تاريخ الإضافة : 20.10.2008 11:39

إنهم يتباكون على انهيار "إمبراطورية أصدقاء العائلة"

الحسن ولد مولاي علي
hmoulayely@yahoo.fr

تزدحم صفحات الجرائد ومواقع الانترنت- فضلا عن المنتديات والمؤتمرات الصحفية واللافتات المحمولة في المسيرات والمظاهرات- تزدحم بسجال سياسي مغرض كريه، سجال يصم الآذان بأقل المصطلحات أصالة وأكثرها جدة وحداثة، وأقل البراهين دلالة وأكثرها عتاقة وتهافتا، وأقل الأسئلة أهمية وأكثرها إثارة وبلادة؛ فيظل عقيما عاقرا لا ينتج- برغم هول الجعجعة- أي طحين يصلح للعَجْن والخَبز.
ألا يخجل الساسة المنشغلون بهذا السجال العقيم، منذ أن أطاح الجيش بالرئيس المخلوع، ووضَع حدا لـ "إمبراطورية أصدقاء العائلة" من أنفسهم، فيتوقفوا عن الحجاج المقيت، ويشاركوا الجماهير المسحوقة أملها الجديد في تبدل الحال؟ ذلك الأمل الذي أخرج شطأه يوم السادس من أغسطس، ثم استغلظ فاستوي على سوقه، قبل وخلال وبعد شهر رمضان المبارك، وبدأت بواكير ثمره في "الحي الساكن" و"كبة المربط" و"الطينطان" وغيرها من الزوايا النائية المحرومة.
لقد حرم محترفو السياسة شعبهم وطاقته الحية- على مدى شهرين كاملين- من التفرغ للاستحقاقات والمهام الجسام التي تنتظرهم، وفي مقدمتها الإسراع في بلورة جواب في شكل إجماع وطني، على السؤال الجوهري الكبير، الذي كتب علينا أن ننتظر نصف قرن من وجود الدولة الوطنية قبل أن يطرح علينا، مع كثرة ما طرح علينا من أسئلة تافهة، حتى طرح اليوم سؤالا على الملأ، يتعلق بشكل ومواصفات ومرجعيات النظام السياسي الذي نريده، والذي يلائم حقائقنا الوطنية وحاجاتنا التنموية، وهو الذي يشكل محور المنتديات الوطنية للحوار التي بدأ العد التنازلي لالتئامها، وينتظر أن تخرج بمشروع دولة وطنية في خدمة المواطنين.
خدمة المواطنين! ذلك هو مربط الفرس في اهتمامات الفقراء الذين يشكلون الغالبية العظمى من شعبنا، والذين يزدادون عددا ويزدادون فقرا، منذ خمسين سنة، في حين تستحوذ أقلية من محترفي التملق السياسي، ومن المتاجرين بقيم وثوابت المجتمع، على كامل ثروة بلد قليل الساكنة، يعيش على أغنى شواطئ المصائد في العالم، وربما على بحيرة من الذهب الأسود، ويصدّر أثمن خامات الحديد والنحاس، ويعد باطن أرضه بالعديد من الثروات، ويتوفر على ثروة حيوانية لا نظير لها في المنطقة، وعلى إمكانات زراعية هائلة، لكن هذه الثروات الهائلة تذهب إلى جيوب أقلية من المتسلطين والمتزلفين وبطانات السوء التي تتداول البلد منذ عقود، ومن المرابين والسماسرة الذين يتاجرون بكل ما تطاله أيديهم، ولا يكرمون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين، وخدمة المواطنين أبعد ما تكون عن انشغالاتهم.
أين هو المفهوم البسيط لخدمة المواطن، والذي تجسده الأفعال الميدانية على الأرض-وليس الأقوال التي لا رصيد لها من الفعل- من سيل المفاهيم النظرية الجوفاء المتداولة في الخصومة السياسية القائمة، مفاهيم"الشرعية" و"المشروعية" و"الديمقراطية" و"الإرادة الشعبية" و"الحكم الشمولي"... إلى آخر القائمة الطويلة من أدوات الخصام التي لا تقنع حكما، ولا تفحم خصما، والمستعملة في السجال النكد المتواصل، في جلبة تذكر بنداء السماسرة والباعة على البضائع الرديئة في المزادات؟.
إنها مصطلحات فقدت بريقها الزائف لدى المواطن، وهي تصم الآذان منذ عشرات السنين، وتحت كل النظم التي تداولت الجمهورية وشعبها، و لم تشبع جوع الجياع قط، ولم ترو ظمأ الظماء قط، ولم تستر عري العرايا قط، ولم توفر المساكن اللائقة لشعب يفترش الأرض ويلتحف السماء قط؛ ومع ذلك يستمر سماسرتها في الترويج لها بين دهماء لا تجد من وقتها فائضا عن تدبير كسرة خبز عز وجودها، أو جلب جرعة ماء عز مطلبها، أو الحصول على حبة من الدواء تنفع في مصارعة الداء، أو على سقيفة قش تقي وهج الحر، أو على خرقة ثوب تصد زمهرير القر.
ألِئَن "إمبراطورية أصدقاء العائلة" التي أقامها النظام السابق ورفع قواعدها على أنقاض الآمال الوطنية، قد انهارت، يدفع شعبنا المسكين الثمن مضاعفا، وهو الذي افتقد- في عهد الإمبراطورية وأكثر من أي حقبة سوداء مضت- معنى انتمائه لبلد ودولة وشعب، وتقلصت إلى ما تحت الصفر خدماته الأساسية، وارتفعت فاتورة حياته اليومية بشكل يتجاوز طاقته، في حين كانت المليارات من أموال دافعي الضرائب تبذر تبذيرا أمام عينيه؟
خدمة المواطن، ذلك هو الرهان الذي كسبه- منذ أول يوم- قادة القوات المسلحة، الذين اقتحموا قلب المعركة بشجاعة، يوم السادس من أغسطس، ليضعوا حدا لسنة ونصف من الفساد المستشري في أوصال الدولة ومفاصلها، منذ أن كسب الرهان على المنصب الأعلى فيها من كانوا أولياء نعمته حين أحسنوا به الظن فكان مرشحهم للرئاسيات سنة 2007، وسرعان ما خاب أملهم فيه، بعد أن عطل الدستور ومنع نواب الشعب وشيوخه من أداء دورهم الذي اختارهم الناخبون للقيام به، وبدأ يؤسس"إمبراطورية أصدقاء العائلة" فأحاط نفسه بسياج من خلصائه، وأغدق الأموال الطائلة على رحلاته المكوكية حول العالم، وعلى وسائل الإعلام الأجنبية مقابل تلميع صورته لدى الرأي العام الوطني والدولي، وجر البلاد إلى فراغ أمني خطير وضعها علي شفا حرب أهلية مدمرة لا تبقي ولا تذر، وذلك عندما استبق الصباح ذات يوم فأقال - خلسة وتحت جنح الظلام وخارج كل الترتيبات والإجراءات القانونية المتبعة- جميع قادة القوات المسلحة وقوات الأمن، وأمر بإعلان قراره على وسائل الإعلام العمومية، ثم جلس يحتسي قهوة الصباح.
لقد كانت مبادرة السادس من أغسطس، جريئة وحاسمة، حين قرر القادة العسكريون إنهاء عهد حليفهم السابق بعد ما قلب ظهر المِجَنّ، ليس للضباط الكبار الذين يعود إليهم الفضل في استجلابه من منفاه الاختياري وترشيحه لأعلى منصب في الدولة التي أرادوا لها أن تدخل الديمقراطية من بابها الواسع لأول مرة منذ استقلالها، وإنما للناخبين الذين رأوا في التصويت لصالحه دعما لبرنامج الثالث من أغسطس 2005 فأعطوه أصواتهم، وكذلك للمجتمع الذي حلم بنظام يجعل من تلبية احتياجاته الحياتية همه الأول، ولقد خاب أمل الجميع في الرئيس المخلوع.
ليس عيبا أن يجتهد المرْْء فيسيء التقدير، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون، ولكن العيب هو أن يخطئ المرْء التقدير ثم يستمر في الدفاع عن نتائج خطئه، وذلك ما ربأ قادة حركة تصحيح المسار بأنفسهم عنه، حين تتابعت أخطاء الرجل، وكان من الوارد أن يشار إلى مسئوليتهم الأخلاقية عما آل إليه أمر البلاد والعباد تحت قيادة من كانوا قد اختاروه لتبوئ الكرسي، فجاء ت نتائج اختيارهم على غير ما أرادوا، وكان ذلك- وحده- سببا كافيا لإبراء ذممهم أمام الله والناس، مما اقترفته أيدي الفساد.
لقد أعرض القادة الجدد إعراضا عن السجال الفارغ وبادروا- فورا- إلى إصلاح الخلل الدستوري والسياسي والاقتصادي الذي شل البلاد طيلة خمسة عشر (15)شهرا، ومضوا شوطا بعيدا في هذا الصدد، وقد لمس المواطن خلال الفترة الوجيزة التي مضت على استلام قادة القوات المسلحة لزمام الأمور، فرقا شاسعا في مستوى عيشه وفي أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وقد عاود الأمل نفوس الفقراء وسكان أحياء الصفيح، بالوعد الذي أطلقه قائد الحركة ، وهو يقف بنفسه على الأوضاع غير الإنسانية للمواطنين في "الحي الساكن" و"كبة المربط،" بإيجاد حل جذري لتلك الأوضاع المزرية. وبالتوازي مع منتديات الإصلاح السياسي التي بدأ التحضير لها، تحولت زوايا وأركان البلد كلها إلى ورشة عمل يستهدف انتشال المواطنين من هوة الإهمال والازدراء المزمن.
أما المهاترات التي تملأ الصفحات والمواقع الالكترونية- فضلا عن الشوارع والقاعات العامة- فتذكيها قيادات من أركان الإمبراطورية التي هوت، وقد فقدت بخلع ولد الشيخ عبد الله المزايا والوظائف والتسهيلات- الواقعة والمتوقعة- التي جنتها أو حلمت بها، فطفقت تدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتشجب وتندد باستيلاء"العسكر" على السلطة بالقوة، وتحاول- عبثا- استغفال الجمهور واستعداء الخارج، لعلها تعود بالسفينة القهقرى.
وهنا ترد مجموعة من الاستفهامات الإنكارية يفرضها السياق، وهي: من أي كوكب في أية مجرة جاء هؤلاء؟ ألم يكونوا شهودا- كل من موقعه- على نصف القرن الماضي؟ أيا من الانقلابات العشر الناجحة التي سبقت السادس من أغسطس حدث في غيبتهم؟ ألم يلعقوا أحذية النظم الانقلابية المتتابعة، وقد ولغوا على موائدها في المال الحرام، وزراء في قطاعات أبلست، ومدرين لمؤسسات أفلست، وولاة وحكاما لأقاليم كُنِِست؟ وسفراء في بعثات دبلوماسية نُكّست؟ ثم كم عمر الدولة الموريتانية؟ ألم تعش قرابة نصف قرن من الزمان تحت النظم الشمولية، مدنية وعسكرية، أم أن خمسة عشر شهرا من حكم مرشح المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، أنستهم كل هذا التاريخ المسطور بالدبابات والأحذية الثقيلة؟.
ثم ما الذي يراهن عليه هؤلاء- وقد خسر رهانهم في الداخل- من مواقف الخارج؟ الغرب؟ وهل للغرب من أصدقاء في العالم إلا مصالحه، وإلا النظم الجبرية المورِّثة التي تفرض نفسها على شعوب بلدانها من المهد إلى اللحد، فتضمن ديمومة المصالح الغربية؟. الاتحاد الإفريقي؟ هل هو إلا ناد موسع للماريشالات والجنرالات والكلونيلات؟ وهل تترك له مآسيه المتفاقمة في كل مربع منه، وقتا للتفكير في شأن لا يخصه؟ وأي إمكانات سياسية واقتصادية تؤهله لموقع من يتوعد وينذر ويفرض العقوبات، وغالبية مواطنيه يتكدسون يوميا بالمئات في قوارب الموت فرارا أوضاعهم التي لا تطاق؟
متى يقتنع المتباكون على انهيار"إمبراطورية أصدقاء العائلة" أن حصان الرهان على استغفال المواطن المسكين قد خسر، و أن الرهان على الخارج رهان ميئوس منه، وأن الرهان على المثل والمبادئ المستوردة التي كان المبشرون بها أول كافر بها هو رهان بائس، والحصان الرابح لن يكون سوى خدمة المواطن وإقناعه بشكل عملي صامت وملموس، بأن أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والأمنية تتحسن وتزداد تحسنا، وأن قيمه وثوابته محفوظة مصانه، وأن الوطن داره الواسعة التي يتبوأ منها حيث يشاء، وأن العيش الكريم حق محفوظ له ولأجياله اللاحقة. أما الأماني بعودة الماضي ورجوع الفرصة الضائعة فهو ضرب من الهوس وداء الصرع، لا يجدي معه إلا العيادات النفسية؛ فسيدي ولد الشيخ عبد الله ونظامه أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.


نواكشوط في 19 أكتوبر 2008
الحسن ولد مولاي علي

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026