تاريخ الإضافة : 21.12.2008 11:26

بوش يعود من العراق بخفي منتظر ومنتظر يدخل التاريخ بنعليه

 أدي ولد آدب شاعر وباحث موريتاني

أدي ولد آدب شاعر وباحث موريتاني

أدي ولد آدب
شاعر وباحث موريتاني
عجيب هو شريط ذاكراتنا، فإنك لا تكاد تسمع كلمة، أو تشاهد صورة، أو تتابع حدثا، إلا وبدأت تتداعى إلى ذهنك المخزونات التي لها علاقة بذلك الموضوع، وكأن هنالك أصابع خفية تضغط على الأزرار المسؤولة عن إظهارها، من خفايا الذاكرة السحيقة التي تراكمت في سراديبها منذ فترة طويلة، ولقد عشت هذه الحالة آخر مرة عندما رأيت ذلك الصحفي العراقي ينقض على بوش قاذفا إياه بنعليه واحدا تلو الآخر، في مؤتمره المشترك مع المالكي، رئيس وزراء العراق، خلال زيارة مفاجئة يوم أمس، أرادها بوش ان تكون وداعا أخيرا قبل مغادرته للبيت الأبيض مطرودا – في سابقة عجيبة- بأول رئيس أمريكي أسود ينتزع كرسيه في ذلك البيت الذي ظل أبيض محتكرا على البيض طيلة حكم ثلاث وأربعين رئيسا أمريكيا، وعندما لم يجد منتظر هدية وداع يقدمها لبوش أفضل من نعليه راجما إياه بهما معا، تبادر إلى ذهني مثلنا العربي المأثور في خيبة المسعى "عاد بخفي حنين" فأدركت الدلالة الرمزية لهذا التوديع الحار حيث أراد الزيدي أن يعود بوش من العراق "بخفي منتظر" ، بل ويعود بهما إلى بيته بعد نهاية مأموريتيه المشؤومين على أمريكا وعلى العالم العربي والإسلامي، بل والعالم بأسره، الذي لم يغادره حتى تركه يتخبط في أزمة اقتصادية عالمية بامتياز، بعد أن أشعل الحروب في أكثر من مكان.
ولماذا لا يعتبر الفتى العراقي أن نعليه خير هدية وداع يستحقها بوش على العراق، وهو الذي أسقط على هذا البلد مئات من الأطنان من القذائف المدمرة، وأغرقه في دوامة من الموت، والخوف، والجوع، والفوضى، والبؤس، والتمزق، والتشرد، والنهب، واستنزاف الخيرات، وإهدار كنوز التراث، بصورة لم يعرفها حتى في عهد هولاكو ، فما بالك بمن جاء بعده.
وإذا كانت دلالة الخيبة المنبعثة من "خفي حنين" حاضرة في هذه الواقعة، فإن الدلالة الرمزية المهينة في استخدام النعل سلاحا قاضيا على أحقر الأعداء قد تداعت إلى ذهني من خلال المثل العربي الآخر المنظوم:
إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضره
وهو تهديد رفعه المثل العربي، ورفعه الزيدي في وجه بوش، وكل من تسول له نفسه الإمعان في إهانة الشعوب العريقة، إذ أن إشهار حذائك وهو على قدمك أمام جليسك –أحرى ضيفك- يعتبر منافيا للسلوك الحضاري، فما بالك بإشهاره سلاحا في وجه الضيف الذي كان ينتظر أن يستقبل بالورود، باعتباره محررا وفاتحا، وقد صدق بـوش -وقلما يفعل- حين اعتبر هذا ثمن الحرية التي تساوي الاحتلال في نظره الأعشى الذي لا يميز بين لون الحرية ولون الاحتلال.
والواقع أن هذا الصحفي وهو يعايش ذلك المسلسل التراجيدي الذي أخرجه بوش –ومايزال- على مسرح ما بين الرافدين، جرب أن يكتب بقلمه كسلاح للصحفي المهني حول المشهد العراقي المأساوي، ولما لم يستطع قلمه أن يفي بالتعبير عن شعوره بالمهانة تجاه هذا الوضع المتفاقم، جرب أيضا أن يكتب بنعليه في جبين بوش رسالة تبقى عبرة لكل من يأتي بعده من الطغاة، وحتى من يشاهده منهم في الحاضر، وهي رسالة إن لم تسل دما من وجه بوش ، لأنه لا دم فيه أصلا، فإنها أسالت كثيرا من الحبر، حيث كتب هذا الصحفي اليافع بنعليه من المقالات بأقلام الآخرين ما لم يكتبه هو بقلمه.
وقد امتزجت في ذهني و أذهان جميع المشاهدين في العالم الإسلامي صورة منتظر الزيدي وهو يرجم بوش بنعليه –متوترا- في ذلك المؤتمر، بصورة أمواج حجاج بيت الله الحرام وهم ينهالون برمي ملايين الجمرات لدى موقع الرمي بالمحصب من منى، مستحضرين أنهم يعيدون تمثيل رجم إبراهيم عليه السلام للشيطان، وكأن منتظر الزيدي يؤدي هذا الركن من حجه هناك في بغداد بين جدران الساحة الخضراء ، معتقدا أن بوش هو المثال المجسم للشيطان الذي يستحق أن يرجمه كل العراقيين وكل الأفغان وكل المسلمين، بحيث يمكن أن يعتبروا رجمه –أينما كان- ركنا إضافيا به تكتمل للحج مناسكه، ولعل هذا التأويل لا يختلف حوله أتباع ولاية الفقيه في إيران الذين يرى فيهم بوش ضلعا من محور الشر ويرون فيه الشيطان الأكبر، كما أنه ينسجم مع مذهب الفقيه اليساري هيكو شافيز الرئيس الفينيزويلي، الذي وصف بوش بالشيطنة في عقر داره وأمام العالم كله، حيث تشمم فضاء المنبر في مقر الأمم المتحدة، وهو يخطو إليه ليلقي خطابه بعد بوش، وقال –متأففا- "لقد مر الشيطان من هنا".
وعلى ضوء هذا فالشيطان رجيم مهما تقمص من الصور، ولا فرق بين رجمه بالحجارة والنعال خارج المشاعر المقدسة، بل إن كثيرا من الحجاج في لحظات الإنفعال لا يكتفون بجمرات الرمي المحددة شرعا، بل ينهمكون في رمي الشيطان بنعالهم ، وبكل ما تصل إليه أيديهم، داعمين ذلك بقذفه أيضا بسيل من الشتائم الغاضبة، التي تشبه ما تلفظ به منتظر الزيدي في لحظة رميه لنعليه تجاه بوش " يا كلب".
وقبل أن أبتعد عن استخدام النعال سلاحا لاشك أن ذاكرة المشاهدين وذاكرة الرؤساء الأمريكيين، بمن فيهم بوش، وهو أضعفهم معرفة على الإطلاق، سوف تستحضر الرئيس الروسي الأسبق خروتشوف الذي كان خلال المؤتمرات الدولية إذا احتدم النقاش يخلع نعله ويضعها على الطاولة، في متناول يده، إيعازا بأن لا ضرورة لتعكير مزاجه، وإلا كانت النعل حاضرة، للقضاء على العقارب. وهذا يعني أن الحذاء ليس سلاح الضعفاء والمقهورين فقط، فالأمريكيون يعرفون جيدا من هو خروتشوف الذي أوقف العدوان الثلاثي على مصر بمجرد مكالمة هاتفية، كان صوت حذائه فيها مسموعا لدى الطرف الآخر، الرئيس الأمريكي يومها.
وعلى كل حال ومهما كان ضعف سلاح منتظر الزيدي، فإن حذاءيه القذيفتين قد جعلا رئيس أقوى دولة -أشعل بها العالم حروبا- ينحني مرتين فاغرا فاه هلعا ومهانة، وهو الذي لم يكن يمشي إلا مزهوا كالطاووس، وأغلب رؤساء العالم يمشون بجانبه كمجرد رجال تشريفات، وخصوصا زعماء العالم الإسلامي الذين يحجون –غالبيتهم- إلى بيته الأبيض أكثر مما يحجون إلى بيت الله الحرام، ويستلمون يدي وزيرته السوداء أكثر مما يلثمون الحجر الأسود، المطهر، ويسعون في رحاب منتجعه أكثر مما يسعون بين الصفا والمروة، بل إن هذا الرئيس الطاووس –وهذه مفارقة طريفة- قد أصبح -أمام حذائي منتظر الزيدي- يحتاج لحماية يدي نور المالكي، الذي كان قبل هذين الحذاءين وما يزال يستمد الحماية من بوش، داخل منطقته الخضراء وخارجها.
إن الحقيقة التي يجب أن تقرأ ما بين سطور هذه الحادثة هي أن المقاومة تبتدع وسائلها باستمرار في ضمير هذه الأمة المتكالب عليها، المسحوقة ما بين مطرقة الخارج وسندان الداخل، فمن البندقية إلى الحجر إلى المقلاع إلى الحذاء إلى ...
وكل الشعوب المقهورة تبتدع أيضا منتظرها المخلص، وتعيش على أمل انبثاقه من رحمها الذي لن يتوقف عن إنجاب مخلص منتظر، كلما استفحل أمر دجاجيل الزمن وفراعنته، رغم حقنات التعقيم التي تزرع بها عبقريات الأمة بجرعات عالية وبشكل مستمر ومبرمج.
وهكذا ينبثق من رحم العراق هذا –المنتظر- اليساري الذي مازال بدلا من صور زعماء البلاد والعباد يضع صورة تشي غيفارا بين كتبه الدينية والصحفية، عند رأس سريره المنفرد المتقشف، أيقونة تلهمه كراهية أمثال بوش من طواغيت العالم، وتحرضه على مقاومتهم ولو بحذاءيه.
وعلى الرغم من أنه جر من القاعة حافي القدمين، ربما إلى سجن أبي غريب السيء الصيت، فإنه دخل التاريخ من بابه الواسع بنعليه، الذين لم يكبرا في عين بوش وحده الذي أعطاهما –فزعا- مقاس 44 ، وإنما كبر في عيني كل من لم يزل يمتلك قابلية الشعور بالضيم، ويتجاسر على التعبير عن غضبه للكرامة المهدورة من الماء إلى الماء ومن الأرض إلى السماء.
فمئات المحامين يستعدون للدفاع عنه بدون أتعاب، ومئات الصحفيين في المواقع الإلكترونية يجمعون التواقيع المليونية لمناصرته، وبعض أصحاب الأموال يرهنون ملايين الدولارات ثمنا لحذاء منتظر الزيدي لو وضع في مزاد علني، وبعض الهيئات منحته وسام الشجاعة، بل إن البعض قرر أن يجعل لحذاء هذا الفتى العراقي تمثالا ينصبه في حديقة منزله.
كل هذا تعبير عن مدى تلهف هذه الأمة وظمئها إلى البطولة في زمن قل فيه صانعوها.
وأنا لا أجد حرجا ولا غضاضة في أن أصف هذا التصرف بالبطولة، لأنه ليس موجها إلى أمريكا بخيرها وشرها، بقدر ما هو موجه إلى رجل قد اقترفت يداه من الجرائم الإنسانية والحربية ما جعل أمريكا نفسها تفكر الآن في محاكمة كثير من مقربيه ، وربما تطاله هو يد العدالة، فور ما يخرج من البيت الأبيض الذي يجب أن يتذكر قبل الخروج منه أن "من كان بيته من الزجاج لا ينبغي أن يرمي بيوت الناس بالقنابل العنقودية"، وإذا فعل فلا يستغرب أن يرموه بنعالهم على الأقل.
وإلى هنا يكون آخر ما يراودني من تداعيات هذا الحدث أنه قد يلقي بظلال أحذيته، على المؤتمرات الصحفية للرؤساء والزعماء في المستقبل، حيث ربما تسن قوانين جديدة تفرض على الصحفيين أن لا يدخلوا إلى قاعة المؤتمرات إلا وهم حفاة الأقدام، بحيث يكتب على عتبة كل قاعة تحتضن مؤتمرا "اخلع نعليك إنك بالوادي.."
ولكن مهما يكن يجب أن لا نترك منتظر الزيدي يذهب ضحية حذائيه، حتى لا يكون حذاؤه مثل حذاء الطنبوري العراقي المعروف تاريخيا بشؤمه عليه، فالتفريط في هذا النوع من الفتيان هو الذي احتج عليه الشاعر قديما:(أضاعوني وأي فتى أضاعوا...)، ولمثل هذا قرب الحارث بن عباد فرسه "النعامة" حين قتل مهلهل ابنه بجيرا مقابل شسع نعل كليب في حرب البسوس، فلنردد مع الحارث بن عباد عبر المظاهرات المنتظرة، مؤازرة لمنتظر الزيدي :
إن بيع الكرام بالشسع غال
إن بيع الكرام بالشسع غال
أدي ولد آدب
شاعر وباحث موريتاني

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026