تاريخ الإضافة : 17.11.2008 11:32

المواقع الموريتانية والكتاب الجدد: حين يصير الحرف مستباحا

محمد سعدن ولد الطالب
Saadnapoet@yahoo.com

حينما يتأتأ المبتدئون على الصفحات الأولى في المواقع والصحف فأقرأ على الكتابة السلام وجهز لها كفنا ومشيعيين وسرادق عزاء وانتدب نائحات يندبنها...
حين يصبح قدرك التعيس أن "تصحو" كل يوم على هزال فكري صيغ بأسلوب مهلهل ركيك ووقع تحته صاحبه باسم الكاتب العبقري "فلان" فتأكد حينها أن ثمة شيىء ما آيل للسقوط، ثمة أمة مأزومة، لأن صناعة الرأي حينما تصبح مهنة من "لا يستطيع" في وطن ما، فتأكد أن ذلك الوطن مهدد في العمق والصميم...........
أفهم جيدا، بل وأشجع، أن تتاح صفحات للمبتدئين وللقراء، غير أني أكاد أجن حين أصدم بمقالات ركيكة على واجهة موقع موريتاني يحتل الصدارة ويطالعه مئات الآلاف، وكأن القائمين على الموقع لا يدركون أنهم بذلك يرسلون إشارات سلبية تعني أنهم ليست لديهم آلية لتقييم المقالات وإنما ينشرون "كل الغسيل" الذي يأتي إليهم على حبال الإنترنت!!!!!!!!!!
لا أقبل ولا أستسيغ أن أقرأ تحفة خطتها أنامل "ولد وديعة" أو "حماه الله" أو"حنفي" أو "ولد سيدي ميله".......... لأفاجأ إلى جانبها بتأتآت "واهم" مازل يحبو في درج الكلام.
أعزائي، إنكم بأفعالكم هذه تحولون الكتابة إلى مهنة ممتهنة إلى حد السقوط وتجعلون صفة "الكاتب" رخيصة وتافهة ومنفرة، لأنكم ببساطة تخلعونها كالبردة المزورة على كل من أمسك قلما أو جلس أمام شاشة كمبيوتر.
الكتابة، يأأعزائي، أكبر شأوا من ذلك، وأبذخ قامة من أن تطالها أيد المتأتئين...
الكتابة هي تيه شهي إلى مدن لا نعرف أسماءها أو عناوينها، هي اصطلاء عبثي على نار لا يمسها إلا أنصاف المجانين، هي ملكوت لا يسبح فيه إلا من استطاع أن يجمع بين روحانية الصوفي وقلق العاشق وهلوسات الساحر.
الكتابة هي سينفونية يعزفها الحيارى والمعذبون وأنصاف الأولياء في لحظات التجلي الجميل، يحرقونها كبخور شرقي يضمخ مواجع لياليهم ويطيل صبرهم في انتظار عرس آخر يزفون فيه أتراحهم ومدامعهم ويغنون نشيد الصمت الناطق.
الكتابة- أيها الواهمون- كائن أخضر بهاراتي الملامح فلفلي الطعم يتسكع في داخل صاحبه، حتى إذا أزفت الساعة وأجائه المخاض ألقاه إليكم يتلقف الصمت الملعون ويصرخ رفضا .
الكتابة هي المتنفس الوحيد في مدن تحترف الاختناق وهي زورق الإنقاذ المتبقي بعدما أحرقوا كل المراكب وأشعلو السفن وقطعوا الطريق.......
الكتابة هي أن تكتب وأنت مجبر، ببساطة تشعر أنك إذا لم تكتب فإنه ستتولد في قلبك ألف غصة وينبجس مليون جرح ويصبح وجه الطبيعة معتما، وتبقى معلقا بين اللا شيىء واللا شيىء كرائد فضاء يفقد توزانه..
إذا لم نكتب نبقى عراة تماما وتتساقط كل الأعشاب التي تغطي أجسادنا، نبقى مثقلين بالحزن كمسافر يرحل عن أهله لأول مرة، حين لا نكتب لا نكون، نصبح صفرا، حين لا نتشبث بالحرف نشعر أننا خائفون ومطاردون!!!!!!!
الكتابة، يأحبائي، هي لعنتنا نحن الممسون بنارها، فكل ما أعطينا للورق والقلم إجازة مفتوحة يموت في داخلنا الإنسان، فالكتابة امتداد لوجودنا وظل لإنسانيتنا، بل هي وجودنا نفسه، فحين لا نكتب ننعدم..
الكتابة هي وحدها القادرة على صنع الفرح في زمن لا يولد من رحمه سوى الدمع، زمن ألف الموت والدمار حتى بدت ملامحه مخيفة ومعتمة، الكتابة هي وحدها اليافطة التي يمكن أن نحملها في كل الظروف ونسير بها في شوارع القهر والعتمة والانكسار.
الكتابة هي أن نترك الكلمات تنساب بفوضوية وحرية، تتشكل على طريقتها الخاصة، تختار اللون الذي تشاء وتختار ملابسها وحليها وزينتها، تعب من بحيرة الفوضوية حتى ترتوي وتقوم على ساقيها.
الكتابة كالسهم لايسأل إلى أين هو ذاهب، ولكنه فالنهاية يعود منتصرا.
الكتابة خارجة على القوانين في كل العصور، فتارة تكون منفية بتهمة التشهير وتارة يحبسونها بالمؤبد ولكنها تبقى موجودة رافعة رأسها وشامخة كناطحة السحاب، لأنها لا يمكن إن لا أن تكون فانعدامها يعني انعدام الحياة، فبدون الكتابة يصبح الليل طويلا ومعتما لدرجة لا تحتمل، وتصبح الشمس كاسفة البال حزينة ذابلة، وتتحول الابتسامات إلى بحيرة دموع تجرف كل الأحياء ويأخذ الفرح إجازة مفتوحة.
هذه هي الكتابة- يأحبائي- ومن لم يستطع أن يكون على مستوى التحدي فليدعها كما كانت...فالصهيل قدر الخيول والخيول فقط.
أناشدكم أيها القائمون على المواقع الموريتانية أن لاتدقوا مسمارا في نعش الحرف، وتأكدوا أن لصناعة الكلمات سرا من أوتيه فليكتب كما شاء، ومن لم يعطه فعليه بالصمت فإنه له وجاء.


الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026