تاريخ الإضافة : 10.12.2007 15:07
أهل العصابة يرفضون تخليد ذكريات الاستعمار
أهل العصابة يرفضون تخليد ذكريات الاستعمار
الذكرى المئوية للاحتلال الفرنسي البغيض لمنطقة (اركيبه)
محمد المختار ولد المصطفى
في وقت ترتفع فيه الأصوات عالية ضد العولمة والهيمنة والاحتواء والتبعية والانضياف، بحثا عن الذات والخصوصية والتميز الحضاري، يجري الحديث هذه الأيام عن تحرك عناصر من سكان منطقة اركيبه ومدينة كيفه وولاية العصابة، لما أسموه الذكرى المئوية لتأسيس مدينة كيفه، ولأنني أحد سكان هذه المنطقة وأحد المهتمين بالعلوم الإنسانية والتاريخ الاجتماعي والحضاري، فقد تعينت علي المساهمة في توجيه مسار هذا الجهد لكي لا يستمر الخطأ، ورغم أني لا أعرف الدوافع الحقيقية من وراء الفكرة إلا أنني أعتقد أن حسن النية والسعي إلى تنوير السكان بماضيهم ربما هو المحرك الأساسي للتفكير في هذا الموضوع، ولكن قيل في الحكم الشعبية أن (التخمام قبل الكلام)
(الرأي قبـل شجـاعة الشجــعان فهو أولا وهـي في المحـل الثاني)
فالشعوب تخلد ذكرياتها الجميلة وتتأمل وتتألم للذكريات المأساوية وهي مناسبة من واجب الباحثين والمؤرخين أن يسجلوا ما لديهم من أخبارها لتتجلى الذكريات وتقام على الحقائق، وعلى افتراض حسن النية أعلاه فإنني ألفت انتباه أصحاب الفكرة، والساعين لتنفيذها، والذين ينوون الاشتراك فيها، إلى الملاحظات التالية ليكونوا على بينة من أمرهم:
أولا: إن سكان "أركيبه" لم يألفوا الاستقرار وإنما كانوا بدوا رحلا ينتجعون خلف مواشيهم في مجال رحب يقودهم الظعن جنوبا إلى "كديماغا" وضفاف النهر و"خاي" بأرض مالي وغربا إلى "آفطوط" و"كوركل" و"فوت" والشمال أوكار و"تكانت" والشرق "أفل"و"الحوض".
ولم تكن هناك، على الأقل، في بداية القرن العشرين قرى أو مدن اللهم إلا بعض الواحات القليلة، وقد أختار السكان طريقة عيشهم وسيروا حياتهم الاجتماعية في هذا المحيط بتكامل وانتظام فعرفوا السادة الأبطال، والعلماء الأفذاذ، والأولياء الكمل، والأثرياء المنفقون، كما ظل ارتباطهم بهذا المجال قويا بما تدل عليه المقابر، والروايات الشعبية، والآثار الأدبية، بالشعر العامي والفصيح، ولهذا التاريخ ذكرياته الجميلة لأنه من صنع السكان الأصليين وينتمي إلى حضارة الأمة.
ثانيا: تشكل منطقة كيفه المالحة (حاسي الطلحايه، عطف، أكورار) نقطة تلاق سنوي يرتادها الرعاة لملوحة المياه ذات الجودة في منظور البيطرة التقليدية وهي مكان تواجد مجموعات مختلفة من ساكنة المنطقة مما تدل عليه مقبرة حاسي الطلحاية، ولموقعها الوسط في مركز دائرة الانتجاع المشار إليها أشارت عيون الاحتلال المتمركز في تجكجة باتخاتذها نقطة عسكرية للاحتلال وذلك لإحكام السيطرة على المقاومة الوطنية، والاقتراب من الثروة الحيوانية الطائلة لزياد عائدات الضرائب لخزينة المحتل، وربط إدارة الاحتلال بمراكزها في الجنوب والجنوب الشرقي.
ثالثا: عندما لم يتوفر للغزاة مصدر ماء عذب بحثوا عن أقرب نقطة ماء إلى المنطقة فوجدوا على بعد 15كلم تقريبا "احسي بابو"، فقرروا عندئذ تدنيسه بنقل المركز إليه بعد أن كان منهلا للرعي وموئلا لأنشطة اقتصادية واجتماعية طيبة وآمنة، ومكانا لتلاوة كتاب الله، وممارسة الحياة الكريمة، فأحالوه إلى مركز لإدارتهم العسكرية وأطلقوا عليه اسم المكان الأول (كيفه) ربما لشهرتها بالثروة الحيوانية وكثرة مرتاديها سنويا أو للعدول عن اسم "بابو" لطمس الاسم المحلي للمكان.
رابعا: حينما أقام المحتلون مركز سيطرتهم لم يكن معهم إلا حرسهم وتراجمهم وبعض الخدم الذين استقدموهم سخريا من المستعمرات المجاورة، لأن أهل الأرض رافضون لخدمة المحتلين، وللبحث عن مجال سكاني يحتمون به من هجمات المقاومة المحتملة، وعونهم على توفير الخدمات التي هم بحاجة إليها، فقد مارسوا الضغوط على السكان قصد التقري في المكان وظلت الممانعة هي السمة العامة إذ لم يسجل ولد في المدرسة إلا قسرا أو ما يعرف بـ (فرص) فكم أخفيي من ولد عن مدرسة المحتلين؟ أو دوري عنه؟ وقد استغلوا نقطة ضعف في ثقافة الناس "ممارسة العبودية الممقوتة" فقبلوا إيواء الفارين من قبضة الاسترقاق التي يمارسها عليهم فقراء الناس والضعفاء وذلك لاستخدامهم لدى إدارة الاستعمار وأعوانها في المركز الجديد، أما المسترقون والمطهدون من قبل أصحاب النفوذ والحظوة من محصلي الضرائب للمحتلين فقد كانوا يعادون عنوة إلى جلاديهم ولا يمكن أن يفكروا بعد ذلك في الاستفادة من الكلمة الجوفاء (ليبرت) فكم من مستجير بالإدارة الاستعمارية في هذا المركز لم تجره استجابة لتخل أحد أعوانها ومخبريها المحليين؟ وإلا فلماذا مازالت آثار العبودية قائمة لحد الآن بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال وقرابة ذلك من الاستقلال أو شبهه؟.
خامسا: لقد ظل هذا المركز الاستعماري وتلك الدار المعروفة محليا بـ (الخوبه) مكتب (كوماند) الحاكم الفرنسي رمزا للخوف والهيمة والشر في تلك المنطقة الطيبة، ومن أبرز المعالم والآثار التي خلفها هؤلاء المحتلون في تلك المدينة بعد (الخوبة) أو (الخوفه) ذلك السجن (كاص) الذي لم يفتأ يستقبل الشرفاء الرافضين لسيطرة الإدارة الاستعمارية أو الخنوع لأعوانها المحليين واستقبال الضعفاء من الرافضين لدفع الضرائب الجائرة التي تأخذ على الإنسان، والبقرة، والجمل، والشاة، والحمار، لخزينة المستعمر إنها الذكريات الأليمة التي لا تنسى فقد روتها الجدات في حكايات السمر! فهل ننسى طابور السجناء الشرفاء يحملون اللبن على رءوسهم لبناء منازل المحتلين وخدمهم؟ أم هل ننسى نظام السخرة للناس والدواب لتوفير التموين للمحتلين (كويه) أم هل ننسى شرفاء سجنوا على ابتسامتهم يوم دخول الجيش الألماني باريس؟ لأنهم غير معنيين بهذا الأمر. وكم اختلقت إدارة الاستعمار في هذا المركز في هذا المركز من صراع اجتماعي بين السكان حينما تلزم المحصل (شف) بفرض المزيد من الضرائب وزيادة قائمة الدافعين عن طريقه وهو يؤدي إلى المشاكل بينه وبين الممتعضين منها، وكذلك الصراعات بين من يكون (شيف جنرال) أو (شيف افركسيوه) رئيسا عاما أو رئيس فخذ ولا أطرف من نطق الناس لكلمة (شيف) بسيف لأنه سيف مسلط من طرف الاستعمار.
إنها المشكلات التي يمكن أن تحدثنا عنها قصة الخوبة وسجنها البغيض فهل نسائله عن من دخله من شرفاء الموقف؟ أم نسائل إدارة الاحتلال عن تفكيك بنيتنا وتكاملنا الاجتماعي.
سادسا: إن بداية ونشأة هذه المدينة عهد لا يشرف أيا من ساكنتها اليوم ولا يدعو إلى التذكر والتخليد إلا من جانبه الأليم، والدعوة إلى طلب التعويض المادي والمعنوي من المحتل الفرنسي والاعتذار لسكان "اركيبه" وولاية العصابة عما لحقهم من أذى في هذا المركز الذي لم يخلف المحتل فيه من بنية تحتية إلا ذلك الحائط المقام على قتلاه (موتى النصارى) والذي حوله أهل كيفه بعد ذلك إلى (مدرك للحمير).
أما أن يتنادى الأطر والمثقفون والأعيان لتخليد ذكرى إقامته فهو موقف لا يفهم إلا أنه نوع من التباكي على الاستعمار وذكرياته البغيضة فهل نقبل لأنفسنا أن نكون كذلك؟ ونتساءل عن المحاظر والمكتبات والزوايا والحضارات التي أنشئت وتكونت داخل هذا المركز الاستعماري؟ ومن هم الرجال العظام الذين سخروا الطبيعة وفجروا الأرض عيونا وثمرا وسادوا بأفعالهم وساسوا حياة الناس داخل هذه المدينة؟ هذه الصفات هذه الشخصيات موجودة في المنطقة في القرى والواحات وفي النواحي والبوادي، وقد أصبح أهلها يشاركون في حياة المدينة ولا كنهم لا يحتفون ولا يحتفلون بمركز وتاريخ الاستعمار، بل يمكن أن يشاركوا في تنمية المدينة وفي إعطائها الوجه الحضاري الذي تصبح بموجبه مدينة أصيلة بعد أن كانت دخيلة.
وعليه فإنني أقترح على أصحاب هذه المبادرة لتكون مقبولة وذات قيمة حضارية وثقافية تحظى بدعم الجميع أن:
أ- أن يعلنوا تعليق هذا النشاط وتغيير عنوانه ليصبح (ذكريات الثقافة والتكامل الاجتماعي في منطقة "اركيبه")
ب-ويكون أول نشاط يقام به إقامة نصب تذكاري وضريح متميز للأمير الشهيد بكار ولد اسويد أحمد الذي استشهد على بعد حوالي 30كلم من هذا المكان في رأس الفيل مدافعا من سيادة وشرف الأمة.
ج-إعداد مدونة عن التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة.
د- تراجم لأعلام المنطقة من ذوي المراكز العلمية والسياسية والروحية والاقتصادية بالتركيز على مقاومة الاستعمار بجانبيها العسكري والثقافي والسياسي.
هـ- إقامة مكتبة ومتحف لتجميع التراث الدال على تميز المنطقة وعطائها الإنساني.
و- تنظيم حوار ثقافي وعلمي حول تنمية المدينة وتوجيهها الوجهة التي يبتغيها الجميع.
ز- مطالبة فرنسا بالاعتذار عن احتلال المنطقة وتعويض ورثة المرحوم "بابو" عن تغيير اسم المكان المعروف به.
وهذا يتمكن أصحاب هذه المبادرة عن أنفسهم بعمل حضاري يسجل لهم ويعرفون من خلاله كدعاة للسيادة والحضارة والكبرياء وخدمة المجتمع دون إثارة ونكإ جراح لما تندمل وتخليد ذكريات الاطهاد في عهد تسود في الغرب تيارات متطرفة تطمح إلى الاحتلال وتكره الآخرين مثل اليمين المتطرف في فرنسا، والمسيحيون الجدد في أمريكا، والعولمة ذات الأنياب حسب تعبير الشاعر أحمدو ولد عبد القادر ولا أعتقد أن ضمائركم إخوتي من أبناء هذه المنطقة ستسمح لكم بالسفول إلى هذا الدرك من التبعية ومكافئة المعتدي على عدوانه وليس بمقدور أي منكم أن يزيف الحقائق التاريخية ويدعي ما ليس له، والأدهى أن يشهد بالزور على الزور ويستدعي علماء أو شخصيات كبار لحضور ذكريات الألم والمذلة.
فكيفة الحالية كمدينة لنا جميعا ولكننا لا نحتفل بذكرى إقامتها لما فيها من دواعي الخجل.
فلا أحد يحتفل بذكرى احتلال بلده.
الذكرى المئوية للاحتلال الفرنسي البغيض لمنطقة (اركيبه)
محمد المختار ولد المصطفى
في وقت ترتفع فيه الأصوات عالية ضد العولمة والهيمنة والاحتواء والتبعية والانضياف، بحثا عن الذات والخصوصية والتميز الحضاري، يجري الحديث هذه الأيام عن تحرك عناصر من سكان منطقة اركيبه ومدينة كيفه وولاية العصابة، لما أسموه الذكرى المئوية لتأسيس مدينة كيفه، ولأنني أحد سكان هذه المنطقة وأحد المهتمين بالعلوم الإنسانية والتاريخ الاجتماعي والحضاري، فقد تعينت علي المساهمة في توجيه مسار هذا الجهد لكي لا يستمر الخطأ، ورغم أني لا أعرف الدوافع الحقيقية من وراء الفكرة إلا أنني أعتقد أن حسن النية والسعي إلى تنوير السكان بماضيهم ربما هو المحرك الأساسي للتفكير في هذا الموضوع، ولكن قيل في الحكم الشعبية أن (التخمام قبل الكلام)
(الرأي قبـل شجـاعة الشجــعان فهو أولا وهـي في المحـل الثاني)
فالشعوب تخلد ذكرياتها الجميلة وتتأمل وتتألم للذكريات المأساوية وهي مناسبة من واجب الباحثين والمؤرخين أن يسجلوا ما لديهم من أخبارها لتتجلى الذكريات وتقام على الحقائق، وعلى افتراض حسن النية أعلاه فإنني ألفت انتباه أصحاب الفكرة، والساعين لتنفيذها، والذين ينوون الاشتراك فيها، إلى الملاحظات التالية ليكونوا على بينة من أمرهم:
أولا: إن سكان "أركيبه" لم يألفوا الاستقرار وإنما كانوا بدوا رحلا ينتجعون خلف مواشيهم في مجال رحب يقودهم الظعن جنوبا إلى "كديماغا" وضفاف النهر و"خاي" بأرض مالي وغربا إلى "آفطوط" و"كوركل" و"فوت" والشمال أوكار و"تكانت" والشرق "أفل"و"الحوض".
ولم تكن هناك، على الأقل، في بداية القرن العشرين قرى أو مدن اللهم إلا بعض الواحات القليلة، وقد أختار السكان طريقة عيشهم وسيروا حياتهم الاجتماعية في هذا المحيط بتكامل وانتظام فعرفوا السادة الأبطال، والعلماء الأفذاذ، والأولياء الكمل، والأثرياء المنفقون، كما ظل ارتباطهم بهذا المجال قويا بما تدل عليه المقابر، والروايات الشعبية، والآثار الأدبية، بالشعر العامي والفصيح، ولهذا التاريخ ذكرياته الجميلة لأنه من صنع السكان الأصليين وينتمي إلى حضارة الأمة.
ثانيا: تشكل منطقة كيفه المالحة (حاسي الطلحايه، عطف، أكورار) نقطة تلاق سنوي يرتادها الرعاة لملوحة المياه ذات الجودة في منظور البيطرة التقليدية وهي مكان تواجد مجموعات مختلفة من ساكنة المنطقة مما تدل عليه مقبرة حاسي الطلحاية، ولموقعها الوسط في مركز دائرة الانتجاع المشار إليها أشارت عيون الاحتلال المتمركز في تجكجة باتخاتذها نقطة عسكرية للاحتلال وذلك لإحكام السيطرة على المقاومة الوطنية، والاقتراب من الثروة الحيوانية الطائلة لزياد عائدات الضرائب لخزينة المحتل، وربط إدارة الاحتلال بمراكزها في الجنوب والجنوب الشرقي.
ثالثا: عندما لم يتوفر للغزاة مصدر ماء عذب بحثوا عن أقرب نقطة ماء إلى المنطقة فوجدوا على بعد 15كلم تقريبا "احسي بابو"، فقرروا عندئذ تدنيسه بنقل المركز إليه بعد أن كان منهلا للرعي وموئلا لأنشطة اقتصادية واجتماعية طيبة وآمنة، ومكانا لتلاوة كتاب الله، وممارسة الحياة الكريمة، فأحالوه إلى مركز لإدارتهم العسكرية وأطلقوا عليه اسم المكان الأول (كيفه) ربما لشهرتها بالثروة الحيوانية وكثرة مرتاديها سنويا أو للعدول عن اسم "بابو" لطمس الاسم المحلي للمكان.
رابعا: حينما أقام المحتلون مركز سيطرتهم لم يكن معهم إلا حرسهم وتراجمهم وبعض الخدم الذين استقدموهم سخريا من المستعمرات المجاورة، لأن أهل الأرض رافضون لخدمة المحتلين، وللبحث عن مجال سكاني يحتمون به من هجمات المقاومة المحتملة، وعونهم على توفير الخدمات التي هم بحاجة إليها، فقد مارسوا الضغوط على السكان قصد التقري في المكان وظلت الممانعة هي السمة العامة إذ لم يسجل ولد في المدرسة إلا قسرا أو ما يعرف بـ (فرص) فكم أخفيي من ولد عن مدرسة المحتلين؟ أو دوري عنه؟ وقد استغلوا نقطة ضعف في ثقافة الناس "ممارسة العبودية الممقوتة" فقبلوا إيواء الفارين من قبضة الاسترقاق التي يمارسها عليهم فقراء الناس والضعفاء وذلك لاستخدامهم لدى إدارة الاستعمار وأعوانها في المركز الجديد، أما المسترقون والمطهدون من قبل أصحاب النفوذ والحظوة من محصلي الضرائب للمحتلين فقد كانوا يعادون عنوة إلى جلاديهم ولا يمكن أن يفكروا بعد ذلك في الاستفادة من الكلمة الجوفاء (ليبرت) فكم من مستجير بالإدارة الاستعمارية في هذا المركز لم تجره استجابة لتخل أحد أعوانها ومخبريها المحليين؟ وإلا فلماذا مازالت آثار العبودية قائمة لحد الآن بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال وقرابة ذلك من الاستقلال أو شبهه؟.
خامسا: لقد ظل هذا المركز الاستعماري وتلك الدار المعروفة محليا بـ (الخوبه) مكتب (كوماند) الحاكم الفرنسي رمزا للخوف والهيمة والشر في تلك المنطقة الطيبة، ومن أبرز المعالم والآثار التي خلفها هؤلاء المحتلون في تلك المدينة بعد (الخوبة) أو (الخوفه) ذلك السجن (كاص) الذي لم يفتأ يستقبل الشرفاء الرافضين لسيطرة الإدارة الاستعمارية أو الخنوع لأعوانها المحليين واستقبال الضعفاء من الرافضين لدفع الضرائب الجائرة التي تأخذ على الإنسان، والبقرة، والجمل، والشاة، والحمار، لخزينة المستعمر إنها الذكريات الأليمة التي لا تنسى فقد روتها الجدات في حكايات السمر! فهل ننسى طابور السجناء الشرفاء يحملون اللبن على رءوسهم لبناء منازل المحتلين وخدمهم؟ أم هل ننسى نظام السخرة للناس والدواب لتوفير التموين للمحتلين (كويه) أم هل ننسى شرفاء سجنوا على ابتسامتهم يوم دخول الجيش الألماني باريس؟ لأنهم غير معنيين بهذا الأمر. وكم اختلقت إدارة الاستعمار في هذا المركز في هذا المركز من صراع اجتماعي بين السكان حينما تلزم المحصل (شف) بفرض المزيد من الضرائب وزيادة قائمة الدافعين عن طريقه وهو يؤدي إلى المشاكل بينه وبين الممتعضين منها، وكذلك الصراعات بين من يكون (شيف جنرال) أو (شيف افركسيوه) رئيسا عاما أو رئيس فخذ ولا أطرف من نطق الناس لكلمة (شيف) بسيف لأنه سيف مسلط من طرف الاستعمار.
إنها المشكلات التي يمكن أن تحدثنا عنها قصة الخوبة وسجنها البغيض فهل نسائله عن من دخله من شرفاء الموقف؟ أم نسائل إدارة الاحتلال عن تفكيك بنيتنا وتكاملنا الاجتماعي.
سادسا: إن بداية ونشأة هذه المدينة عهد لا يشرف أيا من ساكنتها اليوم ولا يدعو إلى التذكر والتخليد إلا من جانبه الأليم، والدعوة إلى طلب التعويض المادي والمعنوي من المحتل الفرنسي والاعتذار لسكان "اركيبه" وولاية العصابة عما لحقهم من أذى في هذا المركز الذي لم يخلف المحتل فيه من بنية تحتية إلا ذلك الحائط المقام على قتلاه (موتى النصارى) والذي حوله أهل كيفه بعد ذلك إلى (مدرك للحمير).
أما أن يتنادى الأطر والمثقفون والأعيان لتخليد ذكرى إقامته فهو موقف لا يفهم إلا أنه نوع من التباكي على الاستعمار وذكرياته البغيضة فهل نقبل لأنفسنا أن نكون كذلك؟ ونتساءل عن المحاظر والمكتبات والزوايا والحضارات التي أنشئت وتكونت داخل هذا المركز الاستعماري؟ ومن هم الرجال العظام الذين سخروا الطبيعة وفجروا الأرض عيونا وثمرا وسادوا بأفعالهم وساسوا حياة الناس داخل هذه المدينة؟ هذه الصفات هذه الشخصيات موجودة في المنطقة في القرى والواحات وفي النواحي والبوادي، وقد أصبح أهلها يشاركون في حياة المدينة ولا كنهم لا يحتفون ولا يحتفلون بمركز وتاريخ الاستعمار، بل يمكن أن يشاركوا في تنمية المدينة وفي إعطائها الوجه الحضاري الذي تصبح بموجبه مدينة أصيلة بعد أن كانت دخيلة.
وعليه فإنني أقترح على أصحاب هذه المبادرة لتكون مقبولة وذات قيمة حضارية وثقافية تحظى بدعم الجميع أن:
أ- أن يعلنوا تعليق هذا النشاط وتغيير عنوانه ليصبح (ذكريات الثقافة والتكامل الاجتماعي في منطقة "اركيبه")
ب-ويكون أول نشاط يقام به إقامة نصب تذكاري وضريح متميز للأمير الشهيد بكار ولد اسويد أحمد الذي استشهد على بعد حوالي 30كلم من هذا المكان في رأس الفيل مدافعا من سيادة وشرف الأمة.
ج-إعداد مدونة عن التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة.
د- تراجم لأعلام المنطقة من ذوي المراكز العلمية والسياسية والروحية والاقتصادية بالتركيز على مقاومة الاستعمار بجانبيها العسكري والثقافي والسياسي.
هـ- إقامة مكتبة ومتحف لتجميع التراث الدال على تميز المنطقة وعطائها الإنساني.
و- تنظيم حوار ثقافي وعلمي حول تنمية المدينة وتوجيهها الوجهة التي يبتغيها الجميع.
ز- مطالبة فرنسا بالاعتذار عن احتلال المنطقة وتعويض ورثة المرحوم "بابو" عن تغيير اسم المكان المعروف به.
وهذا يتمكن أصحاب هذه المبادرة عن أنفسهم بعمل حضاري يسجل لهم ويعرفون من خلاله كدعاة للسيادة والحضارة والكبرياء وخدمة المجتمع دون إثارة ونكإ جراح لما تندمل وتخليد ذكريات الاطهاد في عهد تسود في الغرب تيارات متطرفة تطمح إلى الاحتلال وتكره الآخرين مثل اليمين المتطرف في فرنسا، والمسيحيون الجدد في أمريكا، والعولمة ذات الأنياب حسب تعبير الشاعر أحمدو ولد عبد القادر ولا أعتقد أن ضمائركم إخوتي من أبناء هذه المنطقة ستسمح لكم بالسفول إلى هذا الدرك من التبعية ومكافئة المعتدي على عدوانه وليس بمقدور أي منكم أن يزيف الحقائق التاريخية ويدعي ما ليس له، والأدهى أن يشهد بالزور على الزور ويستدعي علماء أو شخصيات كبار لحضور ذكريات الألم والمذلة.
فكيفة الحالية كمدينة لنا جميعا ولكننا لا نحتفل بذكرى إقامتها لما فيها من دواعي الخجل.
فلا أحد يحتفل بذكرى احتلال بلده.







