تاريخ الإضافة : 01.12.2008 14:10
من أجل إنصاف "المختار" قبل إكرامه!
م. محفوظ ولد أحمد
(كاتب صحفي mahfuzouldahmed@gmail.com)
في الوقت الذي نحتفل فيه بحماس بعيد الاستقلال الـ48، نقرأ هنا وهناك مقالات وتعليقات مصرحة أو ملوحة بالنيل من شخص الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، متشجعة بالتجاهل المحير لدور هذا الرجل وإصرار الأحكام العسكرية التي تعاقبت بعده على محاولة طمس أثره وإسكات ذكره، أو في أحسن الأحوال جعله فردا وسطا بين سائر "الرؤساء السابقين". وما زلنا نذكر كيف أوتي بجنازة الرجل ودفن في مثواه الأخير بسرية إعلامية تامة رغم حضور الرئيس ولد الطائع الصلاة على جنازته.. لكن ـ وخلافا للعادة ـ دون تغطية مباشرة لهذا النشاط الرئاسي في وسائل الإعلام التي لم تذكره إلا بعد انقضاء كافة مراسيم الدفن والعزاء!..
وعلى الرغم من معارضتي أصلا لكثير من سياسات المرحوم المختار ولد داداه، فلم ولن أشك يوما في وطنيته وسمو أخلاقه وشجاعته وتصميمه العجيب على نحت دولة عصرية من هذه الرمال التي لم يستطع أحد قبله ـ على مر العصور البربرية والعربية والاستعمارية ـ أن يقيم عليها حكما نظاميا يضاهي الدولة.
كان المختار ولد داداه يمتلك مقومات شخصية قيادية نادرة وثقافة عالية. ولكن كنا نعتقد أننا نحتاج أكثر من هذا في أي رجل يقودنا.. ومن ثم استعظمنا الأخطاء واستهونا الإنجازات، وهذا في الواقع حقنا المشروع كرعية؛ باعتبار الرئيس أو القائد شخصا اعتباريا في نفس الوقت لا تقبل منه الأخطاء ولا تلتمس له الأعذار.
لكن بعد الإطاحة بنظام ولد داداه وانطلاقنا في مسيرات مباركة الانقلاب عليه وتأييد الحكام الجدد بدون روية، لم نحصد إلا تعلم مسيرات الدعم وإتقان ملتمسات التأييد والمساندة في العهد الهيدالي وصدر العهد الطائعي، ثم طورنا علم "الدعملوجيا" الوطني إلى "مبادرات" و"تجمعات" التأييد "اللامشروط".. في آخر العهد الطائعي والعهد "العزيزي" الحالي الذي يستلهم منه فلسفته الدعائية المقرفة..
بعد هذا لا عجب أن نحن إلى عهد المختار حينما نقارنه في بعهود من خلفوه:
نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس!
قد يكون هذا من نواميس الحياة أو من باب الحنين إلى الماضي، لكن بإرشاد الواقع وحكمه فقد ساءت أمور الدولة الموريتانية، وإن كانت، بحكم التطور العالمي العام، قد تحسنت جوانب من حياة الناس.. غير أن هذا التحسن ـ وهذا كنه الأمر ـ كان ينبغي بل يجب أن يكون أفضل وأشمل وأقوى أساسا وبناء.
وإذا عدنا إلى الرجل الراحل فإننا مرغمون على الاعتراف بأمر بديهي هو أن الدولة الموريتانية ـ مهما اختلفنا في تقويم مسيرتها وحالها ـ لا وجود لها على الإطلاق قبل هذا الرجل.. الذي استخدم ذكاءه وصبره وطموحه لإقناع زعماء القبائل ووجهاء التجمعات بـفكرة قيام دولة مستقلة في هذه البلاد السائبة المترامية الأطراف التي عافها المستعمر نفسه وفضل إدارة شئونها من بلد آخر. وهذا في حد ذاته يعطينا لمحة كافية عن هول التحديات ومشقة إزالة العقبات، وشدة الافتقار إلى الوسائل والأدوات.. مما كان يحول دون قيام هذه الدولة.
ولأن ولد داداه، كغيره من الموريتانيين في ذلك الوقت، لم يكن يملك القدرة والوسائل الضرورية لإقامة دولة، فقد كان من الطبيعي أن يقبل بعون أي جهة تساعده على تحقيق ذلك الحلم. وكانت هذه الجهة في الواقع هي فرنسا، أي المستعمر نفسه. ثم ما لبثت المساعدة الفرنسية أن أصبحت الملاذ الوحيد بعد مطالبة المغرب بضم موريتانيا إلى ترابها، وتأليبها لمعظم الدول العربية والإسلامية ضد قيام واستقلال دولة موريتانية، ولم تكن ـ للتذكير ـ الجزائر قد نالت حريتها حينئذ حتى نعتمد عليها في مواجهة المغرب، بدلا من فرنسا، على سبيل المثال.
ولا يشك أحد، بمن في ذلك ولد داداه، أن فرنسا لم تكن تدعم قيام هذه الدولة تقربا إلى الله ولا محبة للموريتانيين.. بل اقتضت مصالحها الإستراتيجية أن تشجع قيام تلك الدولة في الوقت الذي أيقنت فيه بأفول نجم الاستعمار المباشر.
إذن فقد كان هناك تلاق آني على الأقل بين الإرادة الفرنسية والحلم الموريتاني. أما كون فرنسا "اختارت" المختار وانتقته حين نثرت كنانتها، فهذا قد يكون صحيحا، بل لا ينكره المختار نفسه.. لكن مدار الجدل هو على ما إذا كان الرجل قد استكان لذلك الغرض وارتمى لمرماه بمحض اختياره وإرادته؛ وبالتالي هل كان هدفه هو تحقيق دولة موريتانيا واستقلالها بأي ثمن.. أم تحقيق أرب فرنسا وخدمتها بذلك الاستقلال الزائف؟.
إذا تتبعنا خطوات المختار ومسيرة حكمه، وليس أقواله فحسب، فإننا ندرك بجلاء أنه أراد بقوة وجاهد بعزم وكد ومرارة أحيانا لاستغلال اتجاه فرنسا لدعم الاستقلال الموريتاني، وظل يخاتلها ويبتعد منها شبرا فذراعا.. دون أن يغامر بثقتها فيه ـ أيا كان باعث أو هدف تلك الثقة ـ فضلا عن المواجهة معها.
ومهما كان حكمنا على هذا الأسلوب فينبغي أن نلاحظ أمرين جوهريين:
أولهما: أنه نجح وكسب الرهان من حيث أقام ـ لأول مرة ـ هذا الكيان المتحد المسلَّم به كدولة مستقلة في الداخل والخارج، ثم تمكن في النهاية من إخراج فرنسا وإسقاط ما لا يناسبه خياراتها.
وثانيهما: أن الرجل لم يكن في يوم من الأيام متبعا أساليب الفانتازيا السياسية أو المواقف الاستعراضية، بل كان ميالا إلى التواضع والهدوء، وربما كان ذلك سر نجاحه، كما هو بالتأكيد مجرى لثلبه لدى البعض ممن أدركوا أو تتبعوا الإيديولوجيا الثورية التي كانت بلغت أشدها في أوانه.
بالطبع كان من حق الموريتانيين، وأخص الشباب، الذين تفتق وعيهم مع عهد الدولة الجديد وبدأوا يرقبون ويدركون ما يجري من حولهم في هذا "العصر الجديد"، أن يحلموا بالأفضل وأن يستعجلوا الرجل بل يعيبوا عليه كثيرا من سياساته الواقعية المتأنية ولاسيما الخاطئ منها، كما لم يكن من حقه هو ولا مما يحمد له أن يواجه كل أولئك بالقمع أو الإقصاء.
والحقيقة أن ولد داداه وإن اتسم كثير من تصرفات إدارته تجاه معارضيه بالإكراه والعنف فإن ذلك لم يكن جوهر سياسته ولا ديدنه الوحيد، فقد اتسم أحيانا كثيرة ـ إزاء ذلك ـ بالحلم والصبر وخفض الجناح للعامة والخاصة، ولمن يرى ـ هو ـ ذلك سبيلا أجدى وأقرب لردعهم أو استمالتهم.. كما حدث فعلا مع طائفة شهيرة من زعماء وأشياع الكادحين، الذين كانت شوكة معارضتهم لنظامه أمضى حدا.
لقد عاشت موريتانيا بعد أن رأت النور وولجت عصر الدولة لأول مرة، فترة أولى من حكم ولد داداه تميزت بالهدوء وبالتبني الكامل لأسلوب المستعمر الفرنسي ومرضاته. ولكن ـ كما نوهنا بذلك آنفا ـ ربما لم يكن هناك أمام الرجل خيار آخر لتحقيق هدفه بدون مشاكل أو أضرار، كما لم تبرز بعدُ الدوافع أو الضغوط المحلية لهز العلاقة الخاصة مع المستعمر الذي يتحكم في كل شيء في الواقع.
غير أن الوضع ما لبث أن تطور في اتجاه خلق تلك الضغوط والدوافع. وبالعودة إلى أحداث تلك الفترة وشهودها الكثر لا يمكن أن نؤكد أن الرجل كان مرغما على شيء لا يحبذه، بل يظهر أنه كان دوما يعي ذلك التطور ويساهم بوعي ودراية في خلقه كجزء من سياسة التدرج والتقدم بخطوات متواضعة ولكنها ثابتة ودائمة ولا تراجع عنها على الإطلاق. وكمثال على ذلك تشهد أحداث 1966 الخطيرة والتي كان سببها المباشر إدخال اللغة العربية "الغريبة" لأول مرة في حقل التعليم، الذي يعتبر حينها قلعة "مولير" الحصينة، فلم تكن هناك بعد ضغوط سياسية ولا مطالب شعبية حداثية ترغم الرجل على تلك الخطوة، كما أنه حين واجه عاصفة 1966 الخطيرة، التي كان من بين داعميها بعض السياسيين العرب، لم يتراجع ويلغ تلك الخطوة الصغيرة التي هددت نظامه الهش ووحدة دولته الناشئة.
ولكن بعد تلك الفترة اتضح أن الخطوة التعريبية المتواضعة جدا قد أحدثت ثغرة لها ما بعدها في الحصن الحصين لنظام التعليم الفرنسي المستكبر في البلاد. فقد اختار ولد داداه من بعض الشباب الذين أتقد فيهم الوعي العروبي، والذين كانوا من خيرة خريجي المحاظر المعادية لدرجة الاستقذار للثقافة الفرنسية، اختارهم وانتدبهم للدراسة العربية العصرية والتدرب في بعض الدول العربية وخاصة تونس ومصر. وإلى جانب ذلك توالت خطوات التعريب بنفس الوتيرة التي يُقابِل تواضعَها ثباتُها واستمرارُها.. إلى أن أصبح للتعريب قادة ونقابة قوية يرفدها مد شعبي جارف.
وإذا كان ولد داداه بعد أن أصبح أمام الأمر الواقع، بدا أحيانا وكأنه "يقيد" التعريب الذي أطلقه وتبناه هدفا استراتيجيا، فإننا نرى أنه في ذلك كان دوما يتصرف كسياسي وإداري أكثر من كونه يمانع في حث الخطى نحو ذات الهدف فضلا عن أن يكون لتلك الممانعة بعد أيديولوجي، رغم كون الرجل كان محاطا في الداخل والخارج ، وفي دوائره الدانية والقاصية بمن يحملون للعربية والتعريب العداوة والبغضاء.
وهناك أمر آخر أحسب أنه محل غلط أو مغالطة وهو ما يتعلق بتباطؤ جرعات تعريب التعليم والإدارة ، حين يرد البعض ذلك إلى العامل السياسي الفرنسي (الخارجي)، في حين أن الرجل كان يدفعه إلى ذلك بالدرجة الأولى شدة حساسيته للوحدة الوطنية واحترام المجموعات الزنجية المواطنة التي خيل إليها في أوقات كثيرة أن عملية التعريب تؤول حتما للإضرار بمكانتها و"مصالحها"، بل ان رهطا من أبناء هذه المجموعات لم يدخروا جهدا في تصوير التعريب على أنه "مد" سياسي أيديولوجي "أجنبي" يبتغي القضاء على هويتهم الخاصة وذواتهم في النهاية!.
ومع ما في هذه الدعاية من افتراء ومكابرة في المحسوس فقد وجدنا من أبناء هذه المجموعات من يرفعونها بوقاحة دون أن يقيموا وزنا لحقيقة "عربية" أغلبية أبناء البلد من جهة، وتبعيتهم ـ هم ـ المطلقة وبدونية معروفة للثقافة الفرنسية الأجنبية وحقيقتها الاستعمارية.
وفي النهاية فإن عدم تبني المختار؛ وربما نفوره من الدعوات القومية التي تنحو بالتعريب مناحي أبعد من اللسان والثقافة، لم يعجب الكثيرين من دعاة القومية العربية الضيقة الذين لم يستطيعوا، مع جمال وجاذبية دعواتهم المتعددة والمتعادية أحيانا، فهم الخصوصية الموريتانية.. التي تمسك بها ولد داداه، بل ورفع من شأنها حينما قرر ـ على سبيل المثال ـ أن يثبت في الحالة المدنية لفظ كلمة "ولد" كصيغة للنسب بدل "ابن" الثابتة في التدوين التقليدي. فهذه الصيغة تجمع بين الواقع النطقي السائد لدى"البظان" كلهم، وبين القلم الاستعماري الفرنسي الذي كان أخذ بها، وبين الفصاحة العربية في ذات الوقت. لقد قال هو نفسه مؤكدا ذلك إنه فضل هذه الصيغة على صيغة "ابن" العامة للحفاظ على الخصوصية الموريتانية. أما الصيغة الثالثة التي تسقط النسبة كلية بذكر الاسم متبوعا باسم الأب أو العائلة مباشرة فلم تكن بالتأكيد من خياراته مع أنها شائعة في معظم الدول العربية ويستحسنها البعض وربما فرضها فرضا (كما في نظام البوليزاريو بالصحراء) رغم أنها تعود لتأثير الحضارة الغربية!
مع كل هذا بقي لدى بعض العروبيين رأي متشدد ـ يسميه شانئوهم بالعقدة أو حتى مركب النقص تجاه الفرنسية ـ ينعت المختار ولد داداه وسياساته كلها بالتبعية الاستعمارية الأصيلة وبأنه إنما ينطق عن هوى أسياده وأصهاره الفرنسيين، وينحتون من ماضيه المهني في الترجمة (أملاز) نعوتا لنظامه السياسي على سبيل التنقيص أيضا. ولكن الغريب أن هذه النعوت وذلك الانتقاص لا يلمزون به بقية المثقفين في المجتمع والمسئولين في الدولة من الفرانكفونيين العرب الذين يحبون الثقافة الفرنسية ولا يبغون عنها حولا. وينتمي لهؤلاء معظم من تولوا أزمَّة الحكم، ممن أطاحوا بولد داداه والذين أطاحوا بالذين أطاحوا به والذين أطاحوا بهم.. وهلم جرا إلى اليوم..!! هذا رغم انتشار الثقافة العربية المعاصرة الضاربة الجذور في المجتمع، ومظاهر التعريب السطحية المشوهة في بعض الدوائر الرسمية.
هذه أمور كلها تطرح أسئلة جادة عن "فرنسة" أو "عروبية" المختار ولد داداه، وهما ـ بالمناسبة ـ نعرتان ألصقتا بالرجل من "طرفي" مواطنيه. والشيء المؤكد هو أن المختار لم يخجل ولم يتحرج من ثقافته الفرنسية وعلاقته الوطيدة بمستعمره، كما لم تجرفه حماسة دعاة القومية العربية إلى الانخراط في أساليبها الراديكالية، بل سار بقناعته الخاصة المعلنة وهي أن موريتانيا بلد عربي ذو هوية ثقافة عربية خاصة نسجتها عناصره العربية والإفريقية وموقعه الجغرافي القصي، واقع تحت سيطرة اقليمية فرنسية، لم يتمتع بدولة مركزية في تاريخه، وبالتالي يتطلب تمتعه بهذه الدولة الكثير من الحذر والصبر على مكاره المستعمر ومشاق المتحرر.
أما فيما يتعلق بالنظام السياسي والاقتصادي فهناك أيضا ما يعضد استقلالية الرجل ومخالفته لسياسات ورغبات "أسياده" الفرنسيين. فولد داداه انتهج نهجا سياسيا مغايرا لنمط النظام الديمقراطي الفرنسي والغربي عموما، وقد يفهم هذا على أنه طبيعي ما دام الرجل يبتغي التفرد بالسلطة، ولكن لماذا اختار منهجا اقتصاديا أقرب إلى النظام الاشتراكي، من حيث وقوفه إلى جنب المواطن الفقير وإعطائه أولوية العيش الكريم، عن طريق دعم السلع الأساسية وتشديد الرقابة الاقتصادية، ومجانية التعليم والصحة.. كل أؤلئك جعل منه حاكما وطنيا يسهر على مصالح عموم رعاياه الضعفاء والأقوياء على حد سواء.. وإن كان ديكتاتورا فقد كان في عصر ازدهار الديكتاتوريات!.
مع ذلك كان وصف المختار بالجهوية أو العنصرية من أغرب الأشياء وأبعدها من الإنصاف.. فإذا كانت حقيقة أن منطقته بحكم تاريخها العلمي المزدهر وقربها من المستعمر ومدارسه في السنغال كانت الأكثر أطرا في بداية عهده الذي يفتقر للأطر أيما افتقار، فإن المناطق الأخرى كانت حاضرة في عهده بخصائصها المتميزة التي هو أيضا في أمس الحاجة إليها.. مثل التجار ورجال الأعمال والضباط، فغالبية هؤلاء في عهده كانت من مناطق أخرى وأخذت مواقعها المتميزة في الدولة.. كما يظهره الواقع المستمر.. أما من الناحية الشخصية فإن المحيطين بولد داداه من السياسيين والوزراء والأعوان المقربين كان أقلهم من ينتمون إلى منطقته، بل كانوا من سائر المناطق والأعراق.
بقيت أشياء أخرى جوهرية لم نجد بعد من يشكك فيها، يضيق عنها الحديث رغم أهميتها العظمى التي تظهرها اليوم نقائضها الصارخة. من ذلك مصداقية الدولة وهيبة القانون في الداخل والذكر الحسن في الخارج، وقبل ذلك وبعده نظافة الذمم الفردية لكبار المسئولين في الدولة ومراقبة سلوكهم الوظيفي.
وفي حين وضع ولد داداه بنفسه أو إشرافه كافة النظم والإجراءات القانونية والمالية للدولة، فقد اختار أن يدخر لنفسه فقط ذلك الشعور بالراحة التامة حين توجه إلى العلاج والمنفى وهو لا يملك، هو ولا أسرته ـ في أي مكان ـ ما يغطي مصاريفه الشخصية من المال. هل يعود ذلك إلى أن الرجل أخِذ على حين غرة قبل أن يستولي على أموال الدولة.. أم أن أكل المال العام بشهية علنية، وتداوله بين الأقرباء والأشياع، وممارسات الكزرة "المشرعة"، وهوان السلطة العامة... ظواهر ما كان لها أن تكون لو أن التاريخ لم يمر بيوم العاشر من يوليو 1978؟!.
وأخيرا بقي الحدث الجلل ومنبع الجدل.. حرب الصحراء. كانت خطأ لا شك فيه، لكن أي نوع من الأخطاء؟ هل هو خطأ في التقدير والوسائل أم خطأ في مشروعية الهدف نفسه؟؟
من المؤكد أن الرئيس، أو أي سلطة، عامة لا يعذر في أي خطأ ـ كما أسلفنا ـ بل عليه أن لا يخطئ ـ وهذا مستحيل طبعا ـ أو أن يتحمل مسئولية خطئه الذي يشمل أخطاء بطانته وأعوانه، في حين أن ولد داداه ـ مع الأسف ـ استمر في الخطأ حين تبين للجميع.. ولم يتحمل مسئوليته بالتراجع عنه أو الاستقالة الطوعية.
لكن مرة أخرى يبقى السؤال الملح، وسيزداد إلحاحا مع الزمن، ما هو نوع هذا الخطأ؟؟ إن الجواب نجده لدى ولد داداه نفسه في حديثه إلى بعض الصحراويين سنة 1957 أي قبل قيام الدولة الموريتانية. لقد كان يؤمن بأن موريتانيا هي "تراب البظان" كلها، ولا تزال الجغرافيا والسوسيولوجيا تصدقانه، وربما سيصدقه التاريخ عندما يتضح تماما أن ذلك التركيز الظالم الذي استهدف به قادة تلك الحرب الشمالية موريتانيا لمحض ضعفها العسكري، لم يكن إستراتيجية حربية مبصرة بل كان أقرب إلى الفضيحة وأبعد من الأخلاق.. فقد سقطت موريتانيا.. ولكن الإستراتيجية فشلت الفشل الذريع.. وذلك شأن الحال حين تتقابل النوايا الحسنة ـ رغم الواقع المرير ـ مع النوايا السيئة رغم شعارات الشرعية!!.
إذن كان دخول الحرب، حتى مع انتفاء نيته، خطأ فادحا.. وكان التركيز على موريتانيا، بل مبدأ إخراجها من تلك الحرب، الخطأ السياسي والاستراتيجي الأفدح في الجهة الأخرى على ساحة تلك الحرب.
لقد كان على المختار ولد داداه في هذه المسألة المنطقية أن يكتفي بالتمني وأن يتمسك ـ رغم حماسه ـ بأسلوبه السياسي المسالم الذي لا يثق في العواطف..
وفي النهاية يبقى المرحوم المختار ولد داداه عملاق هذا البلد الذي أخرجه من حال تشتت وفوضى سرمدي وأدخله إلى حظيرة الوحدة والانسجام والوئام التام دون أثمان باهظة، وبالتالي فعلينا جميعا حين ننتقده ـ وهذا من حقنا ـ أن لا نتحدث عن "الجمهورية الإسلامية الموريتانية" بعلمها الوطني، وجيشها الوطني، وعاصمتها البحرية، وديناميكية روابط أقاليمها المتباعدة ووئام شعبها المتنوع... ثم نوحي للأجيال الجديدة أن المختار ولد داداه إنما أردفه ضابط فرنسي على ظهر دبابة أو طائرة جاغوار وسلمه هذه الجمهورية بحالها بعد رشوته بأنثى من باريس!!.
م. محفوظ ولد أحمد
(كاتب صحفي mahfuzouldahmed@gmail.com)
في الوقت الذي نحتفل فيه بحماس بعيد الاستقلال الـ48، نقرأ هنا وهناك مقالات وتعليقات مصرحة أو ملوحة بالنيل من شخص الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، متشجعة بالتجاهل المحير لدور هذا الرجل وإصرار الأحكام العسكرية التي تعاقبت بعده على محاولة طمس أثره وإسكات ذكره، أو في أحسن الأحوال جعله فردا وسطا بين سائر "الرؤساء السابقين". وما زلنا نذكر كيف أوتي بجنازة الرجل ودفن في مثواه الأخير بسرية إعلامية تامة رغم حضور الرئيس ولد الطائع الصلاة على جنازته.. لكن ـ وخلافا للعادة ـ دون تغطية مباشرة لهذا النشاط الرئاسي في وسائل الإعلام التي لم تذكره إلا بعد انقضاء كافة مراسيم الدفن والعزاء!..
وعلى الرغم من معارضتي أصلا لكثير من سياسات المرحوم المختار ولد داداه، فلم ولن أشك يوما في وطنيته وسمو أخلاقه وشجاعته وتصميمه العجيب على نحت دولة عصرية من هذه الرمال التي لم يستطع أحد قبله ـ على مر العصور البربرية والعربية والاستعمارية ـ أن يقيم عليها حكما نظاميا يضاهي الدولة.
كان المختار ولد داداه يمتلك مقومات شخصية قيادية نادرة وثقافة عالية. ولكن كنا نعتقد أننا نحتاج أكثر من هذا في أي رجل يقودنا.. ومن ثم استعظمنا الأخطاء واستهونا الإنجازات، وهذا في الواقع حقنا المشروع كرعية؛ باعتبار الرئيس أو القائد شخصا اعتباريا في نفس الوقت لا تقبل منه الأخطاء ولا تلتمس له الأعذار.
لكن بعد الإطاحة بنظام ولد داداه وانطلاقنا في مسيرات مباركة الانقلاب عليه وتأييد الحكام الجدد بدون روية، لم نحصد إلا تعلم مسيرات الدعم وإتقان ملتمسات التأييد والمساندة في العهد الهيدالي وصدر العهد الطائعي، ثم طورنا علم "الدعملوجيا" الوطني إلى "مبادرات" و"تجمعات" التأييد "اللامشروط".. في آخر العهد الطائعي والعهد "العزيزي" الحالي الذي يستلهم منه فلسفته الدعائية المقرفة..
بعد هذا لا عجب أن نحن إلى عهد المختار حينما نقارنه في بعهود من خلفوه:
نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس!
قد يكون هذا من نواميس الحياة أو من باب الحنين إلى الماضي، لكن بإرشاد الواقع وحكمه فقد ساءت أمور الدولة الموريتانية، وإن كانت، بحكم التطور العالمي العام، قد تحسنت جوانب من حياة الناس.. غير أن هذا التحسن ـ وهذا كنه الأمر ـ كان ينبغي بل يجب أن يكون أفضل وأشمل وأقوى أساسا وبناء.
وإذا عدنا إلى الرجل الراحل فإننا مرغمون على الاعتراف بأمر بديهي هو أن الدولة الموريتانية ـ مهما اختلفنا في تقويم مسيرتها وحالها ـ لا وجود لها على الإطلاق قبل هذا الرجل.. الذي استخدم ذكاءه وصبره وطموحه لإقناع زعماء القبائل ووجهاء التجمعات بـفكرة قيام دولة مستقلة في هذه البلاد السائبة المترامية الأطراف التي عافها المستعمر نفسه وفضل إدارة شئونها من بلد آخر. وهذا في حد ذاته يعطينا لمحة كافية عن هول التحديات ومشقة إزالة العقبات، وشدة الافتقار إلى الوسائل والأدوات.. مما كان يحول دون قيام هذه الدولة.
ولأن ولد داداه، كغيره من الموريتانيين في ذلك الوقت، لم يكن يملك القدرة والوسائل الضرورية لإقامة دولة، فقد كان من الطبيعي أن يقبل بعون أي جهة تساعده على تحقيق ذلك الحلم. وكانت هذه الجهة في الواقع هي فرنسا، أي المستعمر نفسه. ثم ما لبثت المساعدة الفرنسية أن أصبحت الملاذ الوحيد بعد مطالبة المغرب بضم موريتانيا إلى ترابها، وتأليبها لمعظم الدول العربية والإسلامية ضد قيام واستقلال دولة موريتانية، ولم تكن ـ للتذكير ـ الجزائر قد نالت حريتها حينئذ حتى نعتمد عليها في مواجهة المغرب، بدلا من فرنسا، على سبيل المثال.
ولا يشك أحد، بمن في ذلك ولد داداه، أن فرنسا لم تكن تدعم قيام هذه الدولة تقربا إلى الله ولا محبة للموريتانيين.. بل اقتضت مصالحها الإستراتيجية أن تشجع قيام تلك الدولة في الوقت الذي أيقنت فيه بأفول نجم الاستعمار المباشر.
إذن فقد كان هناك تلاق آني على الأقل بين الإرادة الفرنسية والحلم الموريتاني. أما كون فرنسا "اختارت" المختار وانتقته حين نثرت كنانتها، فهذا قد يكون صحيحا، بل لا ينكره المختار نفسه.. لكن مدار الجدل هو على ما إذا كان الرجل قد استكان لذلك الغرض وارتمى لمرماه بمحض اختياره وإرادته؛ وبالتالي هل كان هدفه هو تحقيق دولة موريتانيا واستقلالها بأي ثمن.. أم تحقيق أرب فرنسا وخدمتها بذلك الاستقلال الزائف؟.
إذا تتبعنا خطوات المختار ومسيرة حكمه، وليس أقواله فحسب، فإننا ندرك بجلاء أنه أراد بقوة وجاهد بعزم وكد ومرارة أحيانا لاستغلال اتجاه فرنسا لدعم الاستقلال الموريتاني، وظل يخاتلها ويبتعد منها شبرا فذراعا.. دون أن يغامر بثقتها فيه ـ أيا كان باعث أو هدف تلك الثقة ـ فضلا عن المواجهة معها.
ومهما كان حكمنا على هذا الأسلوب فينبغي أن نلاحظ أمرين جوهريين:
أولهما: أنه نجح وكسب الرهان من حيث أقام ـ لأول مرة ـ هذا الكيان المتحد المسلَّم به كدولة مستقلة في الداخل والخارج، ثم تمكن في النهاية من إخراج فرنسا وإسقاط ما لا يناسبه خياراتها.
وثانيهما: أن الرجل لم يكن في يوم من الأيام متبعا أساليب الفانتازيا السياسية أو المواقف الاستعراضية، بل كان ميالا إلى التواضع والهدوء، وربما كان ذلك سر نجاحه، كما هو بالتأكيد مجرى لثلبه لدى البعض ممن أدركوا أو تتبعوا الإيديولوجيا الثورية التي كانت بلغت أشدها في أوانه.
بالطبع كان من حق الموريتانيين، وأخص الشباب، الذين تفتق وعيهم مع عهد الدولة الجديد وبدأوا يرقبون ويدركون ما يجري من حولهم في هذا "العصر الجديد"، أن يحلموا بالأفضل وأن يستعجلوا الرجل بل يعيبوا عليه كثيرا من سياساته الواقعية المتأنية ولاسيما الخاطئ منها، كما لم يكن من حقه هو ولا مما يحمد له أن يواجه كل أولئك بالقمع أو الإقصاء.
والحقيقة أن ولد داداه وإن اتسم كثير من تصرفات إدارته تجاه معارضيه بالإكراه والعنف فإن ذلك لم يكن جوهر سياسته ولا ديدنه الوحيد، فقد اتسم أحيانا كثيرة ـ إزاء ذلك ـ بالحلم والصبر وخفض الجناح للعامة والخاصة، ولمن يرى ـ هو ـ ذلك سبيلا أجدى وأقرب لردعهم أو استمالتهم.. كما حدث فعلا مع طائفة شهيرة من زعماء وأشياع الكادحين، الذين كانت شوكة معارضتهم لنظامه أمضى حدا.
لقد عاشت موريتانيا بعد أن رأت النور وولجت عصر الدولة لأول مرة، فترة أولى من حكم ولد داداه تميزت بالهدوء وبالتبني الكامل لأسلوب المستعمر الفرنسي ومرضاته. ولكن ـ كما نوهنا بذلك آنفا ـ ربما لم يكن هناك أمام الرجل خيار آخر لتحقيق هدفه بدون مشاكل أو أضرار، كما لم تبرز بعدُ الدوافع أو الضغوط المحلية لهز العلاقة الخاصة مع المستعمر الذي يتحكم في كل شيء في الواقع.
غير أن الوضع ما لبث أن تطور في اتجاه خلق تلك الضغوط والدوافع. وبالعودة إلى أحداث تلك الفترة وشهودها الكثر لا يمكن أن نؤكد أن الرجل كان مرغما على شيء لا يحبذه، بل يظهر أنه كان دوما يعي ذلك التطور ويساهم بوعي ودراية في خلقه كجزء من سياسة التدرج والتقدم بخطوات متواضعة ولكنها ثابتة ودائمة ولا تراجع عنها على الإطلاق. وكمثال على ذلك تشهد أحداث 1966 الخطيرة والتي كان سببها المباشر إدخال اللغة العربية "الغريبة" لأول مرة في حقل التعليم، الذي يعتبر حينها قلعة "مولير" الحصينة، فلم تكن هناك بعد ضغوط سياسية ولا مطالب شعبية حداثية ترغم الرجل على تلك الخطوة، كما أنه حين واجه عاصفة 1966 الخطيرة، التي كان من بين داعميها بعض السياسيين العرب، لم يتراجع ويلغ تلك الخطوة الصغيرة التي هددت نظامه الهش ووحدة دولته الناشئة.
ولكن بعد تلك الفترة اتضح أن الخطوة التعريبية المتواضعة جدا قد أحدثت ثغرة لها ما بعدها في الحصن الحصين لنظام التعليم الفرنسي المستكبر في البلاد. فقد اختار ولد داداه من بعض الشباب الذين أتقد فيهم الوعي العروبي، والذين كانوا من خيرة خريجي المحاظر المعادية لدرجة الاستقذار للثقافة الفرنسية، اختارهم وانتدبهم للدراسة العربية العصرية والتدرب في بعض الدول العربية وخاصة تونس ومصر. وإلى جانب ذلك توالت خطوات التعريب بنفس الوتيرة التي يُقابِل تواضعَها ثباتُها واستمرارُها.. إلى أن أصبح للتعريب قادة ونقابة قوية يرفدها مد شعبي جارف.
وإذا كان ولد داداه بعد أن أصبح أمام الأمر الواقع، بدا أحيانا وكأنه "يقيد" التعريب الذي أطلقه وتبناه هدفا استراتيجيا، فإننا نرى أنه في ذلك كان دوما يتصرف كسياسي وإداري أكثر من كونه يمانع في حث الخطى نحو ذات الهدف فضلا عن أن يكون لتلك الممانعة بعد أيديولوجي، رغم كون الرجل كان محاطا في الداخل والخارج ، وفي دوائره الدانية والقاصية بمن يحملون للعربية والتعريب العداوة والبغضاء.
وهناك أمر آخر أحسب أنه محل غلط أو مغالطة وهو ما يتعلق بتباطؤ جرعات تعريب التعليم والإدارة ، حين يرد البعض ذلك إلى العامل السياسي الفرنسي (الخارجي)، في حين أن الرجل كان يدفعه إلى ذلك بالدرجة الأولى شدة حساسيته للوحدة الوطنية واحترام المجموعات الزنجية المواطنة التي خيل إليها في أوقات كثيرة أن عملية التعريب تؤول حتما للإضرار بمكانتها و"مصالحها"، بل ان رهطا من أبناء هذه المجموعات لم يدخروا جهدا في تصوير التعريب على أنه "مد" سياسي أيديولوجي "أجنبي" يبتغي القضاء على هويتهم الخاصة وذواتهم في النهاية!.
ومع ما في هذه الدعاية من افتراء ومكابرة في المحسوس فقد وجدنا من أبناء هذه المجموعات من يرفعونها بوقاحة دون أن يقيموا وزنا لحقيقة "عربية" أغلبية أبناء البلد من جهة، وتبعيتهم ـ هم ـ المطلقة وبدونية معروفة للثقافة الفرنسية الأجنبية وحقيقتها الاستعمارية.
وفي النهاية فإن عدم تبني المختار؛ وربما نفوره من الدعوات القومية التي تنحو بالتعريب مناحي أبعد من اللسان والثقافة، لم يعجب الكثيرين من دعاة القومية العربية الضيقة الذين لم يستطيعوا، مع جمال وجاذبية دعواتهم المتعددة والمتعادية أحيانا، فهم الخصوصية الموريتانية.. التي تمسك بها ولد داداه، بل ورفع من شأنها حينما قرر ـ على سبيل المثال ـ أن يثبت في الحالة المدنية لفظ كلمة "ولد" كصيغة للنسب بدل "ابن" الثابتة في التدوين التقليدي. فهذه الصيغة تجمع بين الواقع النطقي السائد لدى"البظان" كلهم، وبين القلم الاستعماري الفرنسي الذي كان أخذ بها، وبين الفصاحة العربية في ذات الوقت. لقد قال هو نفسه مؤكدا ذلك إنه فضل هذه الصيغة على صيغة "ابن" العامة للحفاظ على الخصوصية الموريتانية. أما الصيغة الثالثة التي تسقط النسبة كلية بذكر الاسم متبوعا باسم الأب أو العائلة مباشرة فلم تكن بالتأكيد من خياراته مع أنها شائعة في معظم الدول العربية ويستحسنها البعض وربما فرضها فرضا (كما في نظام البوليزاريو بالصحراء) رغم أنها تعود لتأثير الحضارة الغربية!
مع كل هذا بقي لدى بعض العروبيين رأي متشدد ـ يسميه شانئوهم بالعقدة أو حتى مركب النقص تجاه الفرنسية ـ ينعت المختار ولد داداه وسياساته كلها بالتبعية الاستعمارية الأصيلة وبأنه إنما ينطق عن هوى أسياده وأصهاره الفرنسيين، وينحتون من ماضيه المهني في الترجمة (أملاز) نعوتا لنظامه السياسي على سبيل التنقيص أيضا. ولكن الغريب أن هذه النعوت وذلك الانتقاص لا يلمزون به بقية المثقفين في المجتمع والمسئولين في الدولة من الفرانكفونيين العرب الذين يحبون الثقافة الفرنسية ولا يبغون عنها حولا. وينتمي لهؤلاء معظم من تولوا أزمَّة الحكم، ممن أطاحوا بولد داداه والذين أطاحوا بالذين أطاحوا به والذين أطاحوا بهم.. وهلم جرا إلى اليوم..!! هذا رغم انتشار الثقافة العربية المعاصرة الضاربة الجذور في المجتمع، ومظاهر التعريب السطحية المشوهة في بعض الدوائر الرسمية.
هذه أمور كلها تطرح أسئلة جادة عن "فرنسة" أو "عروبية" المختار ولد داداه، وهما ـ بالمناسبة ـ نعرتان ألصقتا بالرجل من "طرفي" مواطنيه. والشيء المؤكد هو أن المختار لم يخجل ولم يتحرج من ثقافته الفرنسية وعلاقته الوطيدة بمستعمره، كما لم تجرفه حماسة دعاة القومية العربية إلى الانخراط في أساليبها الراديكالية، بل سار بقناعته الخاصة المعلنة وهي أن موريتانيا بلد عربي ذو هوية ثقافة عربية خاصة نسجتها عناصره العربية والإفريقية وموقعه الجغرافي القصي، واقع تحت سيطرة اقليمية فرنسية، لم يتمتع بدولة مركزية في تاريخه، وبالتالي يتطلب تمتعه بهذه الدولة الكثير من الحذر والصبر على مكاره المستعمر ومشاق المتحرر.
أما فيما يتعلق بالنظام السياسي والاقتصادي فهناك أيضا ما يعضد استقلالية الرجل ومخالفته لسياسات ورغبات "أسياده" الفرنسيين. فولد داداه انتهج نهجا سياسيا مغايرا لنمط النظام الديمقراطي الفرنسي والغربي عموما، وقد يفهم هذا على أنه طبيعي ما دام الرجل يبتغي التفرد بالسلطة، ولكن لماذا اختار منهجا اقتصاديا أقرب إلى النظام الاشتراكي، من حيث وقوفه إلى جنب المواطن الفقير وإعطائه أولوية العيش الكريم، عن طريق دعم السلع الأساسية وتشديد الرقابة الاقتصادية، ومجانية التعليم والصحة.. كل أؤلئك جعل منه حاكما وطنيا يسهر على مصالح عموم رعاياه الضعفاء والأقوياء على حد سواء.. وإن كان ديكتاتورا فقد كان في عصر ازدهار الديكتاتوريات!.
مع ذلك كان وصف المختار بالجهوية أو العنصرية من أغرب الأشياء وأبعدها من الإنصاف.. فإذا كانت حقيقة أن منطقته بحكم تاريخها العلمي المزدهر وقربها من المستعمر ومدارسه في السنغال كانت الأكثر أطرا في بداية عهده الذي يفتقر للأطر أيما افتقار، فإن المناطق الأخرى كانت حاضرة في عهده بخصائصها المتميزة التي هو أيضا في أمس الحاجة إليها.. مثل التجار ورجال الأعمال والضباط، فغالبية هؤلاء في عهده كانت من مناطق أخرى وأخذت مواقعها المتميزة في الدولة.. كما يظهره الواقع المستمر.. أما من الناحية الشخصية فإن المحيطين بولد داداه من السياسيين والوزراء والأعوان المقربين كان أقلهم من ينتمون إلى منطقته، بل كانوا من سائر المناطق والأعراق.
بقيت أشياء أخرى جوهرية لم نجد بعد من يشكك فيها، يضيق عنها الحديث رغم أهميتها العظمى التي تظهرها اليوم نقائضها الصارخة. من ذلك مصداقية الدولة وهيبة القانون في الداخل والذكر الحسن في الخارج، وقبل ذلك وبعده نظافة الذمم الفردية لكبار المسئولين في الدولة ومراقبة سلوكهم الوظيفي.
وفي حين وضع ولد داداه بنفسه أو إشرافه كافة النظم والإجراءات القانونية والمالية للدولة، فقد اختار أن يدخر لنفسه فقط ذلك الشعور بالراحة التامة حين توجه إلى العلاج والمنفى وهو لا يملك، هو ولا أسرته ـ في أي مكان ـ ما يغطي مصاريفه الشخصية من المال. هل يعود ذلك إلى أن الرجل أخِذ على حين غرة قبل أن يستولي على أموال الدولة.. أم أن أكل المال العام بشهية علنية، وتداوله بين الأقرباء والأشياع، وممارسات الكزرة "المشرعة"، وهوان السلطة العامة... ظواهر ما كان لها أن تكون لو أن التاريخ لم يمر بيوم العاشر من يوليو 1978؟!.
وأخيرا بقي الحدث الجلل ومنبع الجدل.. حرب الصحراء. كانت خطأ لا شك فيه، لكن أي نوع من الأخطاء؟ هل هو خطأ في التقدير والوسائل أم خطأ في مشروعية الهدف نفسه؟؟
من المؤكد أن الرئيس، أو أي سلطة، عامة لا يعذر في أي خطأ ـ كما أسلفنا ـ بل عليه أن لا يخطئ ـ وهذا مستحيل طبعا ـ أو أن يتحمل مسئولية خطئه الذي يشمل أخطاء بطانته وأعوانه، في حين أن ولد داداه ـ مع الأسف ـ استمر في الخطأ حين تبين للجميع.. ولم يتحمل مسئوليته بالتراجع عنه أو الاستقالة الطوعية.
لكن مرة أخرى يبقى السؤال الملح، وسيزداد إلحاحا مع الزمن، ما هو نوع هذا الخطأ؟؟ إن الجواب نجده لدى ولد داداه نفسه في حديثه إلى بعض الصحراويين سنة 1957 أي قبل قيام الدولة الموريتانية. لقد كان يؤمن بأن موريتانيا هي "تراب البظان" كلها، ولا تزال الجغرافيا والسوسيولوجيا تصدقانه، وربما سيصدقه التاريخ عندما يتضح تماما أن ذلك التركيز الظالم الذي استهدف به قادة تلك الحرب الشمالية موريتانيا لمحض ضعفها العسكري، لم يكن إستراتيجية حربية مبصرة بل كان أقرب إلى الفضيحة وأبعد من الأخلاق.. فقد سقطت موريتانيا.. ولكن الإستراتيجية فشلت الفشل الذريع.. وذلك شأن الحال حين تتقابل النوايا الحسنة ـ رغم الواقع المرير ـ مع النوايا السيئة رغم شعارات الشرعية!!.
إذن كان دخول الحرب، حتى مع انتفاء نيته، خطأ فادحا.. وكان التركيز على موريتانيا، بل مبدأ إخراجها من تلك الحرب، الخطأ السياسي والاستراتيجي الأفدح في الجهة الأخرى على ساحة تلك الحرب.
لقد كان على المختار ولد داداه في هذه المسألة المنطقية أن يكتفي بالتمني وأن يتمسك ـ رغم حماسه ـ بأسلوبه السياسي المسالم الذي لا يثق في العواطف..
وفي النهاية يبقى المرحوم المختار ولد داداه عملاق هذا البلد الذي أخرجه من حال تشتت وفوضى سرمدي وأدخله إلى حظيرة الوحدة والانسجام والوئام التام دون أثمان باهظة، وبالتالي فعلينا جميعا حين ننتقده ـ وهذا من حقنا ـ أن لا نتحدث عن "الجمهورية الإسلامية الموريتانية" بعلمها الوطني، وجيشها الوطني، وعاصمتها البحرية، وديناميكية روابط أقاليمها المتباعدة ووئام شعبها المتنوع... ثم نوحي للأجيال الجديدة أن المختار ولد داداه إنما أردفه ضابط فرنسي على ظهر دبابة أو طائرة جاغوار وسلمه هذه الجمهورية بحالها بعد رشوته بأنثى من باريس!!.
م. محفوظ ولد أحمد







