تاريخ الإضافة : 17.12.2008 15:44

اطلبوا العلم.. في السينغال!

محمد محفوظ ولد أحمد      mahfuzouldahmed@gmail.com

محمد محفوظ ولد أحمد mahfuzouldahmed@gmail.com

في أنباء الأيام الماضية أن علماء العاصمة السنغالية داكار، وتحديدا منطقة "كيدواد" يتصدرهم أئمة المساجد قد تقدموا بمطالب سكان تلك المنطقة إلى السلطات السنغالية. وتتمثل المطالب تلك في تحسين أوضاع السكان المعيشية وتزويد منطقتهم بالوسائل الضرورية للحياة.
هذا الخبر وإن بدا عاديا هناك، كان بالنسبة لي مثيرا للانتباه والشجن، خاصة أن حكومتهم قد ردت على هذا التحرك، الذي يتخذ شكلا من أشكال التظاهر والاحتجاج، بهدوء وسلام فكلفت أحد وزرائها باستقبال الأئمة وبحث مطالب السكان التي يحملونها.
منبع الاهتمام هو أن كثيرا منا إذا سلم بوجود علماء في السنغال يرى أن علمهم وعملهم مهما بلغ يظل دون علم وفضل علمائنا!.
وأما سبب الشجن فهو أن كبار المسئولين في بلدنا ، ومعهم وسائل إعلامنا الرسمية، دأبوا ـ حينما يريدون قمع تطلعاتنا وتبرير فشلهم المستمر في تحسين أوضاعنا، أو الحد من هويها إلى الحضيض ـ على مقارنة حالنا بأحوال الدول المجاورة، لاعتقادهم أن حالها هو الأسوأ على الأرض!
نعلم على كل حال أن العلماء والمشايخ في السينغال هم في غالبيتهم معتدلون وبعيدون عن الغلو والتطرف، وعلاقاتهم بالدولة من أحسن العلاقات، ليس بسبب تزلفهم للحكومة كما يظن البعض ولكن قبل كل شيء بسبب الاحترام والتقدير الذي تعاملهم به حكومات هذه الدولة، نظرا لما لهم من مكانة دينية واجتماعية، لم يكن مصدرها تقديس العامة وجهالتها فقط ـ كما يعتقد البعض أيضا ـ وإنما كذلك لدورهم في تبني هموم الناس وحمل السلطات على حل مشاكل عامة الشعب وحثها على تحسين الأوضاع العامة والإنصاف.
أما علماؤنا وأئمة مساجدنا الأجلاء فهم عن هموم الناس الصغيرة مشغولون باهتمامات الدولة السامية؛ فهي في نظر ـ أو تطبيق ـ كثير منهم أحق وأولى بالعناية والاهتمام. وتعليمات ورغبات "ولي الأمر" ـ خاصة إذا ولى نفسه بنفسه ـ أحق بالطاعة والاتباع من الخوض في هموم العامة والبحث عن مشاكل السابلة. كما أن معصية السلطان ومخالفة هواه عندهم من كبائر الذنوب ودواعي الفتن، أما البحث في صوابية قراراته أو شرعية نزواته فهو من باب الشطح والتجديف.
ويبدو أن ما كنا نستنكره من التناقض والتعارض بين مواقف بعض أئمتنا التي تتغير وتتبدل من النقيض إلى نقيضه، هو من جهلنا المحض. والدليل أنه عند هؤلاء لا تعارض ملحوظا ولا ترجيح مطلوبا، بل يكون الموقف تبعا لهوى الحاكم "الحالي" دون الحاجة للنظر أو الدليل! فهم ـ حفظهم الله ـ ليسوا مسئولين عن من الذي "ترأس" ولا كيف أتى ولا كيف يسوس البلد.. بل واجبهم بيان ما له من السمع والطاعة وعصمة السياسة، وأن ليس عليه حرج في "رعيته".
فبان لهم أن لا وجه للتعارض مثلا بين الحكم بأن هذا الرئيس هو الأحسن والأصلح للعباد والبلاد ما دام رئيسا، وبين القول بأنه لم يكن حاكما يصلح ولا يفلح، إذا زال عنه السبب وهو "الرئاسة"، وإن الذي يخلفه ـ بأي طريقة ـ هو بدوره الأصلح والأحق بها.. فالعلة تدور مع السبب كما يقول الأصوليون.. وهكذا في باقي الأحكام الفرعية كالقول بتحريم تعطيل يوم الجمعة والقول بوجوب جعلها عطلة رسمية حسب ما يقرر الحاكم ويرسم..الخ
مع هذا هناك ثلة من العلماء ـ لحسن حظها ـ مهمشة معزولة لعزوفها عن الخوض مع الخائضين فلا هي تعرف السياسة فتشترى لها أو تقمع عنها.. وهناك أفراد قلائل، ربما لا يتجاوزون "أقل الجمع"، لا يقبلون التهميش ولا يرضون التصفيق ولا يستغلهم السياسيون ولا يمتطيهم الطامحون. ولا بد للإنصاف والاتصاف من ذكر أحد هؤلاء كمثال الآن وهو العلامة محمد المختار ولد امبال من خلال مواقفه الشخصية التي يعرفها الكثيرون والتي ـ يا سادتنا العلماء الأجلاء وقدتنا الأئمة الفضلاء ـ لم تكلفه سجنا (ولا عار في السجن على الحق) ولم تنقص من رزقه (فالرازق الله ) بل زادته ألقا وفضلا واحتراما لدى المجتمع ولدى الدولة والسلطة نفسها.. نعم الدولة برئيسها تحترمه أكثر من غيره من المقربين!!.
فما ذا يضر عالما جليلا إذا عزله وزير الأوقاف ـ المتيم بمنصب الوزارة ـ من منصبه الرسمي واحتفظ بمكانته العلية وكرامته الزكية، وما ذا يضر إماما نبيلا لو طرح على رئيس دولته أو حاكم مقاطعته مشاكل الناس ومعاناتهم.. إلى جانب مطالبه الشخصية الهزيلة التي لا يجد منها غالبا سوى جفاف وجهه وهوان نفسه؟؟!!
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026