تاريخ الإضافة : 13.10.2008 11:54

إلى الرئيس المخلوع ألا رفقا بالناس.. ألا رفقا بنفسك

باب ولد التام
عرف الرأي العام الوطني السيد سيدي ولد الشيخ عبد الله بمناسبة الضجة المثارة حول فضيحة احميدة بوشراي التي أقيل على أثرها من وزارة الصيد، فيما عرفته النخبة السياسية والإدارية من خلال بعض الوظائف التي تقلدها منذ إنشاء الدولة، ولم تكن في محطات حياة الرجل وقفات أو مؤشرات تهيئه للدور الذي حاول لعبه في الفترة الأخيرة، خاصة بعد أن دخل فترة غياب وبيات شتوي طويل قاده إلى دول خليجية وإفريقية حتى نسيه الناس.
ولأن انقلاب 03 أغسطس 2005 ومسرحية الانتخابات الرئاسية التي تلته كانت تتطلب أبطالا للعب أدوارا معينة فقد جرى ترشيحك للعب الدور من طرف العقيد اعل ولد محمد فال -حسب بعض المصادر- قبل أن يتراجع مخافة فشل العرض، ويبدو أنك لاحقا حاولت الخروج على النص مما أغضب منتج ومخرج المسرحية.
سيدي الرئيس؛
إن عودتك إلى الحياة العامة لم تكن موفقة فأنا ممن يعتقدون أنك سكتّ دهرا وحين نطقت وفعلت.. أتيت وزرا عظيما وذلك عند ما قبلت الدخول في "شراكة" مع مجموعة الضباط المتنفذين داخل الدولة، وكان من المحزن أن تظل مكابرا وناكرا لذلك قبل مقابلتك الأخيرة مع قناة الجزيرة في مدريد وبذلك تكون تواطأت وتآمرت لحرف وإجهاض تجربة جاءت ثمرة نضالات المئات من أبناء هذا الوطن –ولست منهم بالمناسبة- وحين جلست على الكرسي الوثير كان من سوء حظ الناس أن قطيعتك الطويلة مع الشأن العام في بلادك جعلتك تعتمد على "خلية النيجر" و"العائلة" والمجموعة الأولى من مؤيديك كمرشح قبل أن يتكاثر حولك "الذباب"، ثم التجأت إلى استدعاء رفاق الأمس البعيد.. البعيد.. من أصدقاء عهد الشباب، ولا أشك للحظة أن هؤلاء وأولئك قد وسوسوا في أذنك وزينوا لك "التحرر" من نفوذ "العقداء" ونقض الاتفاق وحل الشراكة.. وذلك بحجج مختلفة عديدة، وبغض النظر عن صدق المبررات ودقة الحسابات التي قدمت لك والتي بدا أنها كانت حسابات خاطئة بدءا من موازين القوة على الأرض حيث انتهت العملية في نصف ساعة مرورا بتقدير ردة الفعل الدولية التي ظلت حتى الآن محدودة وفي حدود محتملة وانتهاء بالموقف الشعبي الذي بدا غير متعاطف بل مستاء من حصيلة عام ونصف من الخيبات، حتى أن الذين عارضوا الانقلاب عند ما يدفعون –مكرهين- إلى الحديث عن الإنجازات لا يجدون غير عودة المبعدين في ظروف مزرية وقانون تجريم الاسترقاق الذي بقي أوراقا في الأدراج وحملة تحسيس بدت وكأن القائمين عليها كأنما يبشرون بها، وقد جاء إطلاق حملة التحسيس من دار الشباب تحت إشراف الرئيس فيما قصر المؤتمرات يتشرف بإطلاق "السيدة الأولى" حملة تحسيس أخرى بدت أكثر أهمية إنها حملة "النواسير الولادية" في دلالة رمزية لمدى أهمية الحدث عند صانع القرار، مما دفع رئيس الجمعية الوطنية (صانع القانون) إلى مقاطعة الحفل، ثم يتحدثون عن مشاريع وتمويلات كانت في الطريق وعن بحور من لبن وعسل كانت ستأتي لو أن الانقلاب لم يقع.
إن مصدر "الرفض الشعبي" لك ولزمانك كبير وجلي، من ذلك دور السيدة دور السيدة حرمك الصارخ والستفز مستدعيا للذاكرة نماذج من قبيل جيهان السادات ووسيلة بورقيبة وأزمنة قديمة كانت فيها القرارات والمقدرات تدار من غرف النوم، كما أن الهيئة والعمل الخيري لم يقنع أحدا لسبب بسيط وهو أن عمل الخير حين يأتي متأخرا وحين يختلط بالسياسة يكون مدعاة للتساؤل والريبة. كما كان من مساوئ الصدق أن تتزامن أيامك مع كوارث الجفاف والفيضانات وغلاء أسعار البنزين والغذاء واشتداد عود الجماعات الإرهابية ومافيا المخدرات وهو ما شكل اختبارا حقيقيا لك ولرجالك وكان الإخفاق مدويا ومستوى الاستجابة للتحديات دون المستوى.
إن الإعفاءات الضريبية والجمركية وفتح الدكاكين والخطط الاستعجالية وتشجيع الزراعة وخطط الرقابة عبر الأقمار الصناعية للمساحات المزروعة كلها كانت هواء في هواء وقبض ريح.. فمنحنى الأسعار ظل في تصاعد فيما البلد يفقد موارد جديدة كل مرة ومعاناة ساكنيه تزيد.
إن زياراتك وأسفارك الماراتونية بدت مكلفة وعدية الهدف، إن عاما ونصف العام تمثل أكثر من ثلث مأموريتك الرئاسية مرت بيضاء بدون إنجاز يذكر مما استدعى قلقا حقيقيا على الفترة المتبقي لو كان قدر لها أن تكتمل.
إن تشبثك بالسلطة بعد كل ما حدث لاشك يصادف هوى في نفسك والعائلة الملهوفة على امتيازات الموقع كما يشكل بادرة وفاء اتجاه الرفاق وكل من وضع بيضة بسلتك، لكن مصالح البلد وسلمه الأهلي يتطلب منك تفكيرا آخر وموقفا آخر وهو أن تنسحب من الحياة السياسية وأن تعود كما كنت أول مرة شيخا وقورا ورعا تمارس مهنا حرة وتقدم استشارات لطالبيها وأن تترك الشأن العام والنضال السياسي بسلام، ولا أحد سيلومك على موقف كهذا –سيدي- وإلا فكيف يطالبونك بتضحيات ودفع أثمان نفسية وبدنية لم تكن في اهتماماتك يوما؟! فكيف اليوم وأنت في خريف العمر..! إذا حدثك البعض عن أهمية صمودك لحماية التجربة "الديمقراطية الفريدة" فأنت خير من يشرح لهم أننا هنا بصدد أكذوبة كبيرة، لأن الجماعة التي أطاحت بولد الطايع لتستولي على السلطة لم تتركها وإنما بحثت عن "رئيس" بمواصفات معينة يبدو أنها توفرت فيك أكثر من غيرك؟!
وهكذا رشحت وعبئت لك الأموال ووجهت لك أصوات القبائل والأعراق والجهات بأثمان مدفوعة، إنها ليست تجربة ديمقراطية إلا في الشكل مثلها مثل ديمقراطية ولد الطايع وكل ديمقراطيات الأشكال والواجهات فيما الجوهر واحد، وقد يقول قائل إنك كنت تريد إبعاد العسكر عن السياسة وإصلاح الحياة السياسية إلا أن الاعتراض هنا هو أنك لم تفكر في إبعادهم إلا بعد أن تقدموا في اتجاه الإطاحة بك واتهموا حرمك مما يعني أنك إنما تدافع عن نفسك فقط إضافة إلى السؤال الكبير عن إمكانية أن يتواطأ إنسان على الديمقراطية ويحرف مسارها ويسرق نضالات أجيال ثم يمد نفسه ذات مساء مقاتلا ومناضلا يدخل السجون حماية للديمقراطية!
إن الإطاحة بنظام ديمقراطي وبرئيس منتخب في ربع ساعة من زمن دون أن يحرك أحد ساكنا يطرح السؤال الغائب عن كل الجدل الحاصل اليوم وهو أين هي هذه الجماهير التي انتخبت هذا الرئيس؟!
وفي نهاية هذا الحديث معك يهمني أن أخاطب فيك الشيخ الورع وأن أسألك ماذا ستقول يوم الحساب في التحريض على حصار شعبك وقطع أرزاقه؟ كما أسأل بالمناسبة حلفاءك من قوميين ويساريين وإسلاميين عن دلالات ومعاني الاستقواء بالخارج وتحديدا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والغرب الإمبريالي؟ وهل أن الديمقراطية باتت تبرر الحجيج فرادى وجماعات لعواصم هذه الدول وسفاراتها لتعين العرب والمسلمين على تحقيق مصالحهم؟ أما وقد فعلتموها فإن من واجبكم الأخلاقي أن تعتذروا من أحمد الجلبي وآل الحكيم وكرزاي وغيرهم ممن ارتأوا أن إزالة "الدكتاتوريات" من بلدانهم تبرر التعامل مع هذه البلدان...

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026