تاريخ الإضافة : 28.11.2008 09:36

الشعب الصحراوي والموريتاني وحدة المصير المشترك

عدالة محمد سالم الدية

عدالة محمد سالم الدية


لقد ظل الصحراويون والموريتانيون عبر التاريخ يجمعهم من العوامل أكثر مما قد يفرقهم. فالشعبين في كلا القطرين لديهم من التقارب الثقافي والحضاري والتاريخي أكثر من غيرهم من بلدان المغرب العربي، بتركيبتهم العرقية والإثنية من عرب وبربر وزنوج تلاقحت لديهم هذه الثقافات وكونت منتجا حضاريا ومعرفيا عرف بثقافة "البيظان"، وتوسعت هذه الثقافة لتصل مع الزمن الأجزاء الجنوبية من المغرب الأقصى وبالتحديد واد نون شمالا حتى وصلت نهر السينغال جنوبا ومن لكويرة غربا حتى تمبكتو شرقا .

نحن في حقيقة الأمر شعب واحد في بلدين، إلا أنه بطبيعة الحال وبالرغم من نقاط التقارب والشبه الكبير الذي لا يكاد يلحظه إلا العارف بالشأن أو المطلع على حقيقة الأمور، فإن هناك تمايز طفيف وشكلي وذلك راجع لعوامل ذاتية وموضوعية أوجدتها في الأصل البيئة التي عادة ما تفرض أنماطا معيشية يتطلب الواقع اليومي التكيف معها، هذا فضلا عن ما أوجده المستعمر الأوروبي خلال الحقبة الكولونيالية والتي لم يسلم منها شبر واحد من إفريقيا.

وفي هذا المقام سنقف على بعض نقاط الالتقاء والجمع بين الشعبين تاريخيا وحضاريا وثقافيا، وسنظهر للحاقدين والمشككين أن وحدة الشعبين ومصيرهم المشترك، ظلت دوما عامل حاسم في غلق الأبواب في وجه هؤلاء، وأن عمق موريتانيا الاستراتيجي هي الصحراء الغربية والعكس صحيح وليس كما يردد البعض بأن عمق موريتانيا هو أبعد من ذلك، اللهم إلا إذا كان يريد أن يقيم ذلك العمق على أنقاض حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال الذي تقره الشرعية الدولية، ويتنكر له المغرب عبر احتلاله اللاشرعي عبر أزيد من ثلاث عقود من الزمن .

لقد عرفت موريتانيا والصحراء الغربية، قبل الاستعمار الأوروبي، أنماطا من الحكم السياسي الذي كان سائد لإدارة أمور البلاد والعباد. ففي موريتانيا ظهر حكم الإمارات التي انتشرت وعمت معظم موريتانيا الحالية، في حين ظهر في الصحراء الغربية مجلس الأربعين أو ما يعرف عند الصحراويين "بآيت أربعين" المتكون من رؤساء القبائل والعشائر الصحراوية. وبالتالي لم يظهر في يوم من الأيام في كلا البلدين شكل للدولة بالمفهوم الحالي والعصري، وهو ما يؤكده سلاطين المغرب في مراسلاتهم مع الأوروبيين بأن حدودهم لا تتعدى في أحسن الأحوال واد نون جنوبا، وبالتالي ليست لديهم سطوة على هذه القبائل والتي تعرف ببسالتها وجسارتها .وأن البلاد التي تسكنها تدعى "بلاد السيبة" والتي لا آمر فيها ولا ناهي سوى الله على عباده.

في عام 1884 وصلت أول طلائع المستعمرين الأسبان إلى شواطئ الصحراء الغربية، وواجهوا مقاومة شرسة من قبل السكان المحليين قبل أن يتنكروا في زي التجار الكناريين الذين كانت تربطهم بعض المعاملات التجارية مع السكان، في عام 1905 تم إبرام معاهدة سرية بين إسبانيا وفرنسا تم بموجبها ترسيم الحدود الصحراوية الموريتانية وهو أول عمل يقوم به المستعمر الأوروبي في المنطقة لاقتسام النفوذ طبقا لاتفاقية برلين المعروفة.

في العام الموالي وبالتحديد منتصف 1906 بداية تشكل أولى طلائع المقاومة الموريتانية والصحراوية على يد العالم الجليل الشيخ ماءالعينين قرب مدينة السمارة، في عام 1908 المقاومة الصحراوية والموريتانية تحرز نجاحات في عدة معارك ضد الأوروبيين في كل من تكانت، أكجوجت، وتلمنست... وفي سنة 1909 مواجهات ضارية بين المقاومة الصحراوية والموريتانية والفرنسيين بقيادة العقيد "غورو" قرب مدينة أطار عاصمة منطقة أدرار. لتسقط بعدها المدينة في يد القوات الفرنسية وذلك راجع للخلل في تكافؤ موازين القوى والتسليح المتطور للفرنسيين، في بداية شهر أذار/مارس سنة 1913 دخول المقدم الفرنسي "موراي" مدينة السمارة على رأس سرية من الجيش الفرنسي من أجل القضاء على معاقل المقاومة الصحراوية في تمشيط واسع بدأ من التراب الموريتاني.

وفور انتهاء الحرب العالمية الأولى وبعد لململة الأوروبيين لجراحهم، عادوا مجددا لتنسيق العمل فيما بينهم للقضاء على المقاومة. ففي بداية عام 1920 ازداد التنسيق العسكري أكثر بين الفرنسيين والأسبان، لتتوج بمعركة أم التونسي قرب أنواكشوط سنة 1932 وهي من أهم وأكبر المعارك المشتركة التي خاضها الموريتانيون والصحراويون جنبا إلى جنب ضد المستعمرين "النصارى" في المنطقة.

في شباط/فبراير من سنة 1956 بداية نشاط جيش التحرير الذي يضم بعض العناصر الصحراوية والموريتانية ضد الأسبان والفرنسيين في الصحراء الغربية وموريتانيا، بعدها مباشرة حصل لقاء "أم الشكاك" التاريخي بين مدينة العيون والسمارة لتنسيق عمل المقاومة ورص صفوفها من جديد، وقدرت بعض الإحصاءات الحاضرين ب500عنصر رغم الطوق الأمني الذي كان يفرضه المستعمر في ترصد رجال المقاومة، بعدها عرف نشاط المقاومة زخما كبيرا وما إن انقضت سنة 1957 حتى تم تحرير السمارة وبئر انزران وآوسرد بالصحراء الغربية وصولا إلى آدرار شمال موريتانيا، أعقبه مباشرة اتفاق دفاعي بين فرنسا وإسبانيا لمجابهة نشاط جيش التحرير. وتلتها عملية المكنسة "أكفيون" الشهيرة وهو الاسم الذي أطلقته فرنسا وإسبانيا على تلك العملية في تعقبها لعناصر جيش التحرير في منتصف شباط /فبراير 1958، وتمت فيها تطبيق سياسة الأرض المحروقة وقطع الأرزاق واستعمال الترغيب والترهيب مع ساكنة المنطقة وبناء معسكرات في شمال موريتانيا وجنوب المغرب لرصد تحركات المقاومة والسيطرة عليها، وقد عمل المغرب ما في وسعه بإيعاز فرنسي لدفع جيش التحرير لتسليم أسلحته وانضمامه للجيش الملكي المغربي.

غير أن الصحراويين والموريتانيين وبعض العناصر الوطنية المغربية رفضت ذلك بعد أن أصبحت موريتانيا قاب قوسين أو أدنى من الحصول على استقلالها سنة 1960. لتنكفي هذه العناصر داخل التراب الموريتاني بعد أن أصبحت تحركاتها مكشوفة في المغرب والصحراء الغربية وبهذا تنتهي فترة من المقاومة المشتركة بين الشعبين الشقيقين ضد الاستعمار والتدخل الأجنبي.

ثقافيا الشعبان لهما نفس العادات والتقاليد ويجتمعان في معظم أنماط السلوك الاجتماعي والتاريخي وتوحدهم نفس اللهجة "الحسانية" التي تعتبر خليط أفرزه التداخل بين المكونات العرقية ،والتي تعتبر اللغة العربية لغة القرآن الركيزة الأساسية فيها بالإضافة إلى بعض المصطلحات البربرية والتي سبقت وجود العرب والمسلمين وظلت متداولة كأسماء الأماكن وأدوات العمل إلى غيرها، بالإضافة إلى بعض الكلمات المستوردة من اللهجات الإفريقية المحلية والتي دخلت بمرور الزمن نتيجة الاحتكاك والتداخل مع المحيط الإفريقي والرغبة في نشر الإسلام في ربوع هذه المنطقة لأن العرب والمسلمين عندما وصلوا هذه البقاع من الأرض لم يأتوها غزاة "كما يروج البعض اليوم" وإنما حاملين لراية الإسلام والسلام، والدليل الإقبال المنقطع النظير في دخول الإسلام في فترة وجيزة من وأصوله حتى أدغال إفريقيا .

الشعبان لهم ثقافة متجذرة ضاربة في عمق التاريخ، تستمد أصولها من الثقافة العربية الإسلامية وتلاقحت وامتزجت مع الثقافات المحلية لتشكل نسيجا فريدا من نوعه دون أن تمارس في يوم من الأيام سياسة الابتلاع والإقصاء والتهميش التي عادة ما تفرضها الثقافات الكبيرة على الصغيرة وهذا راجع لعمق الثقافة العربية والإسلامية وابتعادها عن السطحية والنظرة الفوقية للآخر.

ثقافة "البيظان"وهي الثقافة المنتشرة في كلا البلدين وأجزاء من البلدان المجاورة لها طابع تاريخي سرمدي يبتعد عن الشوفينية والعرقية والقبلية لأن البعض امتزج في الكل وذابت معه الخصوصيات وهي الميزة والطابع الغالب الذي يطبع الحياة اليومية لمجتمع "البيظان" حينما يغيب الأنا وترفع المصلحة العامة فوق كل اعتبار حتى في التعامل الأسري اليومي داخل البيت الواحد، مع ما يتميز به المجتمع من مكارم الأخلاق من إيثار الغير والنخوة والشهامة والكرم، والإباء والذود عن الحرمات التي هي من العادات التي تطبع حياة البدو وأهل الصحراء، والتفتح على الآخر وحب الحرية، حتى أن البعض زهد في المدينة وضوضاءها وظل يحن إلى البيداء لما فيها من صفاء الذهن وراحة البال، كلها عوامل أعطت صبغة لهذه الثقافة وميزتها عن باقي الثقافات المجاورة.

وسيظل الشعبان الصحراوي والموريتاني حتى وإن فرقتهم الحدود والجغرافيا "بيظتان في عش واحد" كما قال في يوم من الأيام الشهيد الولي مصطفى السيد رحمه الله، وما نتألم له نحن الصحراويون بالقطع يسبب الوجع للأشقاء الموريتانيين، وما يفرحنا يفرحهم رغم الجرح الذي سببته الحرب التي فرضت على الشعبين بغير وجه حق من قبل قوى خارجية أرادت في يوم من الأيام أن توهمنا بأن موريتانيا بحاجة للأرض رغم أن مساحتها هي ضعف الصحراء الغربية خمس مرات، وحباها الله بأرض فيها من الخيرات ما يجعلها في غنى عن أرض الغير، ولو أنها استغلت الاستغلال الأمثل لوضعت موريتانيا في مصاف الدول الغنية، ولكن هذه القوى قطعا لا تريد الخير للشعبين وستظل تكيد المكايد، وتحاول جاهدة في كل مرة زرع بذور الوهم والشقاق وتصطاد في الماء العكر، وللأسف تجد بعض الضمائر الميتة من أبناء الشعبين وسيلة للوصول إلى تحقيق مأربهم الشخصية عبرها، والتي عادة ما تكون ظرفية وقد تسبب بعض الضرر في العلاقة بين الإخوة الأشقاء، ولكن الزمن أثبت و بما لا يدع للشك مجالا أن مصالح الشعبين ووحدة مصيرهم أقوى وأكبر من مصالح الأشخاص، والحسابات الظرفية للأعداء المراهنين على بعض المسوغات، من قبيل أن موريتانيا تفضل أن تحدها المغرب من الشمال وهي القادرة على مدها بأسباب التنمية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي والذي لم نر منه حتى الآن سوى الطبخ المغربي، أم أن المراهنيين على بعض الشاحنات المحملة بالخضر والفواكه الملفوفة والمبطنة بالمخدرات، وكأن أرض موريتانيا لا تنبت سوى أشجار الطلح والسدر وتيشط، أم الأربع كلمترات من الإسفلت المغشوش التي عبدت بها الطريق بين نواذيبو وأنواكشوط كافية لإيهام بعض المتمصلحين بأن عمق موريتانيا هو المغرب حتى ولو كان ذلك على حساب حقوق الشعب الصحراوي.

شخصيا لا أعتقد ذلك وأعرف تمام المعرفة أن الكثيرين لن ينخدعوا ببعض الفتات المتطاير من موائد المتزلفين والعابثين، وظني بالصحراويين والموريتانيين على حد سواء أنهم حاذقين وفطنيين، وهي سمة البدو والأعراب من أهل الصحراء، لما يدور من حولهم لجرهم كل مرة إلى الشباك، وسيظل رغم ذلك مصير الشعبين واحد ومشترك إلى أبد الآبدين وأي شرخ فيه سينعكس سلبا على الجميع، وليكن المثل العربي حاضرا في أذهان الجميع "أكلت يوم أكل الثور الأبيض" لأن مطالب بعض الجيران لازالت ماثلة حتى وإن تكن مؤجلة. فمن يقف على الخريطة المعلقة في مقر الحزب الذي يتولى شؤون الإدارة في المغرب الآن تتجلى له الحقيقة ساطعة لا لبس عليها

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026