تاريخ الإضافة : 03.11.2008 14:53

جنازة "وطن"!!

حبيب الله ولد أحمد
كان ذلك اليوم "المشهود" استثنائيا للغاية..
وكان كل شيء فيه خارقا للعادة لدرجة أننا لم نتفق حتى على توقيت تلك اللحظة التي اجتمعنا فيها.. بعض الحاضرين لم يكن لديه أدنى شك في أننا في غبش الفجر.. وآخرون رأوا أن الشمس كانت تميل للمغيب.. كنت حائرا حزينا باكيا بين تلك الجموع.. حدث كل شيء بسرعة تفوق التصور..
قيل لنا عبر مكبرات الصوت إن "الوطن" مات وأنه علينا التجمع لمواراته الثرى..
لم يكن الحزن السمة المسيطرة على أغلب الوجوه.. بل إن هناك فرحا عبر عن نفسه من حين لآخر.. تخيلت أن رصاصا أطلق في الهواء فرحا بهذه "الجنازة" التي دعينا لا شعوريا للسير فيها..
كان بمقدوري سماع موسيقى عسكرية صاخبة وروائح بخور وعطور ملأت أنفي وسط تلك الجموع الرهيبة.. كنا نتدافع بصمت رغم أن البعض بدا فرحا بهذا الحدث الغريب!!
النفق المظلم الممتد أمامنا خرجت منه فجأة "آلة حدباء" استقر فوقها جسد نحيل مهزوز بلا ملامح مسجى بشيء ما قال البعض إنه يحمل ملامح العلم الذي كان وطنيا ذات يوم وإنه بمقدورهم تمييز ألوان خضراء لماعة وخطوط ذهبية تنسدل بخجل وانهزام فوق ذلك الجسد الذي لم يكن سوى وطننا الذي قتلوه فجأة!! وقال آخرون إن الجسد ملفوف بخرقة بالية قذرة بلا لون وبلا قوام..
كان رجال شاحبون يحملون النعش غير المهيب ورغم الشحوب فإن أساريرهم كانت تنطق بفرح خفي..
تساءلت مع نفسي بصمت موسيقى وبخور وفرح هل نحن في جنازة أم أننا نزف عروسا منعمة؟!
تدافعنا خلف النعش بجنون وكأن معظمنا كان في عجلة من أمره ليواري وطنه الثرى وكأنه يوم انتصار ونشوة لا مكان فيه للبكاء على فقيد مات ولن يعود أبدا!!
بكيت وأنا ارى وطني ميتا.. تملكني إحساس رهيب بالضياع وبين الصفوف كان هناك أيضا رجال يبكون بحرقة ونساء يلطمن الخدود..
لماذا وحدنا نبكي في طوفان من الفرح؟ ربما نبكي لأننا بلا وطن آخر.. فبين هذه الصفوف من يرى لنفسه وطنا ما شمالا شرقا أو جنوبا.. أما نحن الحزانى فيحز في نفوسنا أن نذوق مرارة اليتم بعد وطننا الميت ظلما غيلة وغدرا..
لم نجد وقتا لإقامة صلاة الميت، فالعسكريون الذين يتقدمون الصفوف بنياشينهم وأوسمتهم رفضوا الصلاة خلف النخبة السياسية التي كانت متواجدة إلى جانبهم.. والنخبة السياسية بدورها رأت في الصلاة خلف العسكريين نشازا لا مبرر له.. تم حل مشكلة الصلاة على الوطن بسرعة فائقة عندما تطوع فقيه من فقهاء الصف الخامس بإصدار فتوى أخذ بها الجميع على مضض تقول إنه على كل واحد منا أن يقيم صلاة الغائب على الجنازة وحيدا في بيته أو في الشارع ويمكن له حتى أن ينوي الدخول في صلاة الغائب دون القيام بأية طقوس..
لم يكن لدينا وقت للنقاش فالعسكريون والسياسيون الذين يتقدمون الصفوف كانوا متلهفين للفراغ من دفن "الوطن" ولو بتجاوز كل الاجراءات الدينية والتقليدية المتعارفة لدفن الموتى.. لم يشقوا لحدا ولم يحفروا قبرا ولم يكتبوا أية علامة ولم يتخذوا على الوطن مسجدا.. وأشك في أنهم غسلوه وجهزوه جهاز الميت بطريقة صحيحة.. ولم يسمحوا لأحد بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه.
سلكنا دربا كله صخور وشوك ومطبات.. البعض منا فقد أظافر رجليه.. والبعض تقرح جسده ونزفت جراحه.. ومع ذلك لم يتألم أحد..
كنت أقول لنفسي إنها المرة الأولى التي أسير فيها في موكب جنائزي غير مهيب وبلا سكينة.. كان ذلك طبيعيا فالسائرون في هذه الجنازة هم الذين قتلوا صاحبها ببرودة أعصاب.. ولم يكن من المناسب أن يحتفي قتلة بجنازة قتيلهم..
كان طريق "المدفن" طويلا ومظلما وشائكا.. وعندما توغلنا داخله بدأنا نرى ملامحه المهيبة.. رمال وطيور حائرة ونباتات متوحشة وحفنة عظام وأفق من ذكرى حياة هنا أو هناك.. وصوت صفير أبدي، يعزف اللحن الفاصل بين حياتين حياة تنتهي وأخرى تبدأ.. صوت ينزرع برهبة في صمت القبور..
كيف مات "الوطن"؟ ولماذا أعطينا فرصة للسير خلف جنازته ولم نعط فرصة لمنحه الحياة؟
كنت أتساءل حائرا.. تخيلت أن عسكريين في المقدمة رفعوا بنادقهم بنشوة وهم يرددون "نحن الذين قتلناه.. ورصاصنا استقر في قلبه".
وتخيلت أيضا أنني سمعت السياسيين السائرين خلف النعش يتهامسون رافعين علامات النصر "لقد قتلناه بقطع يديه ورجليه ولسانه ورأسه.. ولم يفعل العسكريون أكثر من الاجهاز عليه برصاصات الرحمة"!!
انتهى بنا المطاف إلى كثيب رملي تخنقه عشرات العلامات واللافتات التي تحمل أسماء الموتى وألقابهم وأحيانا كراماتهم ودرجاتهم الدنيوية..
تقدم العسكريون والسياسيون نحو الكثيب وحفروا القبر بأيديهم ودون الاستعانة بأية أدوات حفر.. ثم أمسكوا بالآلة الحدباء ورموا من فوقها بعجرفة جسد "الوطن" وبدؤوا يهيلون عليه التراب..
بكينا بحرقة أنا ومجموعة رجال عندما انحسرت الخرقة عن جسد "الوطن" لنراه مجرد عظام نخرة لا أثر فيها لأي من ملامح الحياة..
أخذت حفنة من رمل كما فعل الجميع وتركت الريح تحملها إلى "اللحد" الذي أعد على عجل ودون اتباع أية معايير دينية أو أخلاقية..
تسارعت نبضات قلبي وانا أتخيل وطني خارج خريطة العالم صرخت بجنون "سيدي المختار ولد داداه... سامحنا فقد احترفنا العقوق وضيعنا الأمانة.. قلت لنا ذات مرة لنبن جميعا الوطن الموريتاني، وها نحن اليوم معا نقول لأنفسنا لنقتل جميعا الوطن الموريتاني"
بللت دموع بعض الرجال جوانب القبر الذي سرعان ما تفرقت الجموع من حوله..
بقيت جاثيا ومعي حفنة رجال نبكي عند رأس وطننا الميت متمتمين عبر الدموع..
"نم يا وطننا الذي ولد حميدا وعاش سعيدا وها هو يموت شهيدا!!"

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026