تاريخ الإضافة : 11.11.2008 11:10

جبهة الدفاع عن الديمقراطية...إلى الأمام در

مر الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز صبيحة السادس من أغسطس 2008 بمحطتين، كانت أولاهما محطة تضييق استطاعت فيها الجبهة المناوئة للانقلاب حشد الدعم الأولي داخليا وخارجيا حيث سيرت مسيرات منددة بالانقلاب في جهات البلاد الأربع ولقيت تجاوبا من المجتمع الدولي الذي سارع بالتهديد بأخذ إجراءات ردعية ضد موريتانيا من قبيل الحصار الاقتصادي والسياسي إذا لم يتراجع الانقلابيون عن فعلتهم وكانت ذروة التصعيد حين أعلنت أمريكا عن حظر التأشيرة على الانقلابيين وأعضاء الحكومة التي شكلوها، وتبعتها دول أوربية في ذلك وازداد الأمر تعقيدا حين عمدت الجبهة المناوئة للانقلاب إلى إرسال مبعوثين من الحكومة السابقة لتمثيل موريتانيا في اجتماعات قمة إفريقيا والكاريبي المنعقدة في أكرا وكذلك في اجتماعات الاتحاد الأوروبي في بروكسل ولكن حكومة العسكريين بعد أخذ ورد نجحت في الفوز بمقاعد التمثيل في هذه الاجتماعات نجاحا لم تغب عنه السنيغال والمغرب ولا اسبانيا وفرنسا تلك الدول المرتبطة بمصالح حيوية مع موريتانيا والحريصة على تلك المصالح فربما يكون تهديد صريح من العسكريين بقطع الصلة وتعطيل المصالح الحيوية لتك البلدان وغيرها وراء قبول ممثلي حكومة ولد محمد الأغظف وكذلك وراء أجل الشهر الذي أعطاه الاتحاد الأوروبي صراحة والإتحاد الإفريقي ضمنا للعسكريين للتراجع عن الانقلاب أو التوصل إلى حل للأزمة، ذلك الأجل الذي شكل المحطة الثانية محطة الانفراج التي عززتها أمريكا بإعطائها مهلة للانقلابيين ليدبروا حلا للأزمة.
وفي هذه المحطة لم يضيع ولد عبد العزيز وجهازه العسكري والتنفيذي الفرصة فبدأ تحركات على عدة أصعدة.
فعلى الصعيد الخارجي يجوب أعضاء الحكومة والبرلمانيون الموالون للعسكر العالم العربي وإفريقيا و أوروبا لشرح وجهة نظر الانقلابيين وبرنامجهم السياسي وقد قبلت كل الدول المزارة الاستماع إلى هذه البعثات خصوصا مصر والسودان والجزائر والمغرب كندا و تانزانيا واسبانيا، وهناك بوادر على سعي فرنسا للوساطة بدعوتها لرئيس البرلمان مسعود ولد بلخير، وكذلك قد تكون دعوة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لرئيس المجلس العسكري السابق أعل ولد محمد فال تدخل في إطار مسعى تونسي لفهم ما يجري تمهيدا للتدخل لحل الأزمة خصوصا وأن تونس دخلت في السنوات الأخيرة مع موريتانيا في شراكة اقتصادية، وتنبهت الكثير من الشركات الاستثمارية التونسية إلى المزايا التي توفرها لهم السوق الموريتانية البكر. وفي الجانب المالي والاقتصادي فقد وافق البنك الإسلامي في اجتماعه الأخير بجدة على قرض لموريتانيا بأزيد من ثلاثة ملايير أوقية لتمويل مشروع زراعي، كما وقعت الجزائر اتفاقية اقتصادية مع موريتانيا، ويأتي تدشين السفير الفرنسي للمشروع الممول من طرف فرنسا والهادف إلى تزويد مقاطعة عرفات في نواكشوط بالماء العذب ليشير إشارة دالة إلى استعداد فرنسا للتعامل مع المجلس العسكري إذا توصل إلى صيغة للحكم يقبل بها معظم الموريتانيين.
وعلى الصعيد الداخلي لا يخفى التحرك النشط ذو الطابع الشعبي الذي تقوم بها الحكومة منذ رمضان والذي كان من آخره تخفيض سعر البنزين والغاز وبعض المواد الاستهلاكية الحيوية للمواطن البسيط، وكذلك تدشين شبكة طرقية ومراكز صحية في نواكشوط، والبدء في خطة لحل مشكلة الأحياء العشوائية واللقاءات الجماهيرية التي يقوم بها رئيس المجلس العسكري من حين لآخر لهذه الأحياء والتي تضرب على الوتر الحساس للفقراء و المهمشين.
هذا علاوة على إدخال كوادر من حزب تكتل القوى الديمقراطية أكبر أحزاب المعارضة التقليدية في البلاد إلى مراكز تنفيذية في جهاز الدولة إلى جانب حزب حاتم وحزب الصواب لضمان تعاون تلك الأحزاب في المرحلة المقبلة، ويستعد أيضا الزعيم الزنجي صار إبراهيم للحصول على حصة في الحكومة.
أما التحرك الأهم والذي قد يقطع الطريق نهائيا على عودة الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله فتمثل في إلقاء قواد الجيش أعضاء المجلس الأعلى للدولة بكامل ثقلهم في الحلبة، فقد كان يظن على نطاق واسع في الأوساط السياسية الموريتانية أن الانقلاب لم يكن سوى ردة فعل متشنجة من ولد عبد العزيز على قرار إقالته هو و زميليه، وأن المؤسسة العسكرية لا تؤيد هذا الانقلاب، وأنه إذا تلاقى حصار من الخارج مع معارضة في الداخل لن يجد ولد عبد العزيز بدا من القبول بالتنازل، ولكن يظهر أن هذا الظن كان في غير محله فقد برهنت حملات شرح وجهة النظر التي يقودها معظم الضباط السامين في الجيش والذين هم أعضاء في المجلس الأعلى تماسك المؤسسة العسكرية والتزامها بالانقلاب وبالدفاع عنه، وهي حملات لافتة فلم يحدث أن انخرط قواد الجيش بهذا القوة والكثافة في أي جدل سياسي داخلي. نعم قد رأينا شبيها لهذا التدخل غداة الانقلاب الذي قاده أعل ولد محمد فال والذي أطاح بالرئيس معاوية ولد الطايع، لكن في تلك المرة تولى القواد العسكريون الجهويون الأمر ولم يزيدوا على تقديم بيانات في ظهور دبلوماسي اقتضته ظروف استقبال وتحية المهرجانات الجماهيرية المؤيدة للانقلاب. أما اليوم فبرنامج منظم واتصالات مكثفة وقادة مركزيون. ومهما يكن من جدل حول ما إذا كان ولد عبد العزيز قد قرر الانقلاب بمفرده أو بمباركة من الجيش فإن الثابت اليوم هو أن الجيش ممثلا في قادته الأساسيين يدعم الانقلاب، وربما يكونون قد وجدوا في الخطوة التي أقدم عليها ولد عبد العزيز فرصة لتصحيح وضع لم يكونوا راضين عنه وهو انتخاب ولد الشيخ عبد الله رئيسا بدعم سري من أطراف في الجيش على رأسها ولد عبد العزيز نفسه، على رغم معارضة أعل ولد محمد فال هو وغالبية أعضاء المجلس العسكري لذلك الدعم. فهل هي إرادة جديدة لتصحيح غلطات الفترة الانتقالية وعودة إلى ميثاق المجلس الأعلى للعدالة والديمقراطية.
ذلك سؤال ستجيب عنه الأشهر المقبلة.
وفي الوقت الحاضر سيكون هذا الموقف العسكري مربكا لمساعي جبهة الدفاع عن الديمقراطية المناوئة للانقلاب، ففي الظروف السياسية والاقتصادية التي تحدثنا عنها يبدو احتمال رحيل العسكر تحت ضغط من الداخل أو الخارج ضئيلا، فقد أصبح مستبعدا لجوء الدول والمنظمات إلى الحصار السياسي والاقتصادي لموريتانيا وكذلك فإن التعويل على الدعم الشعبي للجبهة لن يحقق الفائدة المرجوة منه بسبب النقاط التي سجلها العسكريون وحكومتهم، وهذا سينعكس سلبا على الجبهة، وإذا حدث وأن ظلت متمسكة بموقفها الرافض للتفاوض ما لم يقبل العسكر بعودة ولد الشيخ عبد الله، ولم تشارك في الأيام التشاورية فإنها ستفوت فرصة المشاركة في صياغة برنامج المرحلة الانتقالية وما بعدها، وستفوت أكثر اختبار جدية العسكر في القبول بمبادئ الديمقراطية والتشاور التي مافتئوا يدعون سعيهم إلى ترسيخها، صحيح أن عدم مشاركتها سيقلل من مصداقية نتائج تلك المشاورات ولكنه على الأرجح لن يحول دون إجرائها ولن يقف في وجه تطبيق البرنامج المنبثق عنها، فالعسكريون ماضون في تنفيذ خطتهم قبلها من قبلها ورفضها من رفضها.
فهل سيغلب مسعود براغماتيته التي دفعته يوما إلى دعم مرشح ضعيف بين أطراف متصارعة يستطيع هو على حسابها جني مكاسب لمجموعته السياسية، وهل فكر ولد منصور ولد مولود في أن التفاوض مع حكومة نصبها العسكر لن يكون أسوأ من المشاركة في حكومة يسيطر عليها رموز ولد الطايع.
محمد ولد محمد سالم
dah_tah@yahoo.fr



الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026