تاريخ الإضافة : 03.12.2008 18:36
المسرح الأعلى للدولة
أحمدو ولد الأمين الغزالي
Alghazaly54@yahoo.fr
حين أطاح العسكر بحكم الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع و بدأوا في تسيير مرحلتهم الانتقالية ظهرت مستجدات واكبت المرحلة أهمها انفتاح إعلامي غير مسبوق حيث جعل الحكام الجدد من الإعلام وسيلة لتثبيت المشروعية من خلال الإطلالات الإعلامية لرئيس المجلس العسكري التي تعامل فيها بحرية مع كافة التساؤلات و الاستشكالات التي طرحها الصحفيون و طالت كل المحظورات و المحرمات دون ا، تكون هناك مصادرة أو انتقائية في بثها و احتضنت أمواج الأثير و شاشات التلفزة و صفحات الشعب مناظرات و حوارات ساخنة ربما رفع من سخونتها ميراث سنوات من الكبت و القمع للنخبة السياسية و الإعلامية في البلد.
و موازاة مع ذلك ظهرت على شاشة التلفاز فرقة مسرحية بقيادة الممثل الموهوب محمدو ولد سيدي محمود المعروف "ببط مكعور" مع ثلة من رفاقه قدمت برنامجا ساخرا أسمته "ويل أمك يالوراني" وقد وجد المشاهدون أنفسهم على موعد مع الشاشة الصغيرة مساء كل ثلاثاء ليتابعوا حلقة جديدة من برنامجهم المفضل الذي تميز بتقديم قراءة نقدية لتعاطي مختلف أطياف النخبة السياسية بما فيها الأطراف الحاكمة و تعرية مظاهر الفساد بمختلف تجلياته كل ذلك بجرأة فنية و إعلامية مشهود لها و واكبت الفرقة كل الاستحقاقات الانتخابية مسلطة الضوء على الشوائب التي تكتنفها و المطبات التي تعترضها، و بعد تنصيب الرئيس المنتخب واصل البرنامج خطه بأخذ مسافة واضحة من السلطات الجديدة وقدم رؤيته لآفاق عمل المؤسسات الدستورية بنفس الدرجة من النقد و كأن البرنامج إنما يستمد مكانته في قلوب المشاهدين من خلال التنكيت على السلطة القائمة.
و قد تم الحديث حينها عن ضغوط تعرضت لها إدارة التلفزة من أجل وقف البرنامج احتجاجا لتعرضه لرأس النظام و أحيانا إلى تصرفات أهل بيته.
و فعلا أعلن أعضاء الفريق المسرحي بأنفسهم نهاية لبرنامجهم مقدمين أسبابا لم تكن مقنعة و نفوا رضوخهم لأي مضايقات ليختفي البرنامج المحبب في النهاية دون أن تغيب عناصره أو بعضها (تم الحديث عن خلافات بين بعض أقطاب البرنامج أدت إلى اختفاء عناصر وازنة منذ فترة مع بقاء الشخصية المحورية "بط مكعور" في الواجهة) من خلال إطلالات هنا و هناك.
و بعد أحداث السادس من أغشت انتكست الحرية الإعلامية و تراجعت كل الإنجازات التي حققها الإعلام الرسمي الذي ارتمى من جديد في أحضان التبجيل و التزمير للحكام العسكريين و التحامل على مناهضي الانقلاب، و رغم المرارة التي يشعر بها دافع الضرائب حين يرى إعلامه الرسمي – الذي من المفترض أن يبقى خدمة عمومية توصل المعلومة بكل دقة و أمانة – قد تحول إلى آلة بيد سلطة قائمة بالقوة تجلد بها خصومها و تذمهم بالحق و الباطل لكن الذي لم يكن يتوقعه المشاهد أن تنضم الفرقة المسرحية اللامعة إلى صفوف المطبلين و المصفقين و كم شده الناس حين شاهدوا الظهور الأخير لبط مكعور و رفاقه في عمل مسرحي ممجوج تناولوا فيه شخص الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله و وضعه الحالي ليكرسوا الصورة النمطية التي يحرص ساكنة القصر الرمادي على إلصاقها به باعتباره: << شيخا مخرفا يبكي على طلل دارس...>>
قد ظهر العمل المسرحي ناطقا رسميا باسم هذه المقاربة، مسيئا بذلك إلى الفرقة و مشوارها الفني المتميز و مسيئا إلى قيم الشعب الموريتاني الذي لا يرضيه التعرض لرموزه على هذه الشاكلة من الإساءة ...
مهما اختلفنا مع السيد و لد الشيخ عبد الله أو اتفقنا معه و مهما تباينت مواقفنا حول وضعيته الحالية دستوريا و سياسيا فلن نختلف على أنه رئيس جمهورية سابق وشيخ مسن و إطار من إطارات البلد له مكانته و هيبته اللتين ينبغي أن تحفظا له.
و إنه كان حريا بهؤلاء المسرحيين أن يلتزموا الصمت ماداموا غير قادرين على إنتاج عمل ينسج على منوال إنتاجاتهم السابقة أما أن يتحولوا إلى بوق من أبواق الدعاية الرخيصة فتلك سقطة لم نكن نتوقعها و توشك أن تحدث شرخا بين هذه الفرقة و جمهورها لأن ميزة الفن أنه يجمع و يعبر عن ضمير الشعب الحي أما التفرقة و التخندق و التكالب على موائد السلطان فموبقات كنا نربأ بمتعاطي العمل المسرحي – خصوصا أن عرفنا فيهم الجرأة – أن يقعوا فيها.
و إذا كانت أطراف معينة قد نجحت في استدراج هذه الفرقة للدخول إلى معترك التحزب الآسن جريا وراء مكاسب ظرفية و امتيازات آنية فعلى هؤلاء أن يعلموا أن ساحتهم الحقيقية هي الانحياز إلى هموم الفقراء و المحرومين و تعرية أساليب السياسيين في الالتفاف على المنجزات و سرقة النضالات.
فهل تكون هذه الإطلالة بداية لتسخير العمل المسرحي لترويج أطروحات الحكام و إدارة الظهر للرسالة النبيلة التي حملها هؤلاء سنوات عديدة أم أن المسألة مجرد كبوة جواد؟
و عموما على هؤلاء أن يتذكروا أن الحكمة الشعبية المأثورة تقول: إِزَيّنْهَالَكْ ألمَايَنفعَكْ فيها.
Alghazaly54@yahoo.fr
حين أطاح العسكر بحكم الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع و بدأوا في تسيير مرحلتهم الانتقالية ظهرت مستجدات واكبت المرحلة أهمها انفتاح إعلامي غير مسبوق حيث جعل الحكام الجدد من الإعلام وسيلة لتثبيت المشروعية من خلال الإطلالات الإعلامية لرئيس المجلس العسكري التي تعامل فيها بحرية مع كافة التساؤلات و الاستشكالات التي طرحها الصحفيون و طالت كل المحظورات و المحرمات دون ا، تكون هناك مصادرة أو انتقائية في بثها و احتضنت أمواج الأثير و شاشات التلفزة و صفحات الشعب مناظرات و حوارات ساخنة ربما رفع من سخونتها ميراث سنوات من الكبت و القمع للنخبة السياسية و الإعلامية في البلد.
و موازاة مع ذلك ظهرت على شاشة التلفاز فرقة مسرحية بقيادة الممثل الموهوب محمدو ولد سيدي محمود المعروف "ببط مكعور" مع ثلة من رفاقه قدمت برنامجا ساخرا أسمته "ويل أمك يالوراني" وقد وجد المشاهدون أنفسهم على موعد مع الشاشة الصغيرة مساء كل ثلاثاء ليتابعوا حلقة جديدة من برنامجهم المفضل الذي تميز بتقديم قراءة نقدية لتعاطي مختلف أطياف النخبة السياسية بما فيها الأطراف الحاكمة و تعرية مظاهر الفساد بمختلف تجلياته كل ذلك بجرأة فنية و إعلامية مشهود لها و واكبت الفرقة كل الاستحقاقات الانتخابية مسلطة الضوء على الشوائب التي تكتنفها و المطبات التي تعترضها، و بعد تنصيب الرئيس المنتخب واصل البرنامج خطه بأخذ مسافة واضحة من السلطات الجديدة وقدم رؤيته لآفاق عمل المؤسسات الدستورية بنفس الدرجة من النقد و كأن البرنامج إنما يستمد مكانته في قلوب المشاهدين من خلال التنكيت على السلطة القائمة.
و قد تم الحديث حينها عن ضغوط تعرضت لها إدارة التلفزة من أجل وقف البرنامج احتجاجا لتعرضه لرأس النظام و أحيانا إلى تصرفات أهل بيته.
و فعلا أعلن أعضاء الفريق المسرحي بأنفسهم نهاية لبرنامجهم مقدمين أسبابا لم تكن مقنعة و نفوا رضوخهم لأي مضايقات ليختفي البرنامج المحبب في النهاية دون أن تغيب عناصره أو بعضها (تم الحديث عن خلافات بين بعض أقطاب البرنامج أدت إلى اختفاء عناصر وازنة منذ فترة مع بقاء الشخصية المحورية "بط مكعور" في الواجهة) من خلال إطلالات هنا و هناك.
و بعد أحداث السادس من أغشت انتكست الحرية الإعلامية و تراجعت كل الإنجازات التي حققها الإعلام الرسمي الذي ارتمى من جديد في أحضان التبجيل و التزمير للحكام العسكريين و التحامل على مناهضي الانقلاب، و رغم المرارة التي يشعر بها دافع الضرائب حين يرى إعلامه الرسمي – الذي من المفترض أن يبقى خدمة عمومية توصل المعلومة بكل دقة و أمانة – قد تحول إلى آلة بيد سلطة قائمة بالقوة تجلد بها خصومها و تذمهم بالحق و الباطل لكن الذي لم يكن يتوقعه المشاهد أن تنضم الفرقة المسرحية اللامعة إلى صفوف المطبلين و المصفقين و كم شده الناس حين شاهدوا الظهور الأخير لبط مكعور و رفاقه في عمل مسرحي ممجوج تناولوا فيه شخص الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله و وضعه الحالي ليكرسوا الصورة النمطية التي يحرص ساكنة القصر الرمادي على إلصاقها به باعتباره: << شيخا مخرفا يبكي على طلل دارس...>>
قد ظهر العمل المسرحي ناطقا رسميا باسم هذه المقاربة، مسيئا بذلك إلى الفرقة و مشوارها الفني المتميز و مسيئا إلى قيم الشعب الموريتاني الذي لا يرضيه التعرض لرموزه على هذه الشاكلة من الإساءة ...
مهما اختلفنا مع السيد و لد الشيخ عبد الله أو اتفقنا معه و مهما تباينت مواقفنا حول وضعيته الحالية دستوريا و سياسيا فلن نختلف على أنه رئيس جمهورية سابق وشيخ مسن و إطار من إطارات البلد له مكانته و هيبته اللتين ينبغي أن تحفظا له.
و إنه كان حريا بهؤلاء المسرحيين أن يلتزموا الصمت ماداموا غير قادرين على إنتاج عمل ينسج على منوال إنتاجاتهم السابقة أما أن يتحولوا إلى بوق من أبواق الدعاية الرخيصة فتلك سقطة لم نكن نتوقعها و توشك أن تحدث شرخا بين هذه الفرقة و جمهورها لأن ميزة الفن أنه يجمع و يعبر عن ضمير الشعب الحي أما التفرقة و التخندق و التكالب على موائد السلطان فموبقات كنا نربأ بمتعاطي العمل المسرحي – خصوصا أن عرفنا فيهم الجرأة – أن يقعوا فيها.
و إذا كانت أطراف معينة قد نجحت في استدراج هذه الفرقة للدخول إلى معترك التحزب الآسن جريا وراء مكاسب ظرفية و امتيازات آنية فعلى هؤلاء أن يعلموا أن ساحتهم الحقيقية هي الانحياز إلى هموم الفقراء و المحرومين و تعرية أساليب السياسيين في الالتفاف على المنجزات و سرقة النضالات.
فهل تكون هذه الإطلالة بداية لتسخير العمل المسرحي لترويج أطروحات الحكام و إدارة الظهر للرسالة النبيلة التي حملها هؤلاء سنوات عديدة أم أن المسألة مجرد كبوة جواد؟
و عموما على هؤلاء أن يتذكروا أن الحكمة الشعبية المأثورة تقول: إِزَيّنْهَالَكْ ألمَايَنفعَكْ فيها.







