تاريخ الإضافة : 19.10.2008 18:50
الأزمة السياسية في موريتانيا:دعوة إلي تحكيم العقل
الشيخ بكاي
لا أتفق مع وزيرالإتصال السيد محمد ولد امين في تعليقه الدبلوماسي الخالي من القلق إزاء تجديد الولايات المتحدة موقفها الرافض للوضع القائم في البلد، واتخاذها إجراءات ضد " بعض أعضاء المجلس العسكري والحكومة ...". فأنا قلق جدا. وليس ذلك بسبب منع تأشرة دخول إلي أميركا لعسكريين أو وزراء أو برلمانيين، فقد لا تكون لهؤلاء رغبة في السفر إلي بلاد " العم سام". ومن دون شك لنا مصلحة كبيرة في الحد من أسفارهم التي هي جزء من هذا النهب العام الذي عودنا عليه القائمون علي أمورنا منذ عهد بعيد...
مثار القلق هو أن الإجراء الأميركي يترجم جدية أميركا في قيادة حصاردولي علي بلدنا الفقير ،الضعيف... وسيكون كارثيا ألا تحمل أطراف اللعبة السياسية ما يجري محمل الجد. وسيكون كارثيا أكثر أن تهلل أطراف معينة لخنق أطفالنا وتجويع شعبنا الذي يكفيه ما هو فيه من ضيق حال الآن، وما عاناه علي مر السنين من تجويع علي أيدي حكامه وزمر اللصوص التي تسبح بحمد كل حاكم بيد، وتحفر له قبره باليد الأخري.
****** ***** *****
أتمني أن تكون حكومتنا مدركة تمام الإدراك معني الإجراء الأميركي، وألا تتعامل مع العامل الدولي تعامل أنظمة اتهمت بالغباء، لا لأنها غبية فعلا، بل لكونها بالغت في الثقة بالنفس،واستخدام الحق في الإستقلالية عن الآخر، وقدست مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وأتمني أيضا علي معارضتنا المطالبة بعودة الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله ألا تنساق وراء الأوهام.
وثقتي كبيرة في " العربي الأسمر" مسعود ولد بلخير (كما تسميه الصحافة العربية)، وفي زملائه الناصريين الذين هم رفاق دربي، وأتقاسم معهم الرؤية الشاملة لموريتانيا متعددة الأعراق والثقافات... متصالحة مع ذاتها وثقافاتها، مستقلة في قرارها، وخالية من الإستغلال بشتي صنوفه.
ولي الثقة نفسها في قادة اليسار من أمثال محمد ولد مولود والمصطفي ولد بدر الدين اللذين عودانا علي طرح مبدأ " المساومة الوطنية"، وكذا في جميل منصور وزملائه الذين جسدوا علي الدوام " اعتدال الإسلام السياسي" في البلد.
****** ***** *****
قد أجد مبررا لمطالبة البعض بعودة الرئيس السابق السيد سيدي ولد الشيخ عبد الله. وشخصيا لا اعتراض لي علي هذه المطالبة، وخصوصا من قبل من ساندوه في الجولة الأولي، فهي المرة الأولي التي لا يتخلي فيها سياسيون موريتانيون عن رئيس شحم أكتافهم من خيره مباشرة بعد سقوطه... أسجل لهم هذه الفضيلة. فقد عودتنا طبقة سياسية تتسم بالنفاق علي لعن من كانت تؤلهه بعد لحظات من إذاعة " البيان الأول". ولنا في الرئيس السابق معاوية ولد الطايع خير مثال. كما أنني أحترم ولد الشيخ عبد الله في حدود معرفتي به التي لا تتجاوز السماع من بعيد ، قبل أن يصبح رئيسا، ومراقبته من بعيد أيضا منذ وصل إلي كرسي الرئاسة. وأنا من دون شك لست معجبا بالطريقة التي سيرت بها البلاد في عهده، وتلك قصة أخري.
المهم أننا الآن أمام مأزق ينبغي أن نتجاوزه، ولن يتأتي ذلك إلا بحلول توافقية تقدم فيها كل الأطراف تنازلات تجنب البلد كارثة هو في غني عنها.ومن بينها الإفراج عن الرئيس السابق ليعيش حياته كما يريد.
وبشكل واضح وصريح - مع احترامي للرئيس السابق - لا أعتقد أن أي حاكم يستحق أن نضحي من أجله باستقرار البلد وبقوت أطفاله. وأتصور أن الرجل لن يرضي بأن يتحول إلي حطب يشوي أطفال بلاده.
هناك أمر واقع : نظام عسكري يسيطر علي كل الأمور ، ومن العبث أن ينتظر من العسكريين تسليم رقابهم لرئيس انقلبوا عليه وزجوا به في المعتقل. لا سيما أن هؤلاء العسكريين يستندون إلي أكثرية نيابية وقوي سياسية وقبلية تمنحهم قدرا من الشرعية. ولست هنا في وارد الدفاع عن " ثورة القصر"، أو " الحركة التصحيحية" أو " الإنقلاب"، إنما ألاحظ واقعا يتفق عليه معظم المراقبين.
لقد قال العسكريون إنهم علي استعداد لإعادة البلاد إلي حياة دستورية عادية
ويمكن اختبار نياتهم الآن من خلال المشاركة في الأيام التشاورية التي يجري الإعداد لها. وهي مشاورات ستتم بمن حضر،وستتخذ فيها قرارات مصيرية تحدد المستقبل السياسي للبلد. وإنه من الغباء السياسي أن تترك قوي سياسية -لا أشكك في وطنيتها- مصائربلادها تتحد علي أيدي قوي أخري من خلال تشاور ديمقراطي مفتوح للكل. فالمطلوب الآن أن يشارك الكل في هذه المنتديات، أن يرفض ما يريد رفضه، ويطرح من الشروط ما أراد. وأن تتحكم كل الأطراف في اندفاعات متطرفيها بهدف الوصول إلي حل داخلي متوافق عليه.
ولا أقلل أبدا من قيمة النضال من أجل الديمقراطية - التي أختنق في غيابها، وأنا من أكثر المستفيدين منها بحكم المهنة- إذا أنا قلت إن مذبحة الديمقراطية التي يتخذها السياسيون متكأ للعب بالنار الآن حدثت في الثالث من أغسطس 2005 علي أيدي الرجال أنفسهم الذين أسقطوا ولد الشيخ عبد الله...
لماذا التف كل السياسيين حول انقلابيي 2005 ، ولم يلتفوا حولهم الآن؟ ألأنهم يعتبرون أن ولد الطايع زور الإنتخابات ولم يكن شرعيا... لقد قال السياسيون أنفسهم إن ولد الشيخ عبد الله صنيعة العسكر؟ ألم يقولوا إن نظام 3 أغسطس 2005 فكك الأحزاب السياسية وخصوصا الحزب الجمهوري الذي كان أكبر الأحزاب قبل الإنتخابات البرلمانية بنحو الشهرين؟ ألم يقولوا إن أوامر أعطيت لطبقة سياسية أقر معهم بنفاقها وانتهازيتها بدعم ولد الشيخ عبد الله؟ ألم يقولوا إن الإنتخابات كانت في ظاهرها نزيهة،وكانت مزورة في الحقيقة... أليس في هذا طعن في شرعية الرئيس السابق؟ أم هو الكيل بمكيالين؟
لقد أعطي انقلابيو 2005 وعودا بتنظيم انتخابات، وهم يعطون الوعود نفسها الآن، لكن في ظرفية خطرة تنذر كل المؤشرات فيها بأن البلاد علي شفير الهاوية. وحري بنا كلنا أن نتحلي بالواقعية من أجل إنقاذ بلدنا، وأن نتحاور، ونستخدم عقولنا بعيدا عن المزايدات، وبعيدا عن الرهان علي العامل الخارجي . وهو لعمري رهان خاسر.
قد يرقص البعض علي أنغام الكلام المعسول في عواصم الغرب عن "الديمقراطية"، و " الحياة الدستورية العادية"، و " الشرعية". وهي كلمات لها بريقها. وهي أيضا ضرورة، وحق لكل الشعوب، وجديرة بان نضحي من أجلها. ونحن نستحقها مثل جميع شعوب العالم. لكن لا أعتقد أن عاقلا في عالم اليوم ينخدع بدموع التماسيح التي يذرفها الغربيون علي هدر قيم يريدونها لأنفسهم فقط... يدافعون عنها خارج بلدانهم حينما تقتضي المصالح ذلك... ويرفسونها حينما تقتضي المصالح الوقوف مع أعتي الدكتاتوريات العسكرية أو الأسرية التي يتخلون عنها حينما يشعرون أن أركانها تهتز....
قد يمارس البعض الحلم علي وقع الموسيقي الهادئة تعزفها جوقة هؤلاء الإنسانيين الديمقراطيين ، لكن علمتنا التجارب أن هذه الموسيقي الحالمة تتحول إلي صواعق، وموت ودمار.... والشواهد كثيرة في حاضرنا اليوم...
كاتب صحفي موريتاني-
لا أتفق مع وزيرالإتصال السيد محمد ولد امين في تعليقه الدبلوماسي الخالي من القلق إزاء تجديد الولايات المتحدة موقفها الرافض للوضع القائم في البلد، واتخاذها إجراءات ضد " بعض أعضاء المجلس العسكري والحكومة ...". فأنا قلق جدا. وليس ذلك بسبب منع تأشرة دخول إلي أميركا لعسكريين أو وزراء أو برلمانيين، فقد لا تكون لهؤلاء رغبة في السفر إلي بلاد " العم سام". ومن دون شك لنا مصلحة كبيرة في الحد من أسفارهم التي هي جزء من هذا النهب العام الذي عودنا عليه القائمون علي أمورنا منذ عهد بعيد...
مثار القلق هو أن الإجراء الأميركي يترجم جدية أميركا في قيادة حصاردولي علي بلدنا الفقير ،الضعيف... وسيكون كارثيا ألا تحمل أطراف اللعبة السياسية ما يجري محمل الجد. وسيكون كارثيا أكثر أن تهلل أطراف معينة لخنق أطفالنا وتجويع شعبنا الذي يكفيه ما هو فيه من ضيق حال الآن، وما عاناه علي مر السنين من تجويع علي أيدي حكامه وزمر اللصوص التي تسبح بحمد كل حاكم بيد، وتحفر له قبره باليد الأخري.
****** ***** *****
أتمني أن تكون حكومتنا مدركة تمام الإدراك معني الإجراء الأميركي، وألا تتعامل مع العامل الدولي تعامل أنظمة اتهمت بالغباء، لا لأنها غبية فعلا، بل لكونها بالغت في الثقة بالنفس،واستخدام الحق في الإستقلالية عن الآخر، وقدست مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وأتمني أيضا علي معارضتنا المطالبة بعودة الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله ألا تنساق وراء الأوهام.
وثقتي كبيرة في " العربي الأسمر" مسعود ولد بلخير (كما تسميه الصحافة العربية)، وفي زملائه الناصريين الذين هم رفاق دربي، وأتقاسم معهم الرؤية الشاملة لموريتانيا متعددة الأعراق والثقافات... متصالحة مع ذاتها وثقافاتها، مستقلة في قرارها، وخالية من الإستغلال بشتي صنوفه.
ولي الثقة نفسها في قادة اليسار من أمثال محمد ولد مولود والمصطفي ولد بدر الدين اللذين عودانا علي طرح مبدأ " المساومة الوطنية"، وكذا في جميل منصور وزملائه الذين جسدوا علي الدوام " اعتدال الإسلام السياسي" في البلد.
****** ***** *****
قد أجد مبررا لمطالبة البعض بعودة الرئيس السابق السيد سيدي ولد الشيخ عبد الله. وشخصيا لا اعتراض لي علي هذه المطالبة، وخصوصا من قبل من ساندوه في الجولة الأولي، فهي المرة الأولي التي لا يتخلي فيها سياسيون موريتانيون عن رئيس شحم أكتافهم من خيره مباشرة بعد سقوطه... أسجل لهم هذه الفضيلة. فقد عودتنا طبقة سياسية تتسم بالنفاق علي لعن من كانت تؤلهه بعد لحظات من إذاعة " البيان الأول". ولنا في الرئيس السابق معاوية ولد الطايع خير مثال. كما أنني أحترم ولد الشيخ عبد الله في حدود معرفتي به التي لا تتجاوز السماع من بعيد ، قبل أن يصبح رئيسا، ومراقبته من بعيد أيضا منذ وصل إلي كرسي الرئاسة. وأنا من دون شك لست معجبا بالطريقة التي سيرت بها البلاد في عهده، وتلك قصة أخري.
المهم أننا الآن أمام مأزق ينبغي أن نتجاوزه، ولن يتأتي ذلك إلا بحلول توافقية تقدم فيها كل الأطراف تنازلات تجنب البلد كارثة هو في غني عنها.ومن بينها الإفراج عن الرئيس السابق ليعيش حياته كما يريد.
وبشكل واضح وصريح - مع احترامي للرئيس السابق - لا أعتقد أن أي حاكم يستحق أن نضحي من أجله باستقرار البلد وبقوت أطفاله. وأتصور أن الرجل لن يرضي بأن يتحول إلي حطب يشوي أطفال بلاده.
هناك أمر واقع : نظام عسكري يسيطر علي كل الأمور ، ومن العبث أن ينتظر من العسكريين تسليم رقابهم لرئيس انقلبوا عليه وزجوا به في المعتقل. لا سيما أن هؤلاء العسكريين يستندون إلي أكثرية نيابية وقوي سياسية وقبلية تمنحهم قدرا من الشرعية. ولست هنا في وارد الدفاع عن " ثورة القصر"، أو " الحركة التصحيحية" أو " الإنقلاب"، إنما ألاحظ واقعا يتفق عليه معظم المراقبين.
لقد قال العسكريون إنهم علي استعداد لإعادة البلاد إلي حياة دستورية عادية
ويمكن اختبار نياتهم الآن من خلال المشاركة في الأيام التشاورية التي يجري الإعداد لها. وهي مشاورات ستتم بمن حضر،وستتخذ فيها قرارات مصيرية تحدد المستقبل السياسي للبلد. وإنه من الغباء السياسي أن تترك قوي سياسية -لا أشكك في وطنيتها- مصائربلادها تتحد علي أيدي قوي أخري من خلال تشاور ديمقراطي مفتوح للكل. فالمطلوب الآن أن يشارك الكل في هذه المنتديات، أن يرفض ما يريد رفضه، ويطرح من الشروط ما أراد. وأن تتحكم كل الأطراف في اندفاعات متطرفيها بهدف الوصول إلي حل داخلي متوافق عليه.
ولا أقلل أبدا من قيمة النضال من أجل الديمقراطية - التي أختنق في غيابها، وأنا من أكثر المستفيدين منها بحكم المهنة- إذا أنا قلت إن مذبحة الديمقراطية التي يتخذها السياسيون متكأ للعب بالنار الآن حدثت في الثالث من أغسطس 2005 علي أيدي الرجال أنفسهم الذين أسقطوا ولد الشيخ عبد الله...
لماذا التف كل السياسيين حول انقلابيي 2005 ، ولم يلتفوا حولهم الآن؟ ألأنهم يعتبرون أن ولد الطايع زور الإنتخابات ولم يكن شرعيا... لقد قال السياسيون أنفسهم إن ولد الشيخ عبد الله صنيعة العسكر؟ ألم يقولوا إن نظام 3 أغسطس 2005 فكك الأحزاب السياسية وخصوصا الحزب الجمهوري الذي كان أكبر الأحزاب قبل الإنتخابات البرلمانية بنحو الشهرين؟ ألم يقولوا إن أوامر أعطيت لطبقة سياسية أقر معهم بنفاقها وانتهازيتها بدعم ولد الشيخ عبد الله؟ ألم يقولوا إن الإنتخابات كانت في ظاهرها نزيهة،وكانت مزورة في الحقيقة... أليس في هذا طعن في شرعية الرئيس السابق؟ أم هو الكيل بمكيالين؟
لقد أعطي انقلابيو 2005 وعودا بتنظيم انتخابات، وهم يعطون الوعود نفسها الآن، لكن في ظرفية خطرة تنذر كل المؤشرات فيها بأن البلاد علي شفير الهاوية. وحري بنا كلنا أن نتحلي بالواقعية من أجل إنقاذ بلدنا، وأن نتحاور، ونستخدم عقولنا بعيدا عن المزايدات، وبعيدا عن الرهان علي العامل الخارجي . وهو لعمري رهان خاسر.
قد يرقص البعض علي أنغام الكلام المعسول في عواصم الغرب عن "الديمقراطية"، و " الحياة الدستورية العادية"، و " الشرعية". وهي كلمات لها بريقها. وهي أيضا ضرورة، وحق لكل الشعوب، وجديرة بان نضحي من أجلها. ونحن نستحقها مثل جميع شعوب العالم. لكن لا أعتقد أن عاقلا في عالم اليوم ينخدع بدموع التماسيح التي يذرفها الغربيون علي هدر قيم يريدونها لأنفسهم فقط... يدافعون عنها خارج بلدانهم حينما تقتضي المصالح ذلك... ويرفسونها حينما تقتضي المصالح الوقوف مع أعتي الدكتاتوريات العسكرية أو الأسرية التي يتخلون عنها حينما يشعرون أن أركانها تهتز....
قد يمارس البعض الحلم علي وقع الموسيقي الهادئة تعزفها جوقة هؤلاء الإنسانيين الديمقراطيين ، لكن علمتنا التجارب أن هذه الموسيقي الحالمة تتحول إلي صواعق، وموت ودمار.... والشواهد كثيرة في حاضرنا اليوم...
كاتب صحفي موريتاني-







