تاريخ الإضافة : 11.11.2008 11:23

الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية ,, بين قوة الدوافع وضعف المقومات

آب ولد سيدات ولد أجيه

لقد شهدت الفترة الأخيرة في خطاب الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية هجوما مكثفا وتصعيدا غير مرتجل في انتقاد الشخصيات والهيئات والأحزاب المؤيدة لتصحيح السادس من أغسطس 2008 ، وتم نسج العديد من خيوط المواجهة السياسية وكأن لحظة ما مرتقبة يجب الإعداد لها ، فجرح بشخصيات وطنية مرموقة وانتقدت أخرى واستغل هامش الحريات العامة إلى أقصى الحدود وكأن امرأ ما قد حدث في سابقة لم يسبق لها مثيل
وتابع الشعب الموريتاني مظاهر لم يألفها من نقد الدولة ومؤسساتها بل والمطالبة بالتضييق عليها وحصار شعبها وتهديده بالويلات والمخاطر المحدقة لا لشيء إلا لأن فرقاء الأمس أصبحوا شركاء اليوم ، ومن هذا المنطلق وجدتني مرغما على الكتابة لعلي بذلك أظهر جملة من القناعات الراسخة والمبررة بأدلة الأرقام ، حتى لا يكون تأييد التصحيح ذنبا لا يغتفر أو خطأ لا يبرر، كما أرادت الجبهة ، بل على العكس من ذلك ليتبين أن تأييد التصحيح واجب وطني وملاذ آمن لتجربتنا الديمقراطية الفتية مع تفهم من لهم أعذار العوائق الشكلية في قاموس السياسة أو المعنوية في مفهوم الديمقراطية
فإذا كانت دوافع الجبهة متمثلة في حماية الديمقراطية فمعنى ذلك أنها تريد حماية رأي الأغلبية ، حماية حرية التعبير، تريد حماية البرامج والخطط التنموية والأمن والاستقرار والذود عن المكتسبات وإشاعة روح الحوار في فضاء الرأي والرأي الآخر .
فهذه كلها دوافع طيبة لكنها منافية لظاهرة حزب الدولة .. الحزب الحاكم الذي لا يوجد له مقر واحد في أي مقاطعة من مقاطعات الوطن ورغم ذلك يحظى بالأغلبية الساحقة من الحقائب الوزارية ، كما أنها قيم تتنافى إلى حد بعيد مع عقيدة المحاصصة ومنح حقوق الأغلبية ,, كثيرة هي العيوب الديمقراطية في هذا الصدد لكن هذا ليس هو ما يهمنا في المقام الأول خاصة إذا سلطنا الضوء على المقومات السياسية لموقف الجبهة ذات الشخصيات المتنفذة والأحزاب النشطة في لقاء أرضيته الحذر وفضاؤه الانفصام ، ورؤى سياسية كممت أفواه المعبرين عنها خشية صراع المشاريع المجتمعية المتناقضة أمام شعب تعددت عوائق النهوض به ولكنه على طريق النضج والوعي السياسي وأصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يأخذ زمام المبادرة عن نخبة خيبت آماله في الصراع والتنافس على جزئيات هامشية تهمها، وتركت مقومات بقائه ونمائه عرضة للضياع والنسيان لتشكل أرضية صالحة للتفكير بتدخل أطراف وقوى خارجية كنا إلى وقت قريب في غاية الاستغناء عنها ونخاطبها بالندية وليس بالتبعية ...
كم هي كثيرة ..الإشكالات والتساؤلات التي يمليها موقف قادة في الجبهة؟
أو لا يتذكرون أن نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية لم تتجاوز فيها نسبة إنجاح ولد الشيخ عبد الله 53% وأنها نسبة متراجعة إلى صف الهزيمة في العاصمة السياسية للبلد؟ ورغم ذلك كان القبول بهذه النتائج نابعا من منطلق المحافظة على الوطن..على السكينة العامة ،ليس إلا.

أو أنهم لا يريدون القبول بحقيقة أن الرئيس السابق لم يكن موجودا على الساحة السياسية وغير معروف من طرف مايفوق نسبة 80% من الناخبين .
وأنه وصل إلى نسبة 24% فقط في الشوط الأول بدعم قوي من مؤسسات الدولة وشخصياتها المتنفذة
ألا تعترف الجبهة أن المصادر الداعمة للرئيس قد تقطعت بها الأواصر السياسية مما أصبح يهدد الدولة في بعدها الوجودي ؟ أم أنهم يريدون منا أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام مصير البلد بل وحتى أمام مصيرهم هم أنفسهم؟؟؟ لن يكون الأمر كذلك ..

ولكن تعالوا معنا لنقرأ بالأرقام كيف تحولت مصادر الدعم الى كفة الرفض ، أعني هنا بالتحديد مايلي :
1-الأغلبية الساحقة من النواب والشيوخ والعمد
2- مرشح الرئاسيات الزين ولد زيدان وأنصاره
3- مرشح الرئاسيات مسعود ولد بلخير وحزبه
4- كبار الفاعلين الإقتصاديين والشخصيات المرجعية والعديد من مرشحي الرئاسيات
إذ يجمع بين هذه المصادر في الشوط الثاني مباركة المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية

ولكن الشعب الموريتاني قد شعر مجتمعا – ومنذ الوهلة الأولى- بالخلل الكبير الذي انتاب الدولة في الصميم ،في أهم وأعلى مؤسساتها الدستورية ،مؤسسة الرئاسة التي أصبحت تجسد المزاج الشخصي للرئيس السابق ، حيث عطل الدستور بمنع إنشاء محكمة العدل السامية والإخلال بمبدإ فصل السلطات ومنع البرلمان من ممارسة صلاحياته في حجب الثقة عن الحكومة ،وقد وعد بحله وعزم على ذلك متوكلا في خطاب رسمي بث على شاشات التلفاز،ليعمل بعكس العزم !! فيقيل الحكومة ويخرجها من الباب ليدخلها من النافذة مستثنيا حزبي تواصل وإتحاد قوى التقدم ، وقد قبل التحالف الشعبي باللعبة !!
والحيرة والإستغراب يتملكان الشعب .. والبرلمان لايزال على المنعرج.

وفي هذه الأثناء يتم رفض استدعاء الدورة الطارئة للجمعية الوطنية إخلالا بمبدإ فصل السلطات وسدا لباب تشكيل لجان التحقيق لتبدأ عملية استمالة ممثلي الشعب بأساليب لاتليق في الوقت الذي يتخبط فيه البلد في أزمة اقتصادية خانقة كان من أبرز تجلياتها تفشي البطالة والإرتفاع المذهل للأسعار وندرة المواد الإستهلاكية الضرورية وتدهور الخدمات الصحية الأساسية وانهيار النظام التربوي وتصاعد الإنحرافات الأخلاقية الغير مسبوقة وانتشار سوء التسيير واختلاس المال العام وتعاطي الرشوة وانتهاج المحسوبية وتتويجا لذلك تقحم المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية والأجندة الضيقة وتدفع إلى الإقتتال والتخاذل في إجراء لم يسبق له مثيل حتى في الأنظمة الدكتاتورية .
إن هذه الحقائق التي قد لايقبل بها من وضعوا غشاوة التعصب على البصائر, لم تكن نابعة من نقد أعمى أو رفض ضيق الأفق ،بل من تراكم وقائع تترك الحرقة والألم في قلوب المواطنين المخلصين والغيورين على بلدهم ومصالحه ومستقبله .
وأقدم هنا من باب التذكير وعلى سبيل المثال لالحصر نماذج من هذه الوقائع والأحداث مستدلا بأقوال بعض أبرز الشخصيات في الجبهة الموقرة .

ففي يوم 5/5/2007 فضيحة مخدرات تهز البلاد بشكل فظيع ولم يسبق له مثيل حيث استخدمت الطائرات والسيارات العابرة للقارات بين أكبر مدينتين في البلد ،بين عاصمتينا السياسية والإقتصادية !!.
وفي يوم 25/08/2007 تنطلق المشاورات الواسعة، ولكن ليس لتدارس واقع البلد بل لتأسيس حزب عادل سعيا إلى تطويق الهيئات المنتخبة...
وفي يوم 08/10/2007 الرئيس السابق يقول إن إسنيم – شريان الإقتصاد الوطني – في طريقها إلى الخصخصة .
وفي 21/11/2007 الشارع يغلي في الولايات الشرقية وفي أنوا كشوط والصحف تطلق على الظاهرة ثورة الجياع .
وفي 24/12/2007 السياح الفرنسيون في مدينة ألاك يقتلون بدم بارد...
وفي يوم 02/02/2008 هجوم مسلح على السفارة الإسرائيلية وسقوط جرحى في قلب العاصمة .
وبعدها بأقل من أسبوعيين وبالتحديد في يوم 15/02/2008 يأذن الرئيس بانعقاد أول دورة للمجلس الوطني لحزبه عادل. وكأن الأمور على مايرام
وفي يوم 02/04/2008 سيد ولد سيدين يخرج من قاعة المحكمة بعد استجوابه ويعود للشارع والصحف تكتب (فرار أحد أبرز عناصر السلفية)
وفي نفس اليوم يقطع أمير دولة قطر برنامج زيارته لموريتانيا بعد تحذيرات أمنية ويغادر دون مراسيم رسمية .
وفي يوم 07/04/2008 اشتباكات مسلحة بين قوي الأمن ومسلحين تسفر عن سقوط قتيل وجرحي بين الشرطة وقتيل وجريح في الطرف الآخر وفرار مسلحين بعد إحكام الطوق عليهم, وتتوالي الأحداث ليأتي يوم 09/04/2008 المشؤوم وتطلق النار علي بعض المواطنين الأبرياء والشرطة تعترف بالخطإ.. وتغرق الدموع الذارفات صوت الأنين والنحيب.. فإلى متى ؟ يقول أخ الفقيد.
وفي يوم 13/04/2008 أساتذة التعليم العالي مضربون
و في يوم 14/04/2008 المعلمون مضربون
وفي يوم 15/04/2008 أساتذة التعليم الثانوي مضربون
كل هذا في سنة شهدت أنماطا لاتحصي ولاتعد من السرقة والسطو علي الناس وانتهاك الحرمات والأعراض.
سنة قال عنها محمد جميل ولد منصور رئيس حزب تواصل مقوما (إنجازات قليلة وإخفاقات كبيرة ومتتالية)
وقال النائب محمد المصطفي ولد بدر الدين ( إذالم يبادر الرئيس بتشكيل حكومة وحدة وطنية فإن أيامه باتت معدودة والبلاد مهددة بجميع الأخطار )
والحصيلة التي لامراء فيها هي أن أركان نظام الرجل قد انهارت في بنيتها التي شكلت صمام أمان الأغلبية الديمقراطية.

فالزين وحكومته ومده الشعبي صفحة تطوي
وأكثر من ثلثي النواب والشيوخ والعمد في صراع مع الرئيس ورئيس وزرائه وحكومته
وأخيرا سيدي وراء القضبان والمؤسسات العسكرية والأمنية في حالة استنفار
و مسعود ولد بلخير علي الجانب الآخر يمسك بشعرة معاوية
فماذا تبقي من الأغلبية التي بررت وجود الرئيس السابق حتى نظل مطمئنين علي مستقبل البلد؟
هل تريد الجبهة منا حقا أن نكون غير معنيين بالشأن الوطني ؟ وأن تتفكك الأواصر السياسية والعري ونحن متفرجون ؟
الحيرة هي سيدة الموقف ياأصحاب الألباب
ولذا فإننا نؤيد المجلس الأعلى للدولة حفاظا علي الدولة ذاتها في بعدها الوجودي بعد أن تهاوت وفقا لما قلتم أنتم أنفسكم .
والنصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين
ومن هذا المنطلق وهذه الحقائق فإننا ندعوا المجلس الأعلى للدولة ورئيسه رئيس الدولة إلي تحمل مسؤولياتهم وطي المزاج وأن يجعلوا المصلحة العليا للوطن نصب أعينهم وأن يكونوا في مسافة واحدة من كل الفر قاء, فالديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها وإنما هي وسيلة, فمتى تقارب الفر قاء وتحاوروا وقرروا الأخذ بهذه الوسيلة كان التوجه سليما ومتى اختلفوا وتنافروا فالأمانة بين أيديكم واصبروا وما صبركم إلا بالله.
وليعلم كل من له اهتمام بصالح ومصالح هذا البلد أن المطالبة بعودة الرئيس السابق لاتخلو بأي حال من الأحوال من هفوات مخلة بالأمن والإستقرار والسلم الإجتماعي والزج بشخصيات وطنية ذات تجربة سياسية معتبرة في غياهب التطرف السياسي والتعصب الجاهلي, إضافة إلي كونها إهانة وازدراء بموقف أغلبية ساحقة فضلت أن يكون الإحترام والوقار هو جسر التواصل مع من جانبوا الصواب في الوضع السياسي الراهن للبلد- عن حسن نية- فالتهجم والشتم والتنقيص والتشكيك في الدولة وزعزعة ثقة المواطن.. كلها أمور ينبغي أن تتعالي عليها النخب السياسية.
وأما المواقف الإقليمية والدولية فلها مكانة فحص وتمحيص في الذاكرة الوطنية, في ذاكرة كل خير من أبناء هذا البلد المسكين.
وفي الختام فإنني أطلق نداء الألفة والإلتحام إلي كل الفاعلين السياسيين والأطر الشباب المثقفين لتحويل الوضعية السياسية الراهنة إلي مظهر من مظاهر إثراء الحراك السياسي البناء في تجربتنا الديمقراطية المتميزة وذلك من خلال المشاركة الواسعة والحوار الناضج فى المنتديات الديمقراطية المزمع تنظيمها في القريب العاجل
تلك المنتديات التي ننتظر منها تأسيس رؤية اقتصادية ذات بعد إستراتيجي وتأهيل جهازنا الإداري وتعميق الأسس القانونية بما يفتح الباب لسلاسة العمل المؤسساتي وإخراج جهازنا القضائي من دوائر نفوذ السلطة التنفيذية.. كثيرة هي الآراء والأفكار التي نأمل أن تجد الإطار المناسب لاحتوائها وتجسيدها في هذه المنتديات.
والله المستعان في كل الأمور

آب ولد سيدات ولد أجيه

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026