" دائما حتى ولو أتى البيوت من غير أبوابها ،نعم نتفهم أن الشارع ينفر من زعزعة الأمن والاستقرار،و يحذر من الولوغ في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم والإخلال بالأمن العام وهو مقصد كبير من مقاصد الشريعة يعين على حفظ الكليات ..لكن ذلك المقصد لا يعني أن المدار في النهاية على "المتغلب" مطلقا سيما إذا كان بالإمكان تدارك الأمر ومعالجته بالطرق السلمية ،،وكانت هناك آليات سلمية يمكن الركون إليها لفض النزاع لمن أراد الصواب الصرف والحق المحض
إن تبني خطاب"مع الأقوى" لا يمكن أن يكون خطاب الشرع في كل شاردة وواردة .ولا ينبغي أن يوصف الشرع الحنيف بأنه يقتبس من الغبة أسوأ ما فيها .وإلا لفتحنا الباب أمام فتنة أشد وهي ترك الأمة تحت رحمة"السيف" وهوالأمر الذي شرعت الشورى لتجنبه ..فلو كان المدار على السيف والشوكة لما تسنى لأول خليفة للمسلين رضي الله عنه أن يلي الأمر فقد كان كما وصفته ابنته رجلا أسيفا ولم يكن يمتلك قوة خاصة تؤمن له البيعة ..وإنما ارتضاه المسلمون بطرق من طرق الشورى المفتوحة ..وقد تحدث الشيخ أكثر من مرة عن الديمقراطية وانسجامها مع الإسلام إبان تسيير الرئيس الشرعي سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله للحكم ..فهل زال الانسجام بين الشرع والديمقراطية لأن "جنرالا" متمكنا استولى على السلطة .؟؟.من الصعب استيعاب هذا الانحناء القوي والسريع في الخطاب الشرعي العام..!!!
ثم لماذا يقبل الشرع منازعة الرئيس المتتخب بطرق تتلاءم والشريعة الأمر والتملص من بيعته من قبل حراسه في حين تساق النصوص في وجوب طاعة"المنتزع- بكسر الزاي- وحرمة الخروج عليه ؟..أليس في الأمر تناقض يحتاج مراجعة وتدقيقا ؟؟.
ولا يقل عنه غرابة حديث الشيخ –الإمام عن دستور موريتانيا وملاءمته للشريعة الإسلامية بحيث يستطيع الشيخ ربط أغلب مواده بالنصوص الشرعية وكأن النص القاضي بانتخاب الرئيس خارج الدائرة... فلا وجود في الدستور الموريتاني لرئيس غير منتخب ديمقراطيا ..كما أنه لا وجود لمادة تبيح تدخل الجيش لإنهاء الحكم بطريقة قسرية ..وهو ما يعني تجاوز الانقلابيين للدستور الموريتاني الإسلامي الذي ينبغي أن يكون الإمام أول المدافعين عنه والذابين عن حياضه
تلك ملاحظات عابرة نسطرها ونحن نكن للإمام عظيم الاحترام ونقدر له علمه ومكانته .
وإلى الملتقى في البيان رقم 19 إن شاء الله
------------------
*كاتب وشاعر موريتاني مقيم في الإمارات







