تاريخ الإضافة : 01.12.2008 16:18
مع "الاستقلال"
دعينا –ذات حلم استثنائي- لزيارة "الاستقلال"!!
انتابنا شعور جماعي بالزهو.. وبللت دموع الفرح وجوهنا الحزينة.. كانت لحظة خاصة في حياة كل واحد منا..
فهذا "الاستقلال" نحبه لحد الجنون.. عشقناه منذ تهجيناه قيما ودلالات ومعنى على مقاعد الدراسة الأولى..
رضعناه لبانا صافيا مضمخا بعبق أجدادنا وآبائنا والتاريخ الذي صنعوه..
يا لسعادتنا الغامرة.. سنكون وجها لوجه مع رمز عبدناه روحا ومعنى.. رأينا فيه منذ الطفولة رغيف الخبز وكاس الحليب وقرص الاستشفاء.. تهجيناه قصائد وملاحم وسطورا مفعمة بالفداء والتضحية.. كنا مجموعة صغيرة موريتانية الوجه واليد واللسان..
سرنا خلف "دليل" جاء من أعماق الضمير الجمعي الموريتاني مختصرا كل المسافات والأزمنة ليتطوع بقيادتنا للقاء "الاستقلال"..
امتدت الدروب أمامنا طويلة شائكة غير أننا قطعناها بحماس منقطع النظير.. كيف لا ونحن سائرون على دروب ستوصلنا للاستقلال يقودنا "دليل" مهيب ينير كل الدروب المعتمة ببصيرته الثاقبة..
ربما كانت المرة الأولى في حياتي التي أسير فيها مسافة شاقة وطويلة وبدروب صخرية مشوكة دون أن تعرف وعثاء السفر طريقا إلى نفسي..
مسيرة رائعة كنا خلالها نتسابق وكأننا نسير على بساط شرفي أحمر.. لم نعبأ بالصخور ولا بالجراح ولا بشوك القتاد!!
كان كل واحد منا يرسم للاستقلال شكلا ما في ذهنه كنت أتخيل "الاستقلال" شيخا وقورا وادعا بين يديه سلال للحلوى والحليب والتمر يوزعها بسخاء على أبنائه الكثر!! وكان من بيننا من يتخيل "الاستقلال" رجلا قويا به من النخيل شموخ وكبرياء وبه من هدير البحر ملمح لا تخطئه العين ومن صفاء الرمال وألق البطاح سحنة موريتانية أصلية..
البعض كان يتخيله رمزا مختلط الملامح به علم وعملة وجيش وسيادة وبطاح ووهاد وحدود محمية وكرامة مصانة وحديد وسمك ورمال على مد البصر..
ومن بيننا من يرى "الاستقلال" بملامح المختار ولد داداه ورعيله الأول وبعبق ولد رازكه وولد أحمد يوره وولد مياره والشيخ ماء العينين ومحمد ولد حنبل وممادو لامين ومحمد ولد الطلبة وولد سيد إبراهيم الحاج محمود باه وولد الديد وولد حرمه وولد بابانا وفودي أدياكيلي وولد بن ولد أحميد وبكار ولد اسويد احمد والحاج عمر طال وسيدي ولد مولاي الزين..
كنا نحث السير بلا مراكب وبلا زاد وكأن قوة ما تلهب ظهورنا لنزداد حماسا واندفاعا وعزيمة لا تلين..
فجأة تراءت لنا عبر الأفق ملامح خيمة قديمة متهالكة لم نستطع تمييز ملامحها الكاملة فالغيوم كانت تتجمع فوقها لدرجة أننا اعتقدنا أنها في مواجهة إعصار ماحق أو طوفان لا يبقي ولا يذر!!
"وصلنا".. قالها دليلنا المهيب بخشوع وهو يقترب من الخيمة المضروبة على كثيب رملي متحرك زاحف الألسن ومن فوقها تتلبد السماء بغيوم داكنة مخيفة!!
"هذه خيمته" قالها دليلنا ونحن من خلفه تحبس أنفاسنا في لحظة خاصة وحاسمة واستثنائية في حياتنا..
لم يكن الجو مريحا داخل الخيمة.. غبار وفوضى وصراخ متواصل..
"هل دخلنا تيه بني إسرائيل؟" همس أحد الرجال بهدوء مشدوها بما رأيناه..
دخلنا الخيمة بصعوبة بالغة وسط عراك رهيب..
استقبلتنا ركيزة الخيمة الأولى ورأينا رجالا عسكريين ببزاتهم وأحذيتهم الثقيلة ونياشينهم يحاولون إزاحة الركيزة بقوة لإسقاط الخيمة كما خيل إلينا.. وفي الجانب الآخر من الخيمة كان رجال مدنيون بأحزابهم ولافتاتهم وتياراتهم يمسكون بالركيزة الأخرى محاولين سحبها إلى الخارج بقوة وخيل إلينا هذه المرة أيضا أنهم يريدون إسقاط الخيمة..
كان أفق الخيمة مكفهرا للغاية.. طرفان يتنازعانها ويحاول كل واحد منهما باستماتة إسقاطها عن طريق إزاحة الركيزة التي تليه..
"إنه هناك" قالها دليلنا وهو يحاول بصعوبة الاقتراب من "الاستقلال" الذي انتبذ من الخيمة مكانا قصيا اندفعنا خلف "الدليل" وارتمينا متهالكين على أريكة الاستقلال.. سمحنا لأنفسنا بالنحيب ونحن نقبل الأريكة ونتلمس الجالس فوقها..
تمثل لنا "الاستقلال" في صورة شيخ وقور بهي الطلعة طيب الرائحة كانت ملامحه توحي بأنه في الخمسين من عمره والتجاعيد التي على وجهه بفعل عاديات الزمن تتجاوز به عمره الحقيقي حتى ليخيل للناظر إليه أنه يتجاوز المائة سنة!!
وضع يديه على رؤوسنا وقبلنا بشغف وهو يحدق حزينا في الخيمة التي توشك أن تنزاح من فوقه إن لم يكن بفعل الأعاصير والعواصف والطوفان الذي تنذر به الغيوم المتجمعة فوقها والزحف الأبدي المتسارع للكثيب الرملي الذي ضربت عليه فبفعل أبنائه من العسكريين والمدنيين المتصارعين بعنف على الخيمة وركيزتيها!!
حاول أن يقول لنا شيئا لكن العبرات حبست لسانه.. حرك أصابعه الضعيفة يمينا ويسارا ناحية المتصارعين فوق رأسه ولسان حاله يقول {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}..
أجهشنا بالبكاء ونحن نتشبث بأريكة الاستقلال بللت دموعنا ثيابه البيضاء الناصعة الطيبة الرائحة تخيلناه يقول بلطف جائلا ببصره بين أبنائه المتصارعين من حوله بجلبة وجنون "أنتم شر مكانا والله المستعان على ما تصفون"
علت أصواتنا بالبكاء وسط صراخ المتصارعين من حولنا تشبثنا بالأريكة التي يجلس عليها "الاستقلال".. فتحنا أعيننا من خلال الدموع رأينا "الأريكة" تهوي في مهب الرياح ولا جسد فوقها..
اقتربت العاصفة.. هربنا لا نلوي على شيء ومن خلفنا كانت الخيمة تتماوج كريشة في مهب الرياح.. لحظة حزينة ونهائية اختلطت فيها أصوات المتصارعين بصوت العاصفة
ارتفعت أصواتنا هذه المرة بالبكاء خوفا من المجهول بعد أن ضاعت الخيمة وضاع المتصارعون تحتها وضاع "الاستقلال" الذي لا معنى لوجودنا بدونه وضعنا نحن أيضا وربما إلى الأبد!!
حبيب الله ولد أحمد
انتابنا شعور جماعي بالزهو.. وبللت دموع الفرح وجوهنا الحزينة.. كانت لحظة خاصة في حياة كل واحد منا..
فهذا "الاستقلال" نحبه لحد الجنون.. عشقناه منذ تهجيناه قيما ودلالات ومعنى على مقاعد الدراسة الأولى..
رضعناه لبانا صافيا مضمخا بعبق أجدادنا وآبائنا والتاريخ الذي صنعوه..
يا لسعادتنا الغامرة.. سنكون وجها لوجه مع رمز عبدناه روحا ومعنى.. رأينا فيه منذ الطفولة رغيف الخبز وكاس الحليب وقرص الاستشفاء.. تهجيناه قصائد وملاحم وسطورا مفعمة بالفداء والتضحية.. كنا مجموعة صغيرة موريتانية الوجه واليد واللسان..
سرنا خلف "دليل" جاء من أعماق الضمير الجمعي الموريتاني مختصرا كل المسافات والأزمنة ليتطوع بقيادتنا للقاء "الاستقلال"..
امتدت الدروب أمامنا طويلة شائكة غير أننا قطعناها بحماس منقطع النظير.. كيف لا ونحن سائرون على دروب ستوصلنا للاستقلال يقودنا "دليل" مهيب ينير كل الدروب المعتمة ببصيرته الثاقبة..
ربما كانت المرة الأولى في حياتي التي أسير فيها مسافة شاقة وطويلة وبدروب صخرية مشوكة دون أن تعرف وعثاء السفر طريقا إلى نفسي..
مسيرة رائعة كنا خلالها نتسابق وكأننا نسير على بساط شرفي أحمر.. لم نعبأ بالصخور ولا بالجراح ولا بشوك القتاد!!
كان كل واحد منا يرسم للاستقلال شكلا ما في ذهنه كنت أتخيل "الاستقلال" شيخا وقورا وادعا بين يديه سلال للحلوى والحليب والتمر يوزعها بسخاء على أبنائه الكثر!! وكان من بيننا من يتخيل "الاستقلال" رجلا قويا به من النخيل شموخ وكبرياء وبه من هدير البحر ملمح لا تخطئه العين ومن صفاء الرمال وألق البطاح سحنة موريتانية أصلية..
البعض كان يتخيله رمزا مختلط الملامح به علم وعملة وجيش وسيادة وبطاح ووهاد وحدود محمية وكرامة مصانة وحديد وسمك ورمال على مد البصر..
ومن بيننا من يرى "الاستقلال" بملامح المختار ولد داداه ورعيله الأول وبعبق ولد رازكه وولد أحمد يوره وولد مياره والشيخ ماء العينين ومحمد ولد حنبل وممادو لامين ومحمد ولد الطلبة وولد سيد إبراهيم الحاج محمود باه وولد الديد وولد حرمه وولد بابانا وفودي أدياكيلي وولد بن ولد أحميد وبكار ولد اسويد احمد والحاج عمر طال وسيدي ولد مولاي الزين..
كنا نحث السير بلا مراكب وبلا زاد وكأن قوة ما تلهب ظهورنا لنزداد حماسا واندفاعا وعزيمة لا تلين..
فجأة تراءت لنا عبر الأفق ملامح خيمة قديمة متهالكة لم نستطع تمييز ملامحها الكاملة فالغيوم كانت تتجمع فوقها لدرجة أننا اعتقدنا أنها في مواجهة إعصار ماحق أو طوفان لا يبقي ولا يذر!!
"وصلنا".. قالها دليلنا المهيب بخشوع وهو يقترب من الخيمة المضروبة على كثيب رملي متحرك زاحف الألسن ومن فوقها تتلبد السماء بغيوم داكنة مخيفة!!
"هذه خيمته" قالها دليلنا ونحن من خلفه تحبس أنفاسنا في لحظة خاصة وحاسمة واستثنائية في حياتنا..
لم يكن الجو مريحا داخل الخيمة.. غبار وفوضى وصراخ متواصل..
"هل دخلنا تيه بني إسرائيل؟" همس أحد الرجال بهدوء مشدوها بما رأيناه..
دخلنا الخيمة بصعوبة بالغة وسط عراك رهيب..
استقبلتنا ركيزة الخيمة الأولى ورأينا رجالا عسكريين ببزاتهم وأحذيتهم الثقيلة ونياشينهم يحاولون إزاحة الركيزة بقوة لإسقاط الخيمة كما خيل إلينا.. وفي الجانب الآخر من الخيمة كان رجال مدنيون بأحزابهم ولافتاتهم وتياراتهم يمسكون بالركيزة الأخرى محاولين سحبها إلى الخارج بقوة وخيل إلينا هذه المرة أيضا أنهم يريدون إسقاط الخيمة..
كان أفق الخيمة مكفهرا للغاية.. طرفان يتنازعانها ويحاول كل واحد منهما باستماتة إسقاطها عن طريق إزاحة الركيزة التي تليه..
"إنه هناك" قالها دليلنا وهو يحاول بصعوبة الاقتراب من "الاستقلال" الذي انتبذ من الخيمة مكانا قصيا اندفعنا خلف "الدليل" وارتمينا متهالكين على أريكة الاستقلال.. سمحنا لأنفسنا بالنحيب ونحن نقبل الأريكة ونتلمس الجالس فوقها..
تمثل لنا "الاستقلال" في صورة شيخ وقور بهي الطلعة طيب الرائحة كانت ملامحه توحي بأنه في الخمسين من عمره والتجاعيد التي على وجهه بفعل عاديات الزمن تتجاوز به عمره الحقيقي حتى ليخيل للناظر إليه أنه يتجاوز المائة سنة!!
وضع يديه على رؤوسنا وقبلنا بشغف وهو يحدق حزينا في الخيمة التي توشك أن تنزاح من فوقه إن لم يكن بفعل الأعاصير والعواصف والطوفان الذي تنذر به الغيوم المتجمعة فوقها والزحف الأبدي المتسارع للكثيب الرملي الذي ضربت عليه فبفعل أبنائه من العسكريين والمدنيين المتصارعين بعنف على الخيمة وركيزتيها!!
حاول أن يقول لنا شيئا لكن العبرات حبست لسانه.. حرك أصابعه الضعيفة يمينا ويسارا ناحية المتصارعين فوق رأسه ولسان حاله يقول {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}..
أجهشنا بالبكاء ونحن نتشبث بأريكة الاستقلال بللت دموعنا ثيابه البيضاء الناصعة الطيبة الرائحة تخيلناه يقول بلطف جائلا ببصره بين أبنائه المتصارعين من حوله بجلبة وجنون "أنتم شر مكانا والله المستعان على ما تصفون"
علت أصواتنا بالبكاء وسط صراخ المتصارعين من حولنا تشبثنا بالأريكة التي يجلس عليها "الاستقلال".. فتحنا أعيننا من خلال الدموع رأينا "الأريكة" تهوي في مهب الرياح ولا جسد فوقها..
اقتربت العاصفة.. هربنا لا نلوي على شيء ومن خلفنا كانت الخيمة تتماوج كريشة في مهب الرياح.. لحظة حزينة ونهائية اختلطت فيها أصوات المتصارعين بصوت العاصفة
ارتفعت أصواتنا هذه المرة بالبكاء خوفا من المجهول بعد أن ضاعت الخيمة وضاع المتصارعون تحتها وضاع "الاستقلال" الذي لا معنى لوجودنا بدونه وضعنا نحن أيضا وربما إلى الأبد!!
حبيب الله ولد أحمد







