تاريخ الإضافة : 22.10.2008 12:11

القابضون على الجمر

بقلم محمد ولد اسويدي
Cmohamed71@gmail.com

ارتبطت السياسية في أذهان الكثير من أبناء هذا البلد بالكذب والخداع، ولهذا ما يبرره من تملق ونفاق وسرعة في تقلب المواقف عرفت به الطبقة السياسية منذ نشأة الدولة، لكن وجود ذلك الغثاء العارم من مصاصي دماء الشعوب لا ينفي وجود قلة حافظت على نصاعة أثوابها وهي تسير في مستنقع السياسة الآسن.
وقد شهدت المراحل السابقة من التاريخ السياسي لهذا البلد تمايزا واضحا في المواقف كان من السهل معه على كل مواطن إدراك زيف الكثير من الخطابات السياسية وإن منعه الطمع في أموال أصحابها من تعرية ذلك الزيف فاختنق الضمير الحي في داخله من فرط الحاجة.
إلا أن المرحلة الحالية تشهد أزمة التبس فيها شبح الفساد المقيت بلبوس الإصلاح وإنقاذ الضعفاء وتنمرت فيها ثعالب تعودت اختلاس قوت الفقراء مشهرة مخالب الدسائس والبهتان في وجه من حاول إيقاف نزيف الوطن الجريح. رغم كل ذلك فإن الحق يبقى أبلج لا تحجبه سحب الافتراءات والتهم الباطلة ويبقى الباطل لجلجا لا تخفي قبحه الادعاءات الواهية ولا تزيل عفنه الوعود الكاذبة.
لقد فرضت الأوضاع السياسية الأخيرة على المصلحين من أبناء البلد تعاملا حذرا ودقة فائقة في تحديد المواقف والقرارات فكانوا كمن يسير في حقل ألغام لأنهم – بخلاف غيرهم – محكومون بمبادئ يحرصون كل الحرص على عدم التنازل عنها
وبنفس الدرجة يحرصون على القيام بواجب الإصلاح والتخفيف من شر طال تغلبه.
هكذا تعامل هؤلاء مع الأزمة الراهنة تعامل الطبيب المتقن وصبروا على الحق في زمن قل المدافعون عنه، فكانوا كالقابض على الجمر.

دورة مع الحق

من أسوء ما يؤخذ على السياسيين سرعة تقلب المواقف حيث يبدل أغلبهم رأيه كما يبدل ثوبه، لكن هذا الأمر يختلف اختلافا بينا عما يقوم به أصحاب المبادئ من دوران مع الحق وترجيح لمصالح البلد حيث ما كانت وهو ما يتطلب تقديم الأحسن على الحسن، وتحمل السيئ تجنبا للأسوإ.
هكذا سطر نخبة من أبناء هذا البلد مواقف خالدة في العراك السياسي الأخير ستظل نجمة متلألئة في ليل العمل السياسي الحالك مهما قصرعن فهمها بعض العامة وتجاهلها الحسدة والمغرضون من المثقفين. كان أول هذه المواقف وأكثرها حسما تغليب مبدأ "الرجل المناسب" على حسابات الربح والخسارة في الشوط الأول من رئاسيات 2006, ثم ما تلا ذلك من عدم التردد والبعد عن مساومة اشتغل بها الآخرون في الشوط الثاني من نفس الانتخابات في رفض صارخ للتأثير على إرادة الناخبين.
ولا يقل عن هذين الموقفين مبدئية قرار المشاركة في الحكومة بما فيه من سعي لتخفيف الضرر عن المواطنين وإعطاء النموذج العملي في تسيير المال العام, والأهم من كل ذلك مساعدة الرئيس للخروج من طوق الفساد المطبق عليه.
وأخيرا هاهي طريق المبدئية والدوران مع الحق تسلك بروادها منعرجا جديدا من خلال تمسكهم بالشرعية الدستورية ورفضهم الاستيلاء على السلطة بالقوة مهما أحيط به من مبررات واهية.

حقائق لا يغيرها الزمن

مع تعقد الأزمة الحالية وتشابك خيوطها يحاول البعض أن ينسى أو يتناسى حقيقة قائمة لا يغيرها تقادم تاريخها، وهي أنه صبيحة السادس من أغسطس 2008 قام رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية بممارسة صلاحياته الدستورية من خلال إجراء تعديلات في المؤسسة العسكرية، فقام رئيس حرس معزول باعتقاله وتنصيب نفسه رئيسا.
هذه ببساطة حقيقة لا يمكن تجاوزها والمخطئ هو من يحاول تجاهل هذا الأمر والتحدث بمنطق المتغلب الذي يسمونه التعامل مع "الواقع"، وهو ليس إلا وقوعا في حضيض النفاق والتزلف تدشينا لعهد جديد من نهب المال العام انبرى له بعض أصحاب الجيوب الواسعة ممن عز عليهم أن يخطو هذا البلد المنهك ولو يسيرا نحو الإصلاح؛ وإني لأرى من ورائهم المئات من المزمرين فاغري أفواههم ينتظرون زوال شوكة المعارضين من حلقوم الزمرة المستغلبة ليلتهموا ما تطاله أيديهم من فتات مائدتها.


ثمار النضال

يتحدث مناصرو الانقلاب بفخر شديد عما يعتبرونه انجازات قام به الجنرال, الا إن وقفة متأنية مع هذه الحملة الدعائية التي يستخدمها العسكر لتثبيت أركان حكمهم تكشف أمرين مهمين.
الأول هو أن كل ما قيم به حتى الآن إجراءات سطحية لا ترقى إلى حجم المشاكل الجمة التي يتخبط فيها الوطن, فلا يحل مشاكل المواطنين أن يقوم الجنرال بزيارة الأحياء الفقيرة في المدينة موزعا الوعود البراقة كحل مشكل السكن العشوائي و مشكل المياه.
الأمر الثاني الذي يمكن ملاحظته حول فترة حكم الانقلابيين هو أن هذه الحملة النشطة و ان قلت ثمارها لم تكن لتحدث لو لم يجد الانقلابيون معارضة قوية أربكت مطامعهم في الاستفراد بالسلطة و أرغمتهم على النزول إلى أزقة أحياء الصفيح. فنضال المتمسكين بالشرعية إضافة إلى دوره المحوري في إنقاذ البلد من الارتكاس في غياهب الأحادية, كان سببا في حصول الموطنين على جزء ولو يسير من حقوقهم. و هي مجرد ثمار أولية لنضال شريف سيدرك الموريتانيون أهميته بعد انجلاء هذه الغمة عند وضع حد نهائي للعبة الانقلابات الفوضوية.

ليبقى النضال نظيفا

ولا ننسى أن نذكر نخبة البلد -وهي في غمار نضالها من أجل الشرعية- بضرورة المحافظة على نظافة هذا النضال, فهم في النهاية ليسوا مطالبين بزوال هذا الخلل القائم بقدر ماهم مطالبون بالثبات على الحق و بذل الجهد بما لا يضر بمصالح المواطن و البلد. وهناك نقطتين أـساسيتين تعتبران من أهم ما يجب الحفاظ عليه في هذه المرحلة:
1- الحرص على أن تظل العقوبات الدولية المنتظرة محصورة في شخوص الانقلابيين و داعميهم, فلا طاقة للبلد على تحمل عقوبات شاملة, و يجب أن لا نجاري الانقلابيين في تعنتهم و تجاهلهم للخطر المحدق بشعبنا, كما يجب أن لا نغفل عن مطامع القوى الخارجية.
2- المحافظة على أمن المواطنين و لحمة البلد من خلال السيطرة على المظاهرات لكي لا تتحول الى شرارة فتنة تضر البلد ولتظل ساحة للتضحية يضرب فيها المناضلون و هم صامدون على مواقفهم.



الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026