كانت فنزويلا عام 1999 تعاني من أزمات الجوع والبطالة والفساد الإداري وسوء التسيير الذي أنهك اقتصادها رغم أنها تملك خامس احتياط نفطي في العالم وأكبر احتياط من الغاز الطبيعي في القارة الأمريكية، لكن تلك القدرة الاقتصادية الهائلة ظلت عائداتها على الدوام تذهب لثلة قليلة تسيطر على الاقتصاد والإعلام وهكذا أصبح نحو 80% من السكان يعيشون تحت خط الفقر وتفشت البطالة تفشيا عظيما، وقد تزعم تشافيز دعوة ثورية للإصلاح والتنمية قادته إلى الفوز في انتخابات 1999 وبدأ بإصلاحاته الثورية التي استهدفت أول ما استهدفت الفقراء والعاطلين عن العمل ومحاربة الفساد، وقد أحدث هزة في أمريكا الجنوبية وفي العالم بمواجهته المفتوحة لقوى الفساد في بلاده وللولايات المتحدة الأمريكية وعولمتها، وظلت وسائل الإعلام والشارع الساحات الأكبر لتلك المواجهة التي ما تزال متواصلة رغم رسوخ التشافيزية وتعمقها في المجتمع الفنزويلي .
هل يقرأ محمد ولد عبد العزيز في السياسة والتاريخ المعاصر، وما مدى إلمامه بثورة هوكو تشافيز ذلك الثوري الشيوعي في عصر موت الأيديولوجيا ، عصر العولمة واستلاب الهويات ومحو الخصوصيات، وهل يمكن تلمس عناصر شبه بين ما يحاول ولد عبد العزيز اليوم القيام به وبين ما قام به تشافيز في فنزويلا.
قد تبدو الفكرة غربية بعض الشيء لكن لنتأمل الصورة بإمعان. ففي أول خطاب للجنرال محمد ولد عبد العزيز بعد انقلاب السادس من أغسطس تحدث عن نية المجلس الأعلى للدولة القيام بمجموعة من الإصلاحات وحدد أولوياته في (محاربة الرشوة و الفقر - إدماج الفئات المهمشة - تعزيز الوحدة الوطنية- استكمال عودة اللاجئين – إصلاح الجهاز القضائي) وقد أجمع المراقبون على أن ذلك البرنامج يبطن نية للبقاء في السلطة لفترة طويلة لأن القيام بتلك الإصلاحات لا بد له من سنوات عديدة وهو ما لا تسمح به الظروف، واتضحت تلك النية أكثر حين رفض رئيس المجلس العسكري مشروع الفترة الانتقالية الذي تقدم به زعيم المعارضة والذي تضمن تحديد فترة زمنية للانتخابات وإصدار قانون يحظر على العسكريين المشاركة في تلك الانتخابات. بل إن رئيس المجلس مضى في تكوين حكومته وسط معارضة الجميع ولم يأبه للاحتجاجات ولا لدعوات العالم المطالبة بالعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل السادس من أغسطس، وانتهز فرصة شهر رمضان ليقوم بخطوات لافتة كان من أهمها تخفيض أسعار بعض المواد الضرورية بنشر دكاكين لها أو بإصدار توجيهات لمورديها، وتوزيع مواد إفطار و كسوات للعيد، والأهم من ذلك قيام رئيس مجلس الدولة لبرنامج زيارات للتجمعات السكنية المهمشة في العاصمة واتصاله المباشر بالفئات الأكثر فقرا وضربه على الوتر الحساس لهذه الفئات بحديثه الصريح عن معاناتها وعن تهميشها المتعمد من طرف الحكومات المتعاقبة على البلاد منذ عقود وتقديمه وعودا بالعمل الفوري على تغيير الحالة المزرية لتلك الفئات وذلك بتوزيع المساكن وتوفير الغذاء والدواء لهم وبالتكوين المهني للشباب، وتأكيدا لهذا المسعى الضارب على الوتر الحساس للفئات الأحوج قام ولد عبد العزيز بزيارة لميناء الصداقة والمستشفى الوطني وأصدر تعليماته برفع مستوى الخدمة وتحسينها في هذين المرفقين الهامين وجلب المعدات اللازمة لهما. ولم ينس ولد عبد العزيز في زياراته تلك أن يهاجم المعارضين بالإشارة إلى أن بعضهم ساهم في معاناة تلك الفئات عندما كان يشغل مناصب سامية في الدولة. وأن يدعو الشعب إلى أن يكون واعيا بحقوقه ولا ينخدع بوعود الساسة الذين أغرقوه فيما مضى بالوعود الكاذبة، وكذلك أن يحث البرلمانيين إلى القيام بدورهم في الرقابة على الحكومة و لا يكونوا مجرد أداة للتصديق على القوانين التي تصدرها الحكومة.
إننا بلا شك يمكن أن نقرأ تحركات ولد عبد العزيز تلك في إطار الصراع المفتوح بينه وبين الطبقة السياسية المدافعة عن الشرعية الدستورية والداعية إلى رجوع الوضع إلى ما كان عليه قبل السادس من أغسطس والتي استطاعت حشد قطاعات واسعة من السياسيين والنقابيين ومن منظمات المجتمع المدني، فقد أراد ولد عبد العزيز الاحتماء بالطبقات المهمشة والفقيرة من المجتمع لعلمه أنها تشكل أغلبية ساحقة من الشعب الموريتاني و أن كسب أصواتها عامل حاسم في الصراع، وشوط متقدم في السباق تماما كما فعل تشافيز في فنزويلا حين احتمى بهذه الطبقة في مواجهته للطبقة الفاسدة المسيطرة على الحكم والمال في بلاده مع وجود فارق في التجربتين متمثل في كون هوكو تشافيز جاء إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع و ولد عبد العزيز انقلب على الشرعية وأزاح قسرا رئيسا منتخبا، كما أن الكتلة السياسية التي تقف في وجه ولد عبد العزيز ليست كلها طبقة فاسدة بل تضم تيارات سياسية ذات تاريخ نضالي مشهود وإن كانت أيضا تضم أطراف فساد عريقة زد على ذلك أن السياسيين المناصرين لولد عبد العزيز يشكلون بدورهم خليطا مشبوها والكثير منه متهم في صفاء مقاصده. لكن ذلك كله لا يلغي حقيقة أن هذا الاتجاه غير المسبوق الذي اتجهه ولد عبد العزيز سيكون له الدور الحاسم في تحديد مستقبله هو نسفه في السلطة كما كان لنصرة الطبقات الفقيرة دور حاسم في حماية سلطة تشافيز في أحلك اللحظات حين أطاح به أعداؤه في انقلاب 2002م فقد نزل الشعب إلى الشارع حاملا العصي والأسلحة ليعيدوه من جديد رغم أنف الانقلابيين وأمريكا التي كانت تدعمهم. ومع ذلك فإن هذا التوجه من رئيس المجلس الأعلى للدولة محفوف بمجموعة من المخاطر فكونه يأتي في إطار السجال السياسي الحالي قد يجعله مجرد توظيف سياسي وعملية استعراضية تقوم على الارتجالية و لا تتبنى حلولا تنموية دائمة وحين يكون كذلك تصبح عواقبه وخيمة جدا تستهلك فيها ميزانية الدولة ولا تصل منها تلك الطبقات إلى التنمية المرجوة، مما يضاعف أزمة التنمية، ويعمق الشرخ الاجتماعي. ويزيد التخبط السياسي.
فهل هي معالم اتجاه تنموي حقيقي أم مناورة سياسية آنية؟
لا شيء يزكي أيا من الاحتمالين على الآخر لكن الأكيد أن ولد عبد العزيز بدأ يكسب الجولة الثانية في المواجهة بعد أن كاد المدافعون عن الشرعية يحكمون الطوق من حوله ويحشرونه في زاوية ضيقة في الجولة الأولى، ولا أدل على ذلك من أن إحجام بعض الهيئات الدولية في اللحظات الأخيرة عن فرض العقوبات على موريتانيا و قبول البعض الآخر لممثلي حكومة ومحمد الأغظف في الاجتماعات الدولية، وتأتي مبادرة رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير- أبرز أوجه جبهة الدفاع عن الديمقراطية- الأخيرة لتشكل اعترافا ضمنيا بالانقلابيين كشريك ينبغي مفاوضته. ولا شك أن هذه المبادرة ومثيلات أخرى لها تلوح في الأفق ستعطي لولد عبد العزيز المزيد من الوقت لترسيخ قدمه، وهناك نقطتان سيعمل كسب إحداهما فإما أن تتمخض المفاوضات المرتقبة عن قبول الأطراف جميعها بفترة انتقالية طويلة نسبيا (حدود سنتين فما فوق) أو عن قبولها بسن قانون يسمح لأعضاء المجلس الأعلى للدولة بالترشح للانتخابات المقبلة.
وفي الاحتمال الأول سيستغل ولد عبد العزيز تلك المدة لترسيخ شعبيته في الطبقات المحتاجة وترك تأثير راسخ فيها مما يؤهله للترشح في دورة مستقبلة بعد أن يسلم السلطة للمدنيين كمرحلة أولى، وفي الاحتمال الثاني سيستغل سلطته الحالية وحكومته وبرلمانه في التهيئة لفوزه في الانتخابات القادمة.
محمد ولد محمد سالم
dah_tah@yahoo.fr



الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026