تاريخ الإضافة : 03.11.2008 17:02
حتى لا نحمل سلفنا إثم ما اقترفناه بأيدينا
محمد يحيى ولد محمد
طالعت في عدد الأمل الجديد رقم 496 الصادر يوم 2-11-2008 مقالا للأستاذ لمرابط ولد محمد لخديم ضمن سلسلة بعنوان ( هل تخلص الأزمة الحالية موريتانيا من ثقافة لفريك ) حاول فيه الكاتب الفاضل معالجة ظاهرة التقسيم الطبقي الذي عرفته موريتانيا قديما مع التركيز على تحليل وظائف تلك القسمة و ملابساتها وتأثيرها على الواقع المعاصر كل ذلك بأسلوب قريب و سياق رصين ينم عن ثقافة واسعة و اهتمام عال إلا أن الكاتب اعتمد في دراسته كثيرا من الأحكام المتعلقة بنشأة تلك الظاهرة و ما تحمله من معالم و دلالات و التي لم يقف لها علي حقيقة ولا قتلها خبرة وعلما وإنما اعتمد في تصورها علي آراء المستشرقين وأذناب الاستعمار الذين ينظرون إلي مجتمعنا من وراء حجاب الجهل والعداوة .
والواقع أن تحليل هذه المفاهيم وتفسيرها ما يزال بحاجة إلى التمحيص و البحث العلمي الجاد و تحقيق خفاياها في ضوء الاستقراء الأغلبي أو الكلي بعيدا عن الأحكام الجاهزة و التنظيرات الذهنية التي لا تسمن ولا تغني .
إن القسمة الثنائية بين (حسان المحاربين – و الزوايا المتدينين ) ليست من خصائص مجتمعنا و إن كانت من أهم ملامحه و أشدها تأثيرا بل هي منتشرة في عموم المجتمعات البدوية الإسلامية في الجزيرة العربية و مصر و الشام و المغرب العربي بشكل متماثل وأسماء متباينة.
إلا أن مجتمعنا كانت له خصوصياته في هذا المجال و هو الشعب البدوي الوحيد من شعوب العالم الذي يملك ثقافة واسعة وصلت إلى حد التدوين والتأليف الأكاديمي العالي كما نبه عليه العلامة البحاثة الأستاذ محمد ولد مولود الشنافي.
ومن أبرز هذه الخصوصيات أن هذه القسمة لم تقع على أسس عرقية أو سلالية بل ظلت قسمة وظيفية يمتلك الفرد فيها تحديد وظيفته و تجديد انتمائه متى شاء وقد رافق ذالك تغيير ونقل عرفي لدلالة الأسماء العرقية و النسبية التي استخدمت في التعبير على هذه الطبقات إلى أسماء وظيفية مهنية لا تلمح نسبا ولا تدل على أصل فأصبح اسم" عرب" -الذي هو في الأصل دال على البداوة والانتجاع - علما لكل من يحمل السلاح و يلتزم قيم المروءة و حفظ العهد ولو كان من صنهاجة كقبائل إدوعيش ومشظوف ولادم ... ويرادفه في هذه الدلالة اسم (حسان) - الذي هو جذم من قبائل عرب المعقل -في الاستعمال العام وربما ا ستعمل هذا الأخير علما على القبائل المغلوبة التي تحمل السلاح و لا تلتزم القيم السالفة ليتقاطع في دلالته هذه مع إسم آزناكه في بعض الجهات.
كما أخذ أصحاب الحرفة الدينية أسماء وظيفية تلمح إلى العلم بدءا من "داشفاغ =الفقهاء" وهو الاسم الصنهاجي القديم لهذه الفئة إلى "الزوايا والطلبة "وهي الأسماء الحديثة لها .
وكان من خصائص مجتمعنا المحمودة أيضا أن فئة الزوايا التي تمتهن العلم وتعمير الأرض وتمثل الركيزة الأساسية لحضارة البلاد ونتاجها المعرفي والثقافي لم تكن فئة مغلقة ولا اختصاصا محتكرا بل ظل منتسبوها في تزايد على حساب الفئات الأخرى فانتشرت ظاهرة التوية والتخلي عن السلاح بين مختلف القبائل المحاربة.
وظلت قيم" التزاويت " والتنسك ترجح وتنتشر خصوصا في الشريط الجنوبي من البلاد الذي هو مركز الكثافة السكانية والإشعاع العلمي الكبير.
وفي دراسة سابقة توصلنا إلى أن حوالي 50 في المائة من المنحدرين من قبائل بني حسان قد التحقوا بالزوايا ونحن نعلم أن عددا كبيرا من هؤلاء كانوا علماء أجلاء من أمثال الحاج الحسن الزيدي ومحمد يحي الولاتي وصالح بن عبد الوهاب ومحمد بن موسى بن إيجل وسيد محمد بن اعل ومحمد مولود بن الناهي والطالب عبد الله بن الحاج الرقيق و عشرات غير هؤلاء ... وأكثر من ذلك فإن بعض القبائل تحولت إلى زوايا بالفعل والوظيفة من غير أن تحسب في عداد الزوايا مثل قبيلة أولاد داود بن عروق التي امتهنت التجارة والتكسب الحلال وتعلم العلم وتخلت عن الغزو وظلت مع ذلك تحمل السلاح وتحسب في عداد العرب.
والواقع أن عامة سكان موريتانيا كانوا محافظين على شعائر الإسلام من صلاة وصيام وزكاة متشبثين بتعظيم حرمات الدين يرجعون إليه في عقودهم ومعاملاتهم وأنكحتهم ويرفعون نزاعاتهم إلى القضاة الشرعيين سواء في ذلك الزوايا وحسان ولم يكن يخلو حي من حسان من عالم أو متفقه يؤم مسجده ويشرف على إقامة الشعائر فيه .
ولقد كان كثير من رؤساء القبائل المحاربة على جانب كبير من التدين والعبادة والنسك كما يحكى عن عثمان بن اعل بابي العيشي الذي وصف سدوم بن انجرت خشوعه في الصلاة وقنوته للواحد الأحد في قصيدته الزجلية التي يقول فيها :
وغفر ذنب أخيار حلتنا عثمان ### ال في الغفران يحظيه امدبر
بالتوحيد والصوم فماي رمضان ### بالجوارح كاملات الين يفطر
وكان فطر زاد ما يعمد عصيان ### وبأهل الذنب الخادمين متمنكر
ومثل أحمد دي بن بكار ومحمد بن محمد شين وأحمد بن المختار بن محمد شين والأمير الشهيد بكار بن أسويد أحمد وأبو بكر بن هنون الكوري وسيد احمد بن محمد بن أحمد عيدة المعروف بالعدل ومؤثر "العافية " وهنون بن بهدل وخطري بن أعمر وهنون بن بوسيف ومحمد بن هيب وبكار بن موسى وعثمان بن الحبيب وبكار بن دهموش واحمد محمود بن المحيميد وأمراء الترارزة وغير هؤلاء من أمرائنا الذين هم مضرب المثل في الصلاح والورع ورفع الظلم والتزام العدل والذين تدور حكايات عدلهم على كل لسان وفي كل ناد .
ولئن كانت القبائل المحاربة تستحل النهب والسلب في كثير من الأحيان فإن ذلك نتاج طبيعي لحالة الفوضى والسيبة وانعدام السلطان والصراعات القبلية والحروب المتواصلة التي كانت تفرض على المغلوب والمنكوب أن يعوض ما خسره في الحرب أوالكوارث الطبيعية من مال الأعزل المسكين وبالرجوع إلى كتب الحوليات وحوادث السنين التي دونها علماء المدن الموريتانية يتضح لنا ذلك .
وإنه لمن الحيف و الظلم أن نعتبر مواقف بعض العلماء الزوايا السلبية تجاه بني حسان نابعة من رؤية عصبية أو موقف عدائي كما رأى الكاتب في حديثه عن نظم محمد محمود ولد سيد عبد الله و الواقع أن العالم المذكور لم يقصد بحكمه ذالك قبائل بني حسان " ولم يكفر شعبا بأكمله في المغرب و سوريا و السعودية و نجد و إيران و العراق " كما قال الكاتب المحترم و إنما قصد طبقة المحاربين البيظان و هو مدلول خصصه العرف فلا يجوز أن نحاكم الشيخ المذكور و نحمله ما لم يقصد ولا خطر على باله بيد أن قبائل بني حسان هي فرع من قبائل عرب المعقل التي دخلت المغرب مع عرب هلال وتكاثرت في إقليم السوس الأقصى وانتشرت من هنالك إلى موريتانيا وليس لها أي امتدادات خارج هذه المنطقة كما زعم الكاتب الكريم .
كما أن جمهور علمائنا لم يوافقوا العالم المذكور ولا شاطروه موقفه المتشدد حتى أن والده العلامة الكبير سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم كان أول المخالفين له بل ولا يعرف له موافق من علمائنا المعتبرين ولو قدر للكاتب المحترم أن يطلع على بعض كتب الفتاوى والنوازل التي هي مرآة الحياة ومخزن التاريخ لعلم ذلك.
ومن الغلط أن نعتقد مع الكاتب الكريم أن تشكل فئة الزوايا ونشأة ثقافة" التزاويت" كانت بسبب حرب شرببة سنة 1084ه ولتي وقعت بولاية الترارزة ولم يتجاوز تأثيرها حوضي نهر السينغال ذلك أن هذه الحرب لم تقع إلا بعد قرون من تشكل تلك الفئة التي يرجع تأسسها على الراجح إلى القرن الهجري السادس قبل دخول بني حسان إلى البلاد ونحن نملك وثائق تتحدث عن الزوايا بنفس الإسم تعود إلى سنة 980 مما يدل دلالة صريحة على أن تشكل تلك الفئة سابق لتلك الحرب .
كما أن ربط الكاتب الكريم بين انتشار ظاهرة الخوارق والكرامات وانتحال الأوفاق وبين هزيمة الزوايا في تلك الحرب يبدو غلطا عجيبا ولو اطلع أخونا على ما كتبه الشيخ سيدي محمد الكنتي ومحمد اليدالي عن كرامات الأولياء الأوائل المتقدمين على زمن هذه الحرب كمحمد بن ديمان وسيد أعمر الشيخ ومحمد الرقاد لعلم ذلك والواقع ان هذه الظاهرة هي جزء من ثقافة التصوف والدروشة التي عمت ربو ع العالم الإسلامي منذ بداية القرن السابع الهجري ولم تكن بلادنا نشازا منها ولو رجعنا إلى كتب الشعراني وكرامات الأولياء للنبهاني لعلمنا ذلك .
اما القول ان هذه المجموعة كانت تمتهن إدارة الغيب وتتكسب بالدين فليس الا وهما من الاوهام التي دأب أعوان الاستعمار علي ترديدها، والواقع أن لا مكان للكهنوت وإدارة الغيب في دين الإسلام الذي هو دين الأمة الأمية الفريب من العقل والفطرة، ونحن لا ننكر أن بعض العلماء والمشايخ قد سعوا إلى إيجاد بديل إسلامي للشعوذة والسحر الذين يتشوف إليهما البدو بطبعهم وهذا البديل يقوم علي اعتماد الرقيا الشرعية وعلم الاوفاق الإسلامي،(أسرار الحروف) وكانوا يتقاضون أجورا على ذلك تطيب بدفعها نفوس من وجد فيها نفعا محسوسا لا ينكر. كما كان هنالك مشعوذون ومزخرفون يتكسبون بالباطل وإن تدثروا بالدين إلا أن ذلك لا يعكس الصورة العامة للمجتمع ولا يمثلها .
والواقع أن الزوايا كانوا يعتبرون بني حسان مسلمين معصومي الأنفس والأموال ويستبيحون مصاهرتهم إلا أن الفقهاء اعتبروا كثيرا منهم مستغرقي الذمم ( والمستغرق من أحاطت التبعات بماله من غصوب وكفارات وغيرها) وتعاملوا معهم في هذا الإطار انطلاقا من اجتهادات الفقهاء المالكيين القدامى ومعالجتهم لهذه الطاهرة فرأى بعضهم جواز أخذ أموالهم باعتبارها مصادرة ومنزوعة شرعا لبيت المال لكن بشرط أن يقصد الآخذ إيصالها إلى مصارف بيت المال كالفقراء وأن يعلم من نفسه الورع ومن هؤلاء الشيخ سيد المختار الكنتي والمختار بن بونة ورأى بعضهم المنع من أخذها مطلقا ومن هؤلاء سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الذي يقول في نوازله :
قال الغزالي لا تجوز السرقة ###من مال من ذمته مستغرقة ###ولو بقصد صرفه للفقراء
إن ما عرج عليه الكاتب الفاضل من أن الزوايا كانوا يبيحون أموال حسان لأنها بيت مال من جهة أنهم يأخذون مغارم وأجورا مقابل الحماية والخفارة (الغفر) ليس صحيحا بل إنما أباحوا أموالهم من جهة استباحة بعضهم للغصب والواقع ان العلماء كانوا يشجعون عقود الحماية هذه لما يترتب عليها من المصلحة حتى قال أحد العلماء وهو الفقيه الحبيب بن أيد الأمين الجكني : "إن الأموال المأخوذة عنها ربما تكون حلالا" وإن كانت هذه العقود المذكورة قد خضعت لأحكام العرف ونسيج العادة حتى أصبحت بعيدة عن حكم الشرع ومنهجه في العقود والالتزامات والحقيقة أن جمهور الزوايا ونبلاءهم كانوا يتجافون عن مخالطة حسان والتأكل منهم ويرونه من حرفة المبتذلين وساقطي المروءة إلا ما كان من الهدايا التي يدفعها البعض لأوليائه من الزوايا الذين يشرفون على إقامة الشعائر الدينية لهم عن طيب نية وإخلاص وهيهات أن يعتبر من له مسكة من علم أو ذماء من معرفة أن أموال الأمراء المذكورين مثل بيت مال عمر بن الخطاب وهم مناط الثريا ومزجر الكلب منه .
وبهذا نعلم أن الأستاذ الكريم لم يلامس الصواب حينما قال إن تعامل الزوايا مع هذه الظاهرة هو سبب ما نعانيه اليوم من النهب المنظم لخزينة الدولة واستحلال المال العام وأنى يكون ذلك مع أن الطاقم الذي بنى الدولة الموريتانية الحديثة كان جل أفراده من غير طبقة الزوايا ونحن نعلم أن الحقبة التي أدار فيها المختار بن داداه رئاسة الدولة وهو سليل بيوتات الزوايا الشامخة قد مثلت أرقى مستوى من الشفافية في التسيير وحفظ المال العام ولم تظهر هذه السنة السيئة إلا بعد سنة 1984 حينما رسخها الرئيس السابق معاوية بن سيد أحمد الطائع وبطانته السيئة الرقيعة ودعوا إليها جهارا وجعلوها سياسة متبعة متخذين منها وسيلة لإيجاد الثراء الفاحش بين الموظفين والتحكم بهم في الشعب المسكين الجائع . وقد ساعد ذلك ضعف الوعي الديني والتربوي الذي طبع جل الموظفين في الثمانينيات وضعف الرواتب وانتشار ثقافة التنافس الاستهلاكي "لحمار " بين الطبقات المتنفذة سلطويا وتجاريا.
وإنه لمن التجني والظلم والفهاهة أن نتغافل عن واقعنا وحقيقتنا ونسعى على تحميل خطايانا لأمة قد سلفت وجيل مضى بما اكتسب من خير وشر .
ونحن بما كتبنا لم نقصد الإساءة أو التنقيص لأي من فئاتنا الاجتماعية بل نقدر أدوار الجميع ونعتبر تاريخهم تاريخا لنا جميعا نعتز به ونعتبر تلك الفوارق جزء من الماضي ونحن بحمد الله شعب واحد قد ملكنا من أسباب الوحدة والتكافل والتضامن ما نحسد عليه .
محمد يحيى بن محمد
طالعت في عدد الأمل الجديد رقم 496 الصادر يوم 2-11-2008 مقالا للأستاذ لمرابط ولد محمد لخديم ضمن سلسلة بعنوان ( هل تخلص الأزمة الحالية موريتانيا من ثقافة لفريك ) حاول فيه الكاتب الفاضل معالجة ظاهرة التقسيم الطبقي الذي عرفته موريتانيا قديما مع التركيز على تحليل وظائف تلك القسمة و ملابساتها وتأثيرها على الواقع المعاصر كل ذلك بأسلوب قريب و سياق رصين ينم عن ثقافة واسعة و اهتمام عال إلا أن الكاتب اعتمد في دراسته كثيرا من الأحكام المتعلقة بنشأة تلك الظاهرة و ما تحمله من معالم و دلالات و التي لم يقف لها علي حقيقة ولا قتلها خبرة وعلما وإنما اعتمد في تصورها علي آراء المستشرقين وأذناب الاستعمار الذين ينظرون إلي مجتمعنا من وراء حجاب الجهل والعداوة .
والواقع أن تحليل هذه المفاهيم وتفسيرها ما يزال بحاجة إلى التمحيص و البحث العلمي الجاد و تحقيق خفاياها في ضوء الاستقراء الأغلبي أو الكلي بعيدا عن الأحكام الجاهزة و التنظيرات الذهنية التي لا تسمن ولا تغني .
إن القسمة الثنائية بين (حسان المحاربين – و الزوايا المتدينين ) ليست من خصائص مجتمعنا و إن كانت من أهم ملامحه و أشدها تأثيرا بل هي منتشرة في عموم المجتمعات البدوية الإسلامية في الجزيرة العربية و مصر و الشام و المغرب العربي بشكل متماثل وأسماء متباينة.
إلا أن مجتمعنا كانت له خصوصياته في هذا المجال و هو الشعب البدوي الوحيد من شعوب العالم الذي يملك ثقافة واسعة وصلت إلى حد التدوين والتأليف الأكاديمي العالي كما نبه عليه العلامة البحاثة الأستاذ محمد ولد مولود الشنافي.
ومن أبرز هذه الخصوصيات أن هذه القسمة لم تقع على أسس عرقية أو سلالية بل ظلت قسمة وظيفية يمتلك الفرد فيها تحديد وظيفته و تجديد انتمائه متى شاء وقد رافق ذالك تغيير ونقل عرفي لدلالة الأسماء العرقية و النسبية التي استخدمت في التعبير على هذه الطبقات إلى أسماء وظيفية مهنية لا تلمح نسبا ولا تدل على أصل فأصبح اسم" عرب" -الذي هو في الأصل دال على البداوة والانتجاع - علما لكل من يحمل السلاح و يلتزم قيم المروءة و حفظ العهد ولو كان من صنهاجة كقبائل إدوعيش ومشظوف ولادم ... ويرادفه في هذه الدلالة اسم (حسان) - الذي هو جذم من قبائل عرب المعقل -في الاستعمال العام وربما ا ستعمل هذا الأخير علما على القبائل المغلوبة التي تحمل السلاح و لا تلتزم القيم السالفة ليتقاطع في دلالته هذه مع إسم آزناكه في بعض الجهات.
كما أخذ أصحاب الحرفة الدينية أسماء وظيفية تلمح إلى العلم بدءا من "داشفاغ =الفقهاء" وهو الاسم الصنهاجي القديم لهذه الفئة إلى "الزوايا والطلبة "وهي الأسماء الحديثة لها .
وكان من خصائص مجتمعنا المحمودة أيضا أن فئة الزوايا التي تمتهن العلم وتعمير الأرض وتمثل الركيزة الأساسية لحضارة البلاد ونتاجها المعرفي والثقافي لم تكن فئة مغلقة ولا اختصاصا محتكرا بل ظل منتسبوها في تزايد على حساب الفئات الأخرى فانتشرت ظاهرة التوية والتخلي عن السلاح بين مختلف القبائل المحاربة.
وظلت قيم" التزاويت " والتنسك ترجح وتنتشر خصوصا في الشريط الجنوبي من البلاد الذي هو مركز الكثافة السكانية والإشعاع العلمي الكبير.
وفي دراسة سابقة توصلنا إلى أن حوالي 50 في المائة من المنحدرين من قبائل بني حسان قد التحقوا بالزوايا ونحن نعلم أن عددا كبيرا من هؤلاء كانوا علماء أجلاء من أمثال الحاج الحسن الزيدي ومحمد يحي الولاتي وصالح بن عبد الوهاب ومحمد بن موسى بن إيجل وسيد محمد بن اعل ومحمد مولود بن الناهي والطالب عبد الله بن الحاج الرقيق و عشرات غير هؤلاء ... وأكثر من ذلك فإن بعض القبائل تحولت إلى زوايا بالفعل والوظيفة من غير أن تحسب في عداد الزوايا مثل قبيلة أولاد داود بن عروق التي امتهنت التجارة والتكسب الحلال وتعلم العلم وتخلت عن الغزو وظلت مع ذلك تحمل السلاح وتحسب في عداد العرب.
والواقع أن عامة سكان موريتانيا كانوا محافظين على شعائر الإسلام من صلاة وصيام وزكاة متشبثين بتعظيم حرمات الدين يرجعون إليه في عقودهم ومعاملاتهم وأنكحتهم ويرفعون نزاعاتهم إلى القضاة الشرعيين سواء في ذلك الزوايا وحسان ولم يكن يخلو حي من حسان من عالم أو متفقه يؤم مسجده ويشرف على إقامة الشعائر فيه .
ولقد كان كثير من رؤساء القبائل المحاربة على جانب كبير من التدين والعبادة والنسك كما يحكى عن عثمان بن اعل بابي العيشي الذي وصف سدوم بن انجرت خشوعه في الصلاة وقنوته للواحد الأحد في قصيدته الزجلية التي يقول فيها :
وغفر ذنب أخيار حلتنا عثمان ### ال في الغفران يحظيه امدبر
بالتوحيد والصوم فماي رمضان ### بالجوارح كاملات الين يفطر
وكان فطر زاد ما يعمد عصيان ### وبأهل الذنب الخادمين متمنكر
ومثل أحمد دي بن بكار ومحمد بن محمد شين وأحمد بن المختار بن محمد شين والأمير الشهيد بكار بن أسويد أحمد وأبو بكر بن هنون الكوري وسيد احمد بن محمد بن أحمد عيدة المعروف بالعدل ومؤثر "العافية " وهنون بن بهدل وخطري بن أعمر وهنون بن بوسيف ومحمد بن هيب وبكار بن موسى وعثمان بن الحبيب وبكار بن دهموش واحمد محمود بن المحيميد وأمراء الترارزة وغير هؤلاء من أمرائنا الذين هم مضرب المثل في الصلاح والورع ورفع الظلم والتزام العدل والذين تدور حكايات عدلهم على كل لسان وفي كل ناد .
ولئن كانت القبائل المحاربة تستحل النهب والسلب في كثير من الأحيان فإن ذلك نتاج طبيعي لحالة الفوضى والسيبة وانعدام السلطان والصراعات القبلية والحروب المتواصلة التي كانت تفرض على المغلوب والمنكوب أن يعوض ما خسره في الحرب أوالكوارث الطبيعية من مال الأعزل المسكين وبالرجوع إلى كتب الحوليات وحوادث السنين التي دونها علماء المدن الموريتانية يتضح لنا ذلك .
وإنه لمن الحيف و الظلم أن نعتبر مواقف بعض العلماء الزوايا السلبية تجاه بني حسان نابعة من رؤية عصبية أو موقف عدائي كما رأى الكاتب في حديثه عن نظم محمد محمود ولد سيد عبد الله و الواقع أن العالم المذكور لم يقصد بحكمه ذالك قبائل بني حسان " ولم يكفر شعبا بأكمله في المغرب و سوريا و السعودية و نجد و إيران و العراق " كما قال الكاتب المحترم و إنما قصد طبقة المحاربين البيظان و هو مدلول خصصه العرف فلا يجوز أن نحاكم الشيخ المذكور و نحمله ما لم يقصد ولا خطر على باله بيد أن قبائل بني حسان هي فرع من قبائل عرب المعقل التي دخلت المغرب مع عرب هلال وتكاثرت في إقليم السوس الأقصى وانتشرت من هنالك إلى موريتانيا وليس لها أي امتدادات خارج هذه المنطقة كما زعم الكاتب الكريم .
كما أن جمهور علمائنا لم يوافقوا العالم المذكور ولا شاطروه موقفه المتشدد حتى أن والده العلامة الكبير سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم كان أول المخالفين له بل ولا يعرف له موافق من علمائنا المعتبرين ولو قدر للكاتب المحترم أن يطلع على بعض كتب الفتاوى والنوازل التي هي مرآة الحياة ومخزن التاريخ لعلم ذلك.
ومن الغلط أن نعتقد مع الكاتب الكريم أن تشكل فئة الزوايا ونشأة ثقافة" التزاويت" كانت بسبب حرب شرببة سنة 1084ه ولتي وقعت بولاية الترارزة ولم يتجاوز تأثيرها حوضي نهر السينغال ذلك أن هذه الحرب لم تقع إلا بعد قرون من تشكل تلك الفئة التي يرجع تأسسها على الراجح إلى القرن الهجري السادس قبل دخول بني حسان إلى البلاد ونحن نملك وثائق تتحدث عن الزوايا بنفس الإسم تعود إلى سنة 980 مما يدل دلالة صريحة على أن تشكل تلك الفئة سابق لتلك الحرب .
كما أن ربط الكاتب الكريم بين انتشار ظاهرة الخوارق والكرامات وانتحال الأوفاق وبين هزيمة الزوايا في تلك الحرب يبدو غلطا عجيبا ولو اطلع أخونا على ما كتبه الشيخ سيدي محمد الكنتي ومحمد اليدالي عن كرامات الأولياء الأوائل المتقدمين على زمن هذه الحرب كمحمد بن ديمان وسيد أعمر الشيخ ومحمد الرقاد لعلم ذلك والواقع ان هذه الظاهرة هي جزء من ثقافة التصوف والدروشة التي عمت ربو ع العالم الإسلامي منذ بداية القرن السابع الهجري ولم تكن بلادنا نشازا منها ولو رجعنا إلى كتب الشعراني وكرامات الأولياء للنبهاني لعلمنا ذلك .
اما القول ان هذه المجموعة كانت تمتهن إدارة الغيب وتتكسب بالدين فليس الا وهما من الاوهام التي دأب أعوان الاستعمار علي ترديدها، والواقع أن لا مكان للكهنوت وإدارة الغيب في دين الإسلام الذي هو دين الأمة الأمية الفريب من العقل والفطرة، ونحن لا ننكر أن بعض العلماء والمشايخ قد سعوا إلى إيجاد بديل إسلامي للشعوذة والسحر الذين يتشوف إليهما البدو بطبعهم وهذا البديل يقوم علي اعتماد الرقيا الشرعية وعلم الاوفاق الإسلامي،(أسرار الحروف) وكانوا يتقاضون أجورا على ذلك تطيب بدفعها نفوس من وجد فيها نفعا محسوسا لا ينكر. كما كان هنالك مشعوذون ومزخرفون يتكسبون بالباطل وإن تدثروا بالدين إلا أن ذلك لا يعكس الصورة العامة للمجتمع ولا يمثلها .
والواقع أن الزوايا كانوا يعتبرون بني حسان مسلمين معصومي الأنفس والأموال ويستبيحون مصاهرتهم إلا أن الفقهاء اعتبروا كثيرا منهم مستغرقي الذمم ( والمستغرق من أحاطت التبعات بماله من غصوب وكفارات وغيرها) وتعاملوا معهم في هذا الإطار انطلاقا من اجتهادات الفقهاء المالكيين القدامى ومعالجتهم لهذه الطاهرة فرأى بعضهم جواز أخذ أموالهم باعتبارها مصادرة ومنزوعة شرعا لبيت المال لكن بشرط أن يقصد الآخذ إيصالها إلى مصارف بيت المال كالفقراء وأن يعلم من نفسه الورع ومن هؤلاء الشيخ سيد المختار الكنتي والمختار بن بونة ورأى بعضهم المنع من أخذها مطلقا ومن هؤلاء سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الذي يقول في نوازله :
قال الغزالي لا تجوز السرقة ###من مال من ذمته مستغرقة ###ولو بقصد صرفه للفقراء
إن ما عرج عليه الكاتب الفاضل من أن الزوايا كانوا يبيحون أموال حسان لأنها بيت مال من جهة أنهم يأخذون مغارم وأجورا مقابل الحماية والخفارة (الغفر) ليس صحيحا بل إنما أباحوا أموالهم من جهة استباحة بعضهم للغصب والواقع ان العلماء كانوا يشجعون عقود الحماية هذه لما يترتب عليها من المصلحة حتى قال أحد العلماء وهو الفقيه الحبيب بن أيد الأمين الجكني : "إن الأموال المأخوذة عنها ربما تكون حلالا" وإن كانت هذه العقود المذكورة قد خضعت لأحكام العرف ونسيج العادة حتى أصبحت بعيدة عن حكم الشرع ومنهجه في العقود والالتزامات والحقيقة أن جمهور الزوايا ونبلاءهم كانوا يتجافون عن مخالطة حسان والتأكل منهم ويرونه من حرفة المبتذلين وساقطي المروءة إلا ما كان من الهدايا التي يدفعها البعض لأوليائه من الزوايا الذين يشرفون على إقامة الشعائر الدينية لهم عن طيب نية وإخلاص وهيهات أن يعتبر من له مسكة من علم أو ذماء من معرفة أن أموال الأمراء المذكورين مثل بيت مال عمر بن الخطاب وهم مناط الثريا ومزجر الكلب منه .
وبهذا نعلم أن الأستاذ الكريم لم يلامس الصواب حينما قال إن تعامل الزوايا مع هذه الظاهرة هو سبب ما نعانيه اليوم من النهب المنظم لخزينة الدولة واستحلال المال العام وأنى يكون ذلك مع أن الطاقم الذي بنى الدولة الموريتانية الحديثة كان جل أفراده من غير طبقة الزوايا ونحن نعلم أن الحقبة التي أدار فيها المختار بن داداه رئاسة الدولة وهو سليل بيوتات الزوايا الشامخة قد مثلت أرقى مستوى من الشفافية في التسيير وحفظ المال العام ولم تظهر هذه السنة السيئة إلا بعد سنة 1984 حينما رسخها الرئيس السابق معاوية بن سيد أحمد الطائع وبطانته السيئة الرقيعة ودعوا إليها جهارا وجعلوها سياسة متبعة متخذين منها وسيلة لإيجاد الثراء الفاحش بين الموظفين والتحكم بهم في الشعب المسكين الجائع . وقد ساعد ذلك ضعف الوعي الديني والتربوي الذي طبع جل الموظفين في الثمانينيات وضعف الرواتب وانتشار ثقافة التنافس الاستهلاكي "لحمار " بين الطبقات المتنفذة سلطويا وتجاريا.
وإنه لمن التجني والظلم والفهاهة أن نتغافل عن واقعنا وحقيقتنا ونسعى على تحميل خطايانا لأمة قد سلفت وجيل مضى بما اكتسب من خير وشر .
ونحن بما كتبنا لم نقصد الإساءة أو التنقيص لأي من فئاتنا الاجتماعية بل نقدر أدوار الجميع ونعتبر تاريخهم تاريخا لنا جميعا نعتز به ونعتبر تلك الفوارق جزء من الماضي ونحن بحمد الله شعب واحد قد ملكنا من أسباب الوحدة والتكافل والتضامن ما نحسد عليه .
محمد يحيى بن محمد







