تاريخ الإضافة : 01.11.2008 16:56

نهاية حكم لوبيات الفساد

ديدي ولد بوه

تقف بلادنا اليوم على مفترق طرق يتجاذبها السير في أحد اتجاهين: فإما أن تسير في اتجاه التغيير والإصلاح وتعلن القطيعة النهائية مع كافة ممارسات الفساد التي ظلت سائدة منذ عقود عديدة مؤذنة بزوال البلاد من الخريطة، فتسير في الاتجاه الذي تؤيده الغالبية الساحقة من قادة الرأي العام الوطني وعموم الشعب.. وإما أن يجرفها تيار المفسدين لتسقط في هوة سحيقة تدفن فيها آمال هذه الأغلبية بمستقبل أفضل.
وينظر الجميع إلى هذا التجاذب السياسي الحاد باعتباره الفرصة الأخيرة للنهوض بالبلاد من خلال التداعي إلى تفاهمات وطنية شاملة تسعى إلى تشخيص دقيق للأوضاع العامة للبلاد، وفي هذا السياق لا يسعني إلا أن أدلي بمساهمتي الشخصية المتواضعة؛ أملا في دفع التفاهم الوطني نحو الأمام.. ولأجل ذلك لا بد من الرجوع أولا إلى جذور الأزمة الراهنة وأسبابها بشيء من التفصيل.
يرى كثير من مراقبي المشهد السياسي الموريتاني أن السبب الرئيسي في الأزمة السياسية الراهنة يعود إلى تراكمات سنوات طويلة من تحكم لوبيات الفساد في تسيير الشأن العام للبلاد، بلغ أوجه بشكل واضح خلال التسعينيات من القرن الماضي؛ متزامنا مع دخول البلاد أول تجربة ديمقراطية ساد خلالها منطق استخدام الدولة لمنح الامتيازات بكل أصنافها للموالين للنظام في مقابل ممارسة الإقصاء والتهميش بكل صنوفه للمعارضين له؛ وهو ما أدى إلى انقسام النخبة السياسية الوطنية إلى فسطاطين كبيرين أطلق عليهما لاحقا الموالاة التقليدية والمعارضة التقليدية. وظل العداء السياسي المستحكم يطبع العلاقة بين الطرفين وكأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان. وقد طبع التجاذب السياسي الحاد بين هذه الطرفين المشهد السياسي الوطني طوال سنوات عديدة ظلت خلالها النخبة السياسية تتخندق على أساس الولاء لنمط حكم دولة الامتيازات.. وقد أخطأ الكثيرون حين ظنوا أن لوبيات الفساد موالية لرئيس بعينه؛ والحقيقة أنها تدور مع مصالحها حيث دارت وتساند ما يسميه البعض اختصارا "النظام". وقد ظل المستفيدون من هذا النمط من التسيير ينافحون باستماتة عن مكاسبهم وامتيازاتهم الهائلة التي كدسوها في ظل أنظمة الحكم الأحادي المزينة بحلة الديمقراطية البهية؛ مما نتج عنه انقسام الشعب الموريتاني إلى فئتين تمثل إحداهما أقلية لا تتجاوز -وفق أعلى التقديرات- 20% لكنها تملك نسبة 80% من الثروة الوطنية؛ وهو ما يمنحها تأثيرا هائلا تكاد تتحكم بفعله في مصير البلاد.. أما الفئة الثانية فتشمل حوالي 80% من الشعب الموريتاني وترزح تحت وطأة الفقر والإقصاء والتهميش؛ مستفيدة من الفُتات الذي يلقيه -ببخل- في المواسم أباطرة لوبيات الفساد؛ مكتفية بما نسبته 20% من الثروة الوطنية.
ويجدر في هذا السياق إلقاء نظرة فاحصة على طبيعة تكوين ونشاط لوبيات الفساد التي تعتبر -من وجهة نظري- المسؤول الرئيسي عن الأوضاع المأساوية التي تعيشها الدولة والشعب اليوم.
تتكون هذه اللوبيات من حفنة من حثالات التنظيمات الأيديولوجية والجماعات التقليدية الذين يمتهنون التملق والتزلف للحاكم أيا كان؛ مستخدمين كافة الأساليب الدنيئة من تجسس ومحاباة ورشوة.. دون مراعاة أبسط القيم الإنسانية فضلا عن الروحية؛ ويتاجرون بكل شيء من أجل تحقيق مصالحهم الأنانية الضيقة.
وتتشكل معظم هذه الفئة من أشخاص محترقين سياسيا وفاشلين دراسيا؛ لكنهم استطاعوا أن يتسللوا إلى مراكز النفوذ باستخدام شتى الطرق الملتوية، حتى أمسكوا بمفاصل القوة في الدولة والمجتمع.
وتتحكم هذه الطبقة السياسية الفاسدة في كافة الميادين الحيوية تقريبا؛ فعلى مستوى الإدارة العمومية تسيطر هذه المجموعة على مصادر المال العمومي، وتدير -إلى حد كبير- شبكة الأمر بالصرف للميزانية الوطنية.. وعلى مستوى القطاع الخاص تتحكم -بشكل شبه تام- في مصادر التمويل؛ باعتبار الشراكة الاستراتيجية بين المسؤولين العموميين الفاسدين وكثير من الفاعلين في القطاع الخاص؛ وهو ما يعكسه انتشار ظاهرة المؤسسات الوهمية، أو ما يعرف بالمؤسسات المحمولة في الحقائب؛ أما على مستوى وسائل الدعاية والإعلام وشبكات نشر المعلومات فقد تم اختراق معظم هذه المنابر من طرف المفسدين وطوعوها كجزء من ماكينتهم الدعائية، وحتى شبكات نشر الرذيلة وإشاعة الفاحشة لم تسلم -هي الأخرى- من سطوة لصوص المال العام عليها بهدف تدمير المنظومة القيمية للشعب وتدجين المسؤولين العموميين ليصبحوا فريسة سهلة في أيدي لوبيات الفساد الذين يمارسون إدارتها من خلال مجموعة من الأشخاص المشبوهين.
أما المؤسسة التقليدية فقد نالت -هي الأخرى- نصيبها من سيطرة المفسدين عليها؛ معلنين حربا لا هوادة فيها على أصحاب المكانة الاجتماعية والكفاءة العلمية الذين يستعصون على العمل كأدوات طيعة في أيدي هؤلاء نظرا لطبيعة تكوينهم الاجتماعي والعلمي، ويركزون -بدلا عنهم- على إحكام القبضة على العوام والبسطاء من الناس مقابل رمي بعض فُتات المال العام الذي نهبوه.. وهو ما قذف بالأشخاص المستقيمين على هامش الحياة الاجتماعية.
لا يخفى على المتتبع لمسيرة البلاد أن هذه الطغمة الفاسدة تجر البلاد دائما إلى التدمير (وخاصة عندما تشعر أن الدولة بصدد ضرب مصالحها الشخصية) ويستخدمون كافة أنواع الإرجاف ونشر الشائعات.. مستهدفين زعزعة استقرار البلاد والنيل من مسيرة تقدمها، وقد كانت موريتانيا على موعد مع التاريخ مرتين اشرأبت خلالهما أعناق الموريتانيين الشرفاء متطلعة إلى أفول نجم لوبيات الفساد وإفلات الدولة والمجتمع من سيطرتهم المستحكمة..
كانت المرة الأولى عند تغيير الثالث من أغسطس 2005 لكن رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية –آنذاك- أخطأ التقدير عندما أعلن عن سياسة {عفا الله عما سلف} مفضلا عدم ملاحقة المفسدين وناهبي المال العام لأسباب معروفة لدى الجميع، ومتجاهلا أن أضعف الإيمان –حينها- كان يقضي بإجراء تدقيق عام في حسابات الدولة ومواردها المالية، تفرز على إثره لائحة سوداء من لصوص المال العام تصادر أموالهم لتعاد إلى الخزينة العامة مع تقديمهم اعتذارا للشعب الموريتاني وحرمانهم من حقوقهم المدنية والسياسية.
ومرة ثانية عند تغيير السادس من أغسطس 2008 المسبوق بانتفاضة شعبية عارمة ضد المفسدين التحمت خلالها جهود كافة القوى المنادية بالتغيير على مدار سنة ونيف شعر الموريتانيون خلالها بغياب شبه تام للدولة وتخل علني عن مسؤوليتها اتجاه المواطن عبر عنه الرئيس السابق نفسه أكثر من مرة؛ معلنا عجز الدولة عن حل مشكلات المواطنين المعترضين على ضعف أدائها وتدني مستوى خدماتها العمومية.. وهو ما يجعل الموريتانيين يعلقون آمالا كبيرة على المجلس الأعلى للدولة من أجل انتشال البلاد من براثن الفساد والتخلف والسير بها نحو آفاق التغيير.
ولعل الموريتانيين يأخذون العبرة من نتائج الانتخابات الماضية التي لم تعد في جوهرها أن تكون تشريعا شعبيا لإعادة تحكم لوبيات الفساد في تسيير الشأن العام بواسطة إضفاء "شرعية انتخابية" عليها.
وحتى لا ينسى أي منا ما حصل ونعيد ارتكاب نفس الأخطاء السابقة أقترح إعادة كتابة سيناريو الأحداث القريبة الماضية.
كانت نقطة الانطلاق هي قيام لوبيات الفساد بتسجيل مئات الآلاف من الناخبين المبعدين في مكاتب انتخابية في تخوم الصحراء؛ مشكلين بذلك خزانا انتخابيا كبيرا ساوموا به فيما بعد لإعادة الانتشار في المراكز الحساسة داخل الدولة بغض النظر عما ترتب على ذلك من إغراق للناخب الحقيقي داخل الأرياف والمدن النائية وتزوير لإرادته في التغيير، مقابل دعم من أسموه "الرئيس المؤتمن" في إشارة إلى عقد الشراكة المسكوت عنه ضمن صفقة منح الولاء السياسي. وعند تنصيب "الرئيس المنتخب" سرعان ما بدأ هؤلاء في محاولة استرجاع السيطرة التامة على مقدرات الأمة.
وعبثا حاولت القوى السياسية التي تنشد التغيير ثنيهم والوقوف في وجوههم؛ لكن هؤلاء ما إن شعروا بالخطر الذي يتهددهم والرفض الشعبي الذي يحاصرهم حتى لجؤوا إلى توحيد جهودهم وإعادة تنظيم صفوفهم في إطار حزب سياسي أحكموا السيطرة عليه وهمشوا فيه الأصوات المنادية بالتغيير والإصلاح.. وما إن انتهت تشكلة الحزب -وسط مخاوف عبر عنها الجميع من خطورة الرجوع بالبلاد إلى المربع الأول- حتى تحقق تنبؤهم بالفعل ورضخ الرئيس السابق لإملاءات الفاسدين؛ متخليا بذلك عن خيار التغيير العميق الذي وعد به في خطاب تنصيبه، فشكل حكومة برئاسة حزب "عودة" لتكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت إلى تفاقم النقمة السياسية وازدياد الاحتقان.. وخرجت الأزمة عن السيطرة وتفجر الصراع بين الرئيس وأغلبيته التي أوصلته إلى الحكم؛ لكن المفسدين عندما رأوا أن مركبهم يغرق قرروا أن يجازفوا بـ"الرئيس الشرعي" ومن ورائه أن يقذفوا بالبلاد في حرب أهلية؛ موعزين إليه أن سبب ما آلت إليه أوضاع البلاد من ترد يرجع إلى "تدخل المؤسسة العسكرية والأمنية في السياسة" وهو ما جعله يبادر باستهدافها ويقدم على إقالة جماعية لقادتها؛ واضعا أمن البلاد على كف عفريت، جاعلا من قواتنا المسلحة وقوات أمننا كبش فداء للطغمة الفاسدة حتى لا يكسر القاعدة التي ظلت سائدة لعقود عديدة؛ والمتمثلة في الرمي بالمصالح العليا للأمة عرض الحائط متى ما تعارضت مع مصالح لوبيات الفساد.
لكن الغريب في الأمر أن شيئا ما حصل هذه المرة، وأن عناية إلهية قد تداركت البلاد وخاب المفسدون وأصيبوا بالذهول والخيبة والحسرة عندما قام قادة المؤسسة العسكرية والأمنية بمعالجة الأزمة وانتزاع فتيل الحرب الأهلية بكل حكمة؛ وهو ما جعل المفسدين يتخبطون تحت تأثير الصدمة التي عزلتهم -منذ ذلك الوقت إلى الآن- عن استقراء الوقائع على الأرض وحجبتهم عن الرؤية الموضوعية للأحداث المتلاحقة.. قاطعة خيط تفكيرهم عند ما قبل السادس من أغسطس 2008 فجعلوا يوطنون أنفسهم أن شيئا لم يقع؛ مفضلين العيش في أحلام اليقظة، ممنين أنفسهم بالعودة إلى الماضي، واقفين على أطلال عفا عليها الدهر.
وهنا نسجل باستغراب جملة من المفارقات العجيبة:
- المفارقة الأولى أن بعض الناس ينظرون إلى الرئيس الشرعي على أنه السبب الوحيد فيما آلت إليه الأوضاع العامة للبلاد؛ ومع أنه لا تمكن تبرئته من المسؤولية عما حصل في العهدة الانتخابية التي منحه الناخب الموريتاني إلا أن السبب الرئيس هو طغمة الفساد والمفسدين التي جرفت البلاد إلى الهاوية؛ أما "الرئيس الشرعي" فأكتفي هنا بخصوصه بتسجيل الملاحظات التالية:
* أن الرجل لم يخبر الحكم وتسيير الشأن العام، وتغلب عليه الذهنية العلمية الجامدة والميل إلى اللامبالاة؛ أو على الأقل هذا هو الانطباع الذي يخرج به المتتبع لأدائه على رأس هرم السلطة.
* أنه غاب عن الساحة الوطنية أكثر من عشرين سنة قضاها في العمل خارج البلاد؛ مما جعله يفتقر إلى الخبرة في الساحة السياسية الوطنية، ويغيب عنه الكثير من دقائقها الضرورية للحكم؛ فهو لم يكن مشتغلا بالسياسة قبل توليه منصب الرئاسة كما أقر هو نفسه بذلك في مقابلة مع قناة العربية؛ معترفا أنه كان مجهولا سياسيا.
* لكن خطأه الفادح هو ارتماؤه في أحضان أعدائه السياسيين وتخليه عن الذين بذلوا الغالي والنفيس لدعمه وصناعته سياسيا؛ ولعله تعلم من بطانة السوء الفاسدة التي أحاطت به التنكر لحلفائه كما تعودوا هم على فعله دائما.
- أما المفارقة الثانية فهي انخداع بعض السياسيين السذج والعوام البرآء بالدعاية والأكاذيب والإشاعات التي يروج لها الفاسدون النهابون من قبيل دعمهم ومساندتهم لـ"الرئيس الشرعي".. لكن على الجميع أن يسجل في هذا المجال أن هؤلاء لم يحفظ لهم التاريخ أي مساندة لرئيس معزول؛ لأنهم –ببساطة- يساندون فقط من أجل التعيينات لنهب المال العام.. ولا أدل على ذلك من تنكرهم علنا وتشهيرهم بمن صنعهم وسلطهم على رقاب الشعب الموريتاني لفترة طويلة من الزمن، وقد ظهر هذا الموقف جليا على إثر تغيير الثالث من أغسطس 2005.
- المفارقة الثالثة أن جماعات تقليدية وأحزابا سياسية وطنية قد وقعت -هي الأخرى- ضحية للمفسدين حين تم استدراجها من خلال بث شائعات إلى صف رموز الفساد؛ ليشكلوا بها حزاما بشريا يقيهم غوائل السخط الشعبي والرسمي العارم.. ولا يزال الموريتانيون المخلصون يأملون أن يراجع هؤلاء الشرفاء مواقفهم ويعلموا أن لا وطن لهم غير موريتانيا وهم معنيون –كغيرهم من مواطني هذا البلد- بالتشاور والتحاور من أجل إيجاد حلول وطنية توافقية لكافة المشكلات المطروحة؛ فموريتانيا لجميع الموريتانيين.
- المفارقة الرابعة أن يعتقد البعض في الخارج أن موريتانيا صارت بلدا بحكومتين وبرلمانين وشعبين في الوقت الذي لا توجد فيه -في الواقع- إلا دولة واحدة وحكومة واحدة وبرلمان واحد وشعب واحد مهما حاولت أقلية ضئيلة جدا من الفاسدين التحدث باسم الشعب الموريتاني ومصادرة رأيه.. وعلى من يقول بعكس ذلك خارج موريتانيا زيارة البلاد والاطلاع على أوضاعها العامة عن قرب؛ أما المواطنون في الداخل فيعيشون في انسجام وأمن واستقرار، ويزاولون أعمالهم اليومية باعتياد تام.
- المفارقة الخامسة هي قيام حفنة من لصوص المال العام بشن حملات دعائية تهدف إلى إشاعة جو من التوتر وإذكاء الفتنة لدفع البلاد نحو حرب أهلية من خلال إحياء النعرات القبلية والعرقية بهدف ضرب استقرار البلاد وتشويه صورتها الخارجية.. مع دعوتهم علنا إلى عزل البلاد دوليا وضرب مصالحها الاقتصادية؛ متجاوزين بذلك كافة الخطوط الحمراء، ومستهدفين الثوابت الكبرى للأمة؛ من وحدة وطنية، ومصالح اقتصادية حيوية، وأمن وسكينة عامين؛ فضلا عن استهداف رموز الدولة.
وعلى هؤلاء السفهاء أن يراجعوا أنفسهم قبل فوات الأوان وأن يقلعوا عن ارتكاب الجرائم في حق شعبهم ووطنهم. وهنا أوجه نداءا حارا إلى كل مواطن غيور على وطنه؛ مذكرا الجميع بالأخطار والتحديات التي تعترض مسيرتنا الوطنية؛ وخاصة منها تلك التي تتهدد أمننا وأمن جيراننا مثل الهجرة السرية وتجارة المخدرات والإرهاب وبؤر النزاع التي تهدد استقرار الدول المجاورة الذي يتداخل بشكل كبير مع استقرار بلادنا مثل نزاع الصحراء الغربية ومتمردي الطوارق وانفصاليي كازماص والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.. مما يلزم الجميع بتوخي الحذر والتحلي باليقظة.
- المفارقة السادسة هي تعرض قواتنا المسلحة وقوات أمننا الباسلة لهجوم داخلي؛ لكنه هذه المرة من طرف قوى سياسية وحزبية يفترض أنها وطنية، لا لجرم ارتكبته عدا انحيازها إلى خيار الأغلبية الساحقة من الشعب الموريتاني الرافض لتحكم وتسلط الفاسدين الذين يسلكون على الدوام سياسة "فرق تسد" حتى في مواجهة المؤسسة العسكرية والأمنية التي تسهر على أمن واستقرار البلاد وتعد العدة بشكل دائم للتصدي لأي عدوان خارجي محتمل.
ولعل في تشكيل القوات المسلحة وقوات الأمن لمجلس أعلى يسير الشأن العام للبلاد بصفة جماعية برهانا ساطعا على وحدة وتلاحم هذه القوات يطمئن كل الموريتانيين الغيورين على مستقبل وطنهم.
ومن الجدير بالذكر الإشارة هنا إلى أن الذين يتباكون على الديمقراطية يجب أن لا ينسوا أن القوات المسلحة وقوات الأمن هي من منح الديمقراطية للشعب الموريتاني.
وحتى يظل كل الموريتانيين فخورين بدولتهم ومحترمين لرموزها أورد هنا بعضا من المزايا القيادية السامية التي يتمتع بها رئيس الدولة الجنرال محمد ولد عبد العزيز لعل فيها إنارة للرأي العام الوطني حول شخص وبعض صفات السيد الرئيس:
- يوجد الرئيس الحالي في دائرة صنع القرار منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي؛ مما أتاح له مواكبة تجربة حكم البلاد والتحولات السياسية المتلاحقة التي عاشتها، ولم يتلطخ الرجل طيلة هذه المدة بتسيير المال العام على غرار بعض رفاقه من الضباط السامين؛ بل ظل دائما مثالا للقائد المتجرد لعمله المخلص لوطنه الذي ينحاز إلى المصالح العامة مقدما لها على المصالح الخاصة.
- يملك الرجل رؤية إستراتيجية ثاقبة مكنته على الدوام من مسايرة تطلعات الشعب الموريتاني في أحلك الظروف؛ فهو الذي قاد حركة تصحيح الثالث من أغسطس عندما كادت البلاد تنجرف إلى الهاوية، كما قاوم بكل بسالة مآرب رفاقه داخل المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية للنكث بالتعهدات المعلنة لصالح الشعب وفرض الالتزام بها.
- وقف إلى جانب الرئيس السابق ودعمه بإخلاص عندما بدا أن أغلبية الشعب الموريتاني تؤيده وتراهن على قيامه بتغيير أوضاع البلاد نحو الأحسن.
- لبى نداء الوطن: "موريتانيا أولا" مستجيبا لمطالب الانتفاضة الشعبية العارمة التي سحبت الشرعية الشعبية عن الرئيس السابق وطوقته سياسيا محاولة إرغامه على الاستقالة. ومما يثمن له قيادته الحكيمة لكل هذه المنعطفات الصعبة دون أن تسيل قطرة دم موريتانية واحدة كما وقع في الماضي أحيانا.
- يستفيد رئيس الدولة من مساندة ودعم كافة أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن من الناحية المهنية بحكم رتبته كأعلى ضابط رتبة في صفوف الجيش الوطني؛ فضلا عما يعرف به لدى الضباط والجنود من استقامة وروح قيادية.
- يعرف عنه تطابق الأفعال والأقوال؛ فهو رجل وفي بالتزاماته. ولا أدل على ذلك من الحصيلة الكبيرة من الإنجازات التي تحققت في الفترة القصيرة الماضية من تسييره لمقاليد الحكم في البلاد رغم كل محاولات التشويش وطمس الحقائق:
- تخفيض الأسعار
- تعزيز الأمن والاستقرار
- تخطيط الأحياء العشوائية
- ترقية الخدمات العمومية
- محاربة الفساد وترشيد الإنفاق العمومي
- يمتلك رئيس الدولة قدرات كبيرة في مجال التحكم في النفس والتحلي بالصبر وطول النفس وقوة التحمل؛ وهي صفات لا يستغني عنها أي زعيم سياسي، وذلك ما يشهد عليه تعامله مع الممارسات الاستفزازية لمعارضيه.
- في مجال التواصل مع الآخرين يقبل رئيس الدولة بتركيز كبير على محدثيه ويصغي إليهم بشكل جيد ويدون الأفكار المهمة أثناء تبادل الحديث؛ كما يستقبل ويودع زواره بكل حفاوة.
- ينحاز الرجل إلى الضعفاء والفقراء من عامة الشعب ويعارض الفساد ونهب المال العام؛ وهو ما يعكسه الالتفاف الشعبي العارم الداعم له.
لقد باتت أساليب المفسدين مكشوفة للجميع حتى سئمهم الناس وسئموا هم الناس؛ وهو ما يجعلني ألفت انتباه الجميع إلى أن صبر الشعب الموريتاني قد نفد، وأنه لم يعد يقبل من الآن فصاعدا التلاعب بمصيره ومقدرات وطنه وأن الضغط يولد الانفجار.. فالمواطن البسيط لا يحتمل المزيد وهو ما يحتم على الجميع قمة وقاعدة تحمل مسؤولياتهم في هذا الظرف الدقيق لتوقيف المفسدين عند حدهم وردعهم بالعقوبات؛ فبدون ذلك لن تحصل أي تنمية للبلاد وسيظل استقرارها مهددا والسلم الاجتماعي فيها مفقودا واحتمالات الانزلاق إلى حرب أهلية واردة.
وعلى الجميع أن يدركوا أن المفسدين لا ينتمون إلى لون ولا رائحة معينة؛ تماما كما قرأنا تعريف الماء في كتاب العلوم الطبيعية في المدرسة الابتدائية (الماء لا لون ولا رائحة ويأخذ لون الإناء الذي يوجد فيه) وهو ما يمنحهم قدرة فائقة على اختراق كل الهياكل الاجتماعية والسياسية؛ تماما كما يتسلل الماء بين طبقات الأرض والصخور.. وهو ما يجعل من اللازم استحداث طبقة سياسية جديدة ذات تمثيل شعبي واسع، تمتاز بالكفاءة العلمية ونظافة اليد ومقتنعة بخدمة شعبها ووطنها بديلا عن الطبقة الفاسدة التي أكملت أعمارها الوظيفية وزادت عليها؛ فمعظمهم يخدمون منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ويمارسون التحايل باستمرار حتى لا يحالوا إلى التقاعد، ونصيحتي لهؤلاء هي التسليم بالأمر الواقع والاعتراف بالإفلاس السياسي والفشل في استدراج الشعب الموريتاني مرة أخرى للوقوف إلى جانبهم؛ فالجميع صار يعرفهم جيدا.. ولا أدل على ذلك من عجزهم عن تحريك الجماهير رغم ثلاثة أشهر من بث الدعاية وترويج الشائعات المختلفة.
ولن يخلص البلاد أقل من ثورة شاملة في كافة المجالات تؤدي إلى تغيير الأوضاع العامة نحو الأفضل وتكرس القطيعة النهائية مع الماضي سبيلا إلى تأسيس دولة القانون التي تخدم الجميع.
وفي هذا السياق يجب أن لا تختزل الأيام التشاورية المزمع تنظيمها قريبا -كالعادة- في تدارس الوضعية السياسية للبلاد؛ بل يجب أن تتعدى ذلك إلى تدارس عميق للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ فالمنشغلون بالسياسية من الموريتانيين لا يتجاوزون نسبة 1% مما يجعل من الضروري إشراك كافة الأسلاك والشرائح الأخرى داخل موريتانيا الأعماق لرسم مستقبل البلاد وإعادة تحديد دور الدولة..
ومهما يكن من أمر فإنه لا خيار أمام الموريتانيين -إن أرادوا الحفاظ على المصالح العليا لوطنهم- سوى التداعي إلى حوار وطني شامل يفرز آليات توافقية تصون وحدة البلاد، وتعزز استقرارها، وتحسن من صورتها الخارجية، وتطوي صفحة الماضي وتجاذباته، وتتطلع إلى مستقبل زاهر.. فبلادنا غنية بمواردها الطبيعية والبشرية، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومنظومتها القيمية والحضارية السامية التي تعصمها من الانزلاق إلى الأوضاع الفوضوية التي عاشتها دول وشعوب أخرى حين ساد فيها قانون الغابة.
والله أسأل أن يعصم بلادنا من كل مكروه

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026