تاريخ الإضافة : 25.11.2008 12:28
ثقافة التملق و انقلاب السادس من أغسطس
بقلم : عبد القادر ولد الصيام-أمريكا
siyam@maktoob.com
منذ فجر السادس من أغسطس و إعلامنا الرسمي و شبه الرسمي –المملوك من طرف أباطرة "المال السياسي"- يستخدم كل موارده من أجل الترويج للانقلاب الجديد و قائده الذي وُصِفَ بما لم يوصَف به غيره من نبل و كرم و ذكاء و وطنية , و كأن نساء موريتانيا لم تلد غيره ممن يستحق هذه الصفات, أو كأنه أول رئيس و قائد وطني عرفته موريتانيا.
و قد توالى على منصة التزلّف و النفاق رجال و نساء عـُرفَ كثيرٌ منهم بمهادنة الأنظمة السابقة و دعمها و المبالغة في مدحها و استغلالها في زيادة الثروة و الجاه , كما تبوّأ بعضهم مناصب عالية فيها, و فات القطار بعضهم الآخر مما ولـّدَ لديه الرغبة في الحصول على مكاسب لم يحصل عليها من قبل , و كانت أقصر طريق لتحقيق تلك المكاسب هي التزلّف و التملّق للإنقلابيين الجدُد و عيب غيرهم من الحكام السابقين و معارضي الإنقلاب .
و إذا جاز لي أن أستشهد بما قاله غيري –على ما لم يُرده- فإني أجد ما ورد في الفصل الثامن عشر من كتاب الوزير -و الذي هو "تجربة وزير مدني في حكومة عسكرية"- تحت عنوان :"مدرسة التملّق" خيرَ وصف للأوضاع الحالية حيث يقول- عن المؤسسات الإعلامية الرسمية إنها ( ص 121 ) : "...سخّرت –في مناسبات عديدة- برامجها اليومية لعدد من المهرّجين الوقحين المنافقين الذين يقضون الساعات في تمجيد الحاكم نثرا و نظما , كما سُخّرَت هذه الأجهزة الخطيرة لنقل خُطَبِ مسؤولي الدولة من سياسيين و إداريين و ناطقين باسم المنظمات و الفئات الشعبية الذين تلقّفوا بسرعة عجيبة صيغ المديح و التبجيل و التقديس و جعلوها غايتهم , و بقدر تنميقهم و مغالاتهم في التزلّف يصبحون "المسؤولين المخلصين الأكفاء المستوعبين لسياسة الدولة المدافعين عنها من الأخطار المتربصة بها , من الأعداء المتكالبين" "!!! انتهى الإستشهاد.
و بالنظر في التعيينات التي صاحبت الإنقلاب و تلت تكوين الحكومة الموريتانية فإن تعيينات كثيرة تمّت وفقا لمنطق التملّق و التزلّف للحاكم الجديد , و يكفي لإثبات ذلك النظر في بعض التعيينات و المناصب التالية :
-وزارة الداخلية
-الوكالة الموريتانية للأنباء
-الهيئة العليا للسمعيات البصرية
-إدارة العقارات –
-قنصلية السنغال
فقد دافع أصحابها – على شاشة التلفزة و أثير الإذاعة- بقوّة عن رئيس المجلس العسكري و بالغوا في مدحه و وصفوه بما لم يوصَف به كثير من كبار القادة و الثوار و صناع التاريخ , فنالوا بذلك حظوة عند من لا يحبّ إلا التملّق و لا يحب الناصحين المخلصين.
لقد تنافس في التملّق و النفاق فآم من الناس تعدّدت مشاربهم و اختلفت ظروفهم , فمنهم الغني الذي جمع فأوعى و رغب في المزيد , و منهم الفقير المُعدِم الراغب في نيل ما يسد الرمق و يرفع مكانته و يقرّبه من منازل أهل الجَدَى , و منهم موظفون سامون رغبوا في البقاء في مناصبهم أو الترقّي في سلّم "المناصب السامية" , و منهم من ليس بموظف كبير أو لم يتبوّأ منصبا –قطّ- فرغب في الحصول عليه و كان أقرب طريق لذلك هو التملّق و النفاق , حتى و إن كانت شواهد الأمس و ماضي القوم –المادحين و الممدوحين- معروفة لا تخفي على ذي بصر أحرى من رُزِقَ بصيرة و فهما في الأمور.
لقد نسي المتزلفون أن الجنرال محمد ولد عبد العزيز لم يحصل على رتبة "الجنرال" بسبب طول خدمة و لا حسن تجربة و لا عن انتصار على جبهة من الجبهات , بل حصل عليها و هو جالس في الظل خلف حاكم عسكري ربطته به علاقات مصاهرة و كان يُرقّيه و يرفع منزلته حتى وصل إلى ما وصل إليه ,فلم يرفع الرجل رأس جيشنا الذي اعتُدِيَ عليه مرَتين من طرف مجرمين لم يرعوا فيه إلا و لا ذمّاً , فبدلا من الإنتقام لجنودنا الشرفاء الذين استُشهدوا في "لمغيطي" حيث صدرت أوامر بتحويله إلى هناك قام العقيد –حينها- بالمشاركة في انقلاب الثالث من أغسطس 2005 و "البقاء في الظل" ثانية دون الدفاع عن حرمات الوطن أو الأخذ بذحل الجنود الشهداء, و حينما تم خلعه من طرف رئيس شرعي منتخب - يُعتبَرُ القائد الأعلى للقوات المسلحة -قام الجنرال بالإنقلاب عليه في السادس من أغسطس 2008 و جرّده من كل صفة حميدة و وصَفَه و وصَف مؤيديه بكل سوء ( كما في خطاب روصو يوم أمس ).
لقد سمع الجنرال ما لم يسمع العقيد معاوية ولد الطائع و بشهادة ذوي القربى و المخلصين –دون أخذ العبرة من ذلك- حيث ذكر شيخ تفرغ زينه في رسالة ( بتاريخ 23/9/2008 ): – مخاطبا قائد الإنقلاب- :" تُسَلّمُونَ معي أن كل ما سمعتموه من الإطراء والتمسّك بكم كرئيس قد لا يمكن لموريتانيا بحال من الأحول أن تعيش من دونه لا يساوي واحدا في المائة مما كان يسمعه منهم الرئيس معاوية ولد الطايع قبل أن يفقد ملكه "., فهل نسي الرجل أم أن للكرسي حلاوة لا تترك لمن يجلس عليه فرصة للتأمل و أخذ العبرة و التأكد من أنها"لو دامت لغيره ما وصلت إليه"؟.
لقد قام رئيس المجلس العسكري و حكومته بفتح ملفات فساد في ظل حكم عسكري ديكتاتوري و بإشراف قضاء غير مستقل –لم يجرأ رئيس محكمته العليا و لا رئيس مجلسه الدستوري على التساؤل عن مشروعية الإنقلاب و النظام الجديد- و هو ما رأى فيه البعض رسائل موجهة لمعارضي الإنقلاب و استهدافا لمجموعات سياسية و اجتماعية معينة ربطتها – في الماضي- صلات متنوعة مع الرئيس الشرعي المطاح به , و هو ما لا يمكن وصفه إلا بأنه "عدالة انتقائية و انتقامية" , حيث لا يَسْلَمُ المجلس العسكري و حكومته و بعض دبلوماسييه الجُدُد من "كلام" يتعلق بنفس التهم الموجهة لبعض الموقوفين –و كل المتهمين أبرياء ما لم تثبت إدانتهم من طرف قضاء مستقل و بأدلة قطعية أو اعتراف خال من الإكراه-.
لقد نسي المتملقون و المتزلفون للنظام العسكري الجديد أن رئيس المجلس العسكري و وزيره الأول قد استأثروا بنصيب الأسد من التعيينات التي مُنحت للأقارب و الأصهار و زادت من قوة و مكانة بعضهم مثل نائب رئيس مجلس الشيوخ و رئيس "الكتلة البرلمانية" , و تم تقسيم الباقي بين المؤيدين و قادة القبائل و بعض الأفراد في توازنات تقليدية تضمن التأييد و الولاء للإنقلابيين بعيدا عن منطق الشفافية و الكفاءة و الوطنية .
لو لم يقم الجنرال عزيز بانقلابه و لو لم يتصرف باسمنا – و بدون إذننا- لما تكلّمنا عنه , و لكن أن يتحكم في أمرنا و يعزل و يولّي و يقسم بغير السوية و يحرم المواطنين من استخدام الإعلام العمومي و يسجن من يعبّر عن رأيه و يسجن رئيسا مدنيا منتخبا و يختطف البلد و يعرضه لعقوبات لا قـِبـَلَ له بها فإننا نقول له و لمن يؤيد أفعاله بأننا لعملهم من القالين و أننا نرفض أن يكون الوطن "مخبزة عائلية" يتصرف فيها من يستولي على السلطة بالقوة و يتصرف بدون نظر في العواقب و المآلات , خصوصا إن تسبّب في "حصار" ناتج عن أحلام عسكري طموح لا يُراعي قوانين الديمقراطية و طـُرُقَ الحكم التشاركي و لا يهمه إلا دعم من استخفهّم فأطاعوه ممّن سيندمون – و لات حين ندم- ثم يذمّونه مثل ما فعلوا مع معاوية ولد الطائع و سيدي ولد الشيخ عبد الله- ليبقى الجنرال أسير ذنوب مضت و هموم لا تنقضي .
siyam@maktoob.com
منذ فجر السادس من أغسطس و إعلامنا الرسمي و شبه الرسمي –المملوك من طرف أباطرة "المال السياسي"- يستخدم كل موارده من أجل الترويج للانقلاب الجديد و قائده الذي وُصِفَ بما لم يوصَف به غيره من نبل و كرم و ذكاء و وطنية , و كأن نساء موريتانيا لم تلد غيره ممن يستحق هذه الصفات, أو كأنه أول رئيس و قائد وطني عرفته موريتانيا.
و قد توالى على منصة التزلّف و النفاق رجال و نساء عـُرفَ كثيرٌ منهم بمهادنة الأنظمة السابقة و دعمها و المبالغة في مدحها و استغلالها في زيادة الثروة و الجاه , كما تبوّأ بعضهم مناصب عالية فيها, و فات القطار بعضهم الآخر مما ولـّدَ لديه الرغبة في الحصول على مكاسب لم يحصل عليها من قبل , و كانت أقصر طريق لتحقيق تلك المكاسب هي التزلّف و التملّق للإنقلابيين الجدُد و عيب غيرهم من الحكام السابقين و معارضي الإنقلاب .
و إذا جاز لي أن أستشهد بما قاله غيري –على ما لم يُرده- فإني أجد ما ورد في الفصل الثامن عشر من كتاب الوزير -و الذي هو "تجربة وزير مدني في حكومة عسكرية"- تحت عنوان :"مدرسة التملّق" خيرَ وصف للأوضاع الحالية حيث يقول- عن المؤسسات الإعلامية الرسمية إنها ( ص 121 ) : "...سخّرت –في مناسبات عديدة- برامجها اليومية لعدد من المهرّجين الوقحين المنافقين الذين يقضون الساعات في تمجيد الحاكم نثرا و نظما , كما سُخّرَت هذه الأجهزة الخطيرة لنقل خُطَبِ مسؤولي الدولة من سياسيين و إداريين و ناطقين باسم المنظمات و الفئات الشعبية الذين تلقّفوا بسرعة عجيبة صيغ المديح و التبجيل و التقديس و جعلوها غايتهم , و بقدر تنميقهم و مغالاتهم في التزلّف يصبحون "المسؤولين المخلصين الأكفاء المستوعبين لسياسة الدولة المدافعين عنها من الأخطار المتربصة بها , من الأعداء المتكالبين" "!!! انتهى الإستشهاد.
و بالنظر في التعيينات التي صاحبت الإنقلاب و تلت تكوين الحكومة الموريتانية فإن تعيينات كثيرة تمّت وفقا لمنطق التملّق و التزلّف للحاكم الجديد , و يكفي لإثبات ذلك النظر في بعض التعيينات و المناصب التالية :
-وزارة الداخلية
-الوكالة الموريتانية للأنباء
-الهيئة العليا للسمعيات البصرية
-إدارة العقارات –
-قنصلية السنغال
فقد دافع أصحابها – على شاشة التلفزة و أثير الإذاعة- بقوّة عن رئيس المجلس العسكري و بالغوا في مدحه و وصفوه بما لم يوصَف به كثير من كبار القادة و الثوار و صناع التاريخ , فنالوا بذلك حظوة عند من لا يحبّ إلا التملّق و لا يحب الناصحين المخلصين.
لقد تنافس في التملّق و النفاق فآم من الناس تعدّدت مشاربهم و اختلفت ظروفهم , فمنهم الغني الذي جمع فأوعى و رغب في المزيد , و منهم الفقير المُعدِم الراغب في نيل ما يسد الرمق و يرفع مكانته و يقرّبه من منازل أهل الجَدَى , و منهم موظفون سامون رغبوا في البقاء في مناصبهم أو الترقّي في سلّم "المناصب السامية" , و منهم من ليس بموظف كبير أو لم يتبوّأ منصبا –قطّ- فرغب في الحصول عليه و كان أقرب طريق لذلك هو التملّق و النفاق , حتى و إن كانت شواهد الأمس و ماضي القوم –المادحين و الممدوحين- معروفة لا تخفي على ذي بصر أحرى من رُزِقَ بصيرة و فهما في الأمور.
لقد نسي المتزلفون أن الجنرال محمد ولد عبد العزيز لم يحصل على رتبة "الجنرال" بسبب طول خدمة و لا حسن تجربة و لا عن انتصار على جبهة من الجبهات , بل حصل عليها و هو جالس في الظل خلف حاكم عسكري ربطته به علاقات مصاهرة و كان يُرقّيه و يرفع منزلته حتى وصل إلى ما وصل إليه ,فلم يرفع الرجل رأس جيشنا الذي اعتُدِيَ عليه مرَتين من طرف مجرمين لم يرعوا فيه إلا و لا ذمّاً , فبدلا من الإنتقام لجنودنا الشرفاء الذين استُشهدوا في "لمغيطي" حيث صدرت أوامر بتحويله إلى هناك قام العقيد –حينها- بالمشاركة في انقلاب الثالث من أغسطس 2005 و "البقاء في الظل" ثانية دون الدفاع عن حرمات الوطن أو الأخذ بذحل الجنود الشهداء, و حينما تم خلعه من طرف رئيس شرعي منتخب - يُعتبَرُ القائد الأعلى للقوات المسلحة -قام الجنرال بالإنقلاب عليه في السادس من أغسطس 2008 و جرّده من كل صفة حميدة و وصَفَه و وصَف مؤيديه بكل سوء ( كما في خطاب روصو يوم أمس ).
لقد سمع الجنرال ما لم يسمع العقيد معاوية ولد الطائع و بشهادة ذوي القربى و المخلصين –دون أخذ العبرة من ذلك- حيث ذكر شيخ تفرغ زينه في رسالة ( بتاريخ 23/9/2008 ): – مخاطبا قائد الإنقلاب- :" تُسَلّمُونَ معي أن كل ما سمعتموه من الإطراء والتمسّك بكم كرئيس قد لا يمكن لموريتانيا بحال من الأحول أن تعيش من دونه لا يساوي واحدا في المائة مما كان يسمعه منهم الرئيس معاوية ولد الطايع قبل أن يفقد ملكه "., فهل نسي الرجل أم أن للكرسي حلاوة لا تترك لمن يجلس عليه فرصة للتأمل و أخذ العبرة و التأكد من أنها"لو دامت لغيره ما وصلت إليه"؟.
لقد قام رئيس المجلس العسكري و حكومته بفتح ملفات فساد في ظل حكم عسكري ديكتاتوري و بإشراف قضاء غير مستقل –لم يجرأ رئيس محكمته العليا و لا رئيس مجلسه الدستوري على التساؤل عن مشروعية الإنقلاب و النظام الجديد- و هو ما رأى فيه البعض رسائل موجهة لمعارضي الإنقلاب و استهدافا لمجموعات سياسية و اجتماعية معينة ربطتها – في الماضي- صلات متنوعة مع الرئيس الشرعي المطاح به , و هو ما لا يمكن وصفه إلا بأنه "عدالة انتقائية و انتقامية" , حيث لا يَسْلَمُ المجلس العسكري و حكومته و بعض دبلوماسييه الجُدُد من "كلام" يتعلق بنفس التهم الموجهة لبعض الموقوفين –و كل المتهمين أبرياء ما لم تثبت إدانتهم من طرف قضاء مستقل و بأدلة قطعية أو اعتراف خال من الإكراه-.
لقد نسي المتملقون و المتزلفون للنظام العسكري الجديد أن رئيس المجلس العسكري و وزيره الأول قد استأثروا بنصيب الأسد من التعيينات التي مُنحت للأقارب و الأصهار و زادت من قوة و مكانة بعضهم مثل نائب رئيس مجلس الشيوخ و رئيس "الكتلة البرلمانية" , و تم تقسيم الباقي بين المؤيدين و قادة القبائل و بعض الأفراد في توازنات تقليدية تضمن التأييد و الولاء للإنقلابيين بعيدا عن منطق الشفافية و الكفاءة و الوطنية .
لو لم يقم الجنرال عزيز بانقلابه و لو لم يتصرف باسمنا – و بدون إذننا- لما تكلّمنا عنه , و لكن أن يتحكم في أمرنا و يعزل و يولّي و يقسم بغير السوية و يحرم المواطنين من استخدام الإعلام العمومي و يسجن من يعبّر عن رأيه و يسجن رئيسا مدنيا منتخبا و يختطف البلد و يعرضه لعقوبات لا قـِبـَلَ له بها فإننا نقول له و لمن يؤيد أفعاله بأننا لعملهم من القالين و أننا نرفض أن يكون الوطن "مخبزة عائلية" يتصرف فيها من يستولي على السلطة بالقوة و يتصرف بدون نظر في العواقب و المآلات , خصوصا إن تسبّب في "حصار" ناتج عن أحلام عسكري طموح لا يُراعي قوانين الديمقراطية و طـُرُقَ الحكم التشاركي و لا يهمه إلا دعم من استخفهّم فأطاعوه ممّن سيندمون – و لات حين ندم- ثم يذمّونه مثل ما فعلوا مع معاوية ولد الطائع و سيدي ولد الشيخ عبد الله- ليبقى الجنرال أسير ذنوب مضت و هموم لا تنقضي .







