تاريخ الإضافة : 04.11.2008 10:03

شعرة معاويـــة

محمد يسلم ولد أعمر/ ضابط سابق

تمر في هذه اللحظات ذكرى قيام حركة التصحيح التي قادها المجلس الأعلى للدولة بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز، تلك الحركة الموصومة من طرف خصومها (بانقلاب الجنرالات على الديمقراطية)!.
وتحاشيا لإشكالية : من انقلب على من؟... يظل من واجب كل مواطن متبصر وغيور على مصالح بلاده، أن يتوخى الدقة ويحاول أن يحكم على ما جرى بروية وإنصاف...
بحيث يكون من ذلك أن يذكر أولئك الذين انخرطوا في سباق ساخن، للنيل من سمعة المؤسسة العسكرية وقائدها الجديد: الجنرال محمد ولد عبد العزيز، بالظروف التي عاشتها البلاد تحت حكم ظالم وفاسد، يئس الجميع من زحزحته على مدى ثلاثة عقود متواصلة، إلى أن أقدمت هذه المؤسسة على الإطاحة به بكل هدوء ومسؤولية، مدشنة بذلك عهدا من التسامح والانفراج السياسي، لا زلنا نتفيئ ظلاله إلى اليوم، رغم ما يجري من مزايدات وتنابز...
وأغرب ما يلفت انتباه المرء في هذه الأزمة، ما كان من الثنائيات..
(محمد ولد مولود + ولد بدر الدين) و (الخليل ولد الطيب + ولد الناتي)، و(محمد جميل منصول + ولد وديعه)، من تطرف قد شغلهم عن المشاركة في البحث عن حل مناسب لمشكل ما فتئ يتفاقم باضطراد، ويبدوا أنهم للأسف قد انغمسوا في بطون معجمات اللغة العربية لاستخراج ما تزخر به من مترادفات في غرض الهجاء، بشكل تنافسي، متخذين من قناتي العربية والجزيرة منابر على غرار سوقي عكاظ وذي المجنة، لعرض مطولات من التشكيك والتحريض، والتجريح، وكأنما هي مسابقة لنيل جائزة أمير الشعراء (القدح والتقريع)، بأسلوب مناف للذوق السليم، ومقتضيات الكياسة، واللباقة، والترفع، ولولا ما يمتلكه المعنيون من فصاحة ومقدرة بلاغية مشهودة، لنزل بهم التشنج إلى منزلق لا يحسدون عليه، مستهدفين بشكل واضح مكانة المجلس الأعلى للدولة وشخصي الجنرالين محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الشيخ محمد أحمد (الغزواني).
لقد ذهب بهم الشوق لعودة الرئيس السابق إلى إغفال حقيقة أن هذين الجنرالين يعود لهما الفضل الأول في مجمل التغيرات الجذرية، بعد انقلاب 3 أغشت 2005.
هذا على الأقل ما يقول به أغلبية المهتمين بشؤون البلاد، لدرجة أن هؤلاء المهتمين يحاججون بالقول: أنه لولاهما لما كان للسادة أعضاء الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية كل هذا الحضور، والسطوة على الساحة السياسية الوطنية، والذي قد يدفع ببعضهم إلى مزيد من التصلب، والركون لحسابات خاطئة لن تجلب على البلاد إلا الخراب.
وإلا كيف يفسر المرء ما ذهب إليه السيد/ عمر ولد يالي من تهديد ووعيد وهو يخطب في أحد اجتماعات الجبهة، رغم ما عرف عنه من اتزان، بالإضافة إلى ما يفترض فيه من تجربة سياسية ومهنية كموظف سابق محال إلى المعاش، استوزره السيد الرئيس السابق/ سيدي ولد الشيخ عبد الله عن حزب التحالف الشعبي التقدي، كسابقة من سوابقه التي أثارت الكثير من الشكوك حول مصداقية خياراته، وخاصة في مجال التعيينات، فمن غريب الأمور أن يكلف المرء بشأن عام، وهو ينعم بمعاش مستحق بعد خدمته لوطنه، وبلوغه سن الشيخوخة!.
إلا أنه يحق لنا أن نسأل السيد الوزير عن مدى جدية ما تفوه به من وعيد؟
أو لا يعلم أن أساليب التلويح بالشارع والاحتكام له قد أفلست عندما انقطع حبل الود الرفيع الذي كان يربط بعض الرموز السياسية وقواعدها الشعبية؟.
حيث انصرف الناس في المدن والأرياف لمزاولة أنشطهم الاقتصادية المعهودة، بعد ما ضاقوا ذرعا بنخب صادرت إرادتهم منذ مطلع التسعينيات دون أن يخلفوا ما يذكرهم به التاريخ من إنجازات! سوى ما كان من مساهمتهم في القضاء على ثوابت هذا البلد الإسلامي الأصيل، تملقا لأنظمة فاسدة! أو تمالأ مع أجنبي طامع ومتربص!.
وهاهم اليوم بعد ما عمروا وأشرفت مشاريعهم على الإفلاس يقدمون على إحراق مراكبهم وييممون وجوههم شطر الخارج كملاذ أخير لما يعتقد من إيمان هذا الأخير، بقيم إنسانية مجردة ومطاطة في آن، قد يدافع عنها تارة ويغمض عنها الطرف أحيانا أخر، حسب مقتضيات الصراع المحتدم حول المصالح والنفوذ...
"ويبقى مع ذلك أنه قد يكون في حديث الرجل شيء من التبزكي"، فله منا كل العذر...
غير أنه يظل من المفيد أن يتذكر جميع الفرقاء أن الاستقواء بالخارج كان على الدوام سيفا ذا حدين قد يطيح برأس من يلوذ به قبل سواه ولن يجر على البلاد في المحصلة سوى الحسرة والرماد.
"وعلى من يريد أن يعتبر أن يقرأ التاريخ وهو خير معلم وأوفى مرشد".
وللتاريخ أيضا نقول دون مواربة أن آمالا عراضا قد عقدت على المسار الذي انتهى بانتخاب السيد/ سيدي ولد الشيخ عبد الله رئيسا للجمهورية، ودون الغوص في تفاصيل عشناها كشهود أو مشاركين في تلك العملية المتعددة القراءات.
غير أنه في زحام هذه الأحداث، يبقى من المؤسف أن بعض الجهات السياسية قد أصيبت بفقدان ذاكرة مفاجئ أو أنها تتعمد دفن رؤوسها في الأوهام ؟.
أو لم يتخلى السيد/ سيدي عن قوى التغيير التي جاءت به ورفعته إلى أعلى منصب سياسي قد يتمناه المرء في الحياة؟.
أفتروه ظن أن هذا التيار القوي كانت تدفعه مشاعر عاطفية؟
أم أن هذا الدعم كان بسبب منزع صوفي باطني تفرضه طقوس المشيخة وما تستحقه على المريدين من واجب الطاعة وفروض التفاني؟.
أم تراه ظنها كرامة من كرامات الأولياء الصالحين؟.
فإذا كان هذا ما اعتقده السيد الرئيس فقد أخطأ للأسف الشديد.
ففي السياسة البروكماتية، وعلى الطريقة الغربية وكما هو معلوم ومتفق عليه وموثق، لا يسعى الناس إلا لما هو دنوي بالدرجة الأساس ...
وقد بات من المعروف أن هذا التيار ومن ضمنه أعضاء في المجلس العسكري السابق لم يتبنوا السيد/ سيدي إلا عندما أصبح واضحا أن الرئيس السابق (رئيس المجلس العسكري) آنذاك قد استطاب به المقام في القصر (وأرادها لنفسه) -خطاب البطاقة البيضاء-، ثم ما لبث بعد ذلك أن تبنى مرشحا آخر يدعمه في ذلك المسعى مجموعة من ضباط المجلس، وكانت الغلبة في النهاية للتيار الذي استطاع أن يحشد خلفه أكبر التحالفات على الساحة الوطنية في حينه، تلك التحالفات التي لا يوجد منها في جبهة المطالبة بعودة الرئيس السابق، اليوم سوى حزب التحالف الشعبي التقدمي!.
بيد أن القشة التي قصمت ظهر هذا التحالف المهلهل كانت يوم قرر السيد سيدي إقصاء جل القوة التي ساندته! والاعتماد على مجموعات من النظام الأسبق أو ما أصبح يعرف برموز الفساد -ــ مع تحفظي على استخدام كلمة (رمز) في هذا السياق، إذ المعروف أن مصطلح (رمز) لا يضاف له إلا الجميل من القول والصفة، كقولنا رمز الصدق والجمال والوفاء والقوة ....إلخ.
فكان الأحرى أن يوصفوا بتيار الفساد، أو برؤوس التخريب أو زعماء النهب ... إلى آخر الأوصاف الدالة على ما يستهجن من الأفعال المذمومة عند العرب والمسلمين.
ومن ثم استنجد بأحزاب كانت على الطرف الآخر من العملية، لدرجة أن زعماءها نافسوه في الانتخابات الرئاسية ويتبنون مشاريع مغايرة تماما لمشروعه الانتخابي!.
فما معنى الإتيان بهم وتقريبهم إن لم يكن إقصاء للطرف الحليف الذي وجد نفسه فجأة مهمشا على المستويين التشريعي والتنفيذي.
وبذا يكون السيد/ سيدي قد أخل بشكل سافر بقواعد اللعبة الديمقراطية المنشودة، وخيب آمال أولئك الذين بذلوا كل غال في سبيل تمكينه من مقاليد السلطة في البلاد...
ويبدوا منطقيا قول البعض والحالة هذه أن السيد/ سيدي كان قد تم اختطافه مبكرا من طرف تلك المجموعات الآنفة الذكر، وبدعم من امتدادات لها في أحزاب أخرى والتي ستلحق بها فيما بعد لتشكل معا فسيفساء أراد أن يحكم بها، متناسيا حقيقة جوهرية وهي أن الأقلية ومهما تعددت مصادرها ومشاربها تبقى دوما أقلية، وأن مصادر القوة تظل إلى جانب من يملك أكثر الأصوات... ذلك ما قضت به سنة الديمقراطية التعددية على الأقل...
لذا لن يلوم أصحاب النظرة الضيقة حتما أعضاء هذه الجبهة إذا ما استماتوا في سبيل عودة الرئيس السابق، وبالمقابل عليهم أن لا يلوموا كذلك تلك المبادرات والتيارات العريضة، والتي وقفت خلف حركة السادس من أغشت 2008، لما تطرحه من رأى وخيارات واعدة، ومطمئنة على مستقبل أكثر وضوحا...
وغني عن التذكير أننا كمواطنين بسطاء، لا يهمنا من أمر السياسة إلا ما ينعكس إيجابا على حياتنا اليومية، وأخشى ما نخشاه في هذه الأيام أن تتحول موارد البلاد المنهكة أصلا بفعل الفساد عن مسارها الصحيح، والمتمثل في وضع أسس سليمة لتنمية حقيقية، تنهي سنوات الفقر والحرمان والتهميش التي عانينا منها طويلا، إلى تغذية صراع سياسي عقيم لن يستفيد من ورائه سوى قلة من السياسيين الفاشلين.
إن المواطن الموريتاني اليوم يريد مزيدا من المياه الصالحة للشرب. ومزيدا من السدود. والأراضي المستصلحة. وشبكات طرق فعالة ومصانة، تفك العزلة عن المدن والقرى النائية. ويتطلع إلى مزيد من الطاقة الكهربائية الرخيصة، ويتمنى اليوم الذي يصبح التعليم فيه أداة للتنمية والتقدم، وتنتهي سنوات الجهل والتجهيل.
ويتطلع كذلك إلى توفير بنية صحية عصرية تقضي على الأمراض والأوبئة، في كل أنحاء البلاد، وينتظر أن ترتفع قوته الشرائية من خلال توفير مزيد من فرص العمل، ليعيش برفاهية وكرامة يستحقها كمواطن عزيز في وطنه.
ويلح بإسرار على ضرورة أن يصان أمنه الشخصي وأمن ممتلكاته في الداخل والخارج.
إنه ببساطة شديدة يصبوا إلى توزيع عادل لثروة هذه البلاد، دون إبطاء ولا تسويف.
فهل نحقق له ما يتطلع إليه في ظل سيدة مدللة اسمها (الديمقراطية) يحاول البعض أن يضعها كهدف ينبغي أن تناضل الشعوب من أجدل تحقيقه لذاته فحسب... وهي في الحقيقة ليست سوى طريقة مدنية من اشتهادات البشر قد تمكن سكان إقليم معين من التناوب السلمي على السلطة، وإشاعة جو من العدالة، والشفافية، والحكم الرشيد؟؟؟.
إلا أنها دون ذلك لن تكون سوى طريقة ممنهجة لإهدار موارد البلاد، بفعل تعدد المؤسسات الدستورية وتشعبها، وما يسبقها من عمليات اقتراع وانتخاب كلما انتهى منها فصل، يعود ليلد فصلا جديدا مكلفا موارد هائلة!، لو أنفقت بشكل صحيح على التنمية لغيرت وجه البلاد بشكل جذري.
إن المواطن وكما يقول أهل السياسة هدف كل تنمية وغايتها ووسيلتها في آن معا، وهو في الوقت نفسه ينجذب إلى القائد الصريح والمباشر ويحكم على الأمور بنتائجها، وكان لظهور الجنرال محمد ولد عبد العزيز في بعض المناسبات تأثير قوي على آراء الكثير من المواطنين، حيث يبدوا أن الرجل يتمتع بتلك الصفات الضرورية للزعامة، والتي من أولها الحسم في الشؤون التي ترتبط بمصالح الناس.
وكما قال الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور :
(إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا)...
بيد أنه يظل من المجازفة الحكم على مرحلة انتقالية لم تعمر سوى شهرين، على أنه بات من الجلي أن البلاد قد دخلت دون أدنى شك، حقبة تدل كل المؤشرات على تميزها بالمباشرة، والشفافية، وذلك من خلال مخاطبة المواطنين بلغة يفهمونها، وما يتم في هذه الأثناء من تسخير لموارد الدولة بشكل فعال لصالح الطبقات الأكثر احتياجا، في أنحاء متفرقة من الوطن، فكلنا يتذكر عبر السنوات الماضية ما كانت تقدم عليه مفوضية الأمن الغذائي من إحراق للتالف من الحبوب رغم حاجة الناس الماسة للغذاء والمساعدة...
ويبقى أن بلدنا اليوم في أمس الحاجة إلى جهود الخيرين من أبنائه، ليصلوا به إلى أرضية من التراضي والتوافق، والتسامح، بعيدا عن أجواء الاحتقان...
ويظل أملنا معلقا على أن لا تنقطع (شعرة ابن أبي سفيان)، رغم ما تقوم به بعض أطراف الأزمة من شد وتصعيد، فبانقطاعها تكون البلاد قد خطت بشكل لا رجعة فيه نحو هوة سحيقة تنهي وإلى الأبد حلم إنشاء دولة إسلامية عصرية متصالحة مع تاريخها، وتتبنى القيم الإنسانية الفاضلة، لتستحق بجدارة، حمل ميراث دولة المرابطين المجاهدة.
ولن يكون ذلك إلا بإقصاء من يطمحون إلى أن تعود البلاد لحقبة السيبة وانفراط عقد السلم الأهلي، وفق حكمة الشاعر الحمداني (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر...)!
انواذيبو : 06/أكتوبر/2008


المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026