تاريخ الإضافة : 03.10.2008 13:51

الرئاسة الشاغـرة

المحامي/ محمد سيدي ولد عبد الرحمن

المحامي/ محمد سيدي ولد عبد الرحمن

أتناول في الشق الأول من هذا المقال شغور رئاسة المجلس الأعلى للدولة حيث أبين للرأي العام أنه بالرجوع للنص الخاص بهذا المجلس نتبين أن الجنرال محمد ولد عبد العزيز ليس رئيسا شرعيا له.. وأعرض في الشق الثاني لتصدي الدفاع الوطني للإنقلاب ممثلا في قذائف النخبة "المقالات" وبيانات الإستنكار والشجب الصادرة عن مختلف النقابات وخاصة الهيئة الوطنية للمحامين.. وأزف للقراء مرسوما صدر إثر الإنسداد المؤسسي والإعتداء المتكرر على رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، مرسوما ليس أقوى من الدستور ولكنه يوازي في قيمته القانونية أول مرسوم أصدره الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

1. الجنرال محمد ولد عبد العزيز ليس رئيسا شرعيا للمجلس الأعلى للدولة:
سبق وأن كتبت بأن الأمر "الدستوري" الصادر بتاريخ 11/08/2008 لا يلزم من المنظور القانوني البحت إلا الضباط الذين صدر عنهم عملا بالمادة 54 من قانون العقود والإلتزامات الموريتاني (الشريعة العامة) التي تنص على ما يلي: "لا يحق لأحد أن يلزم غيره، ولا أن يشترط لصالحه، إلا إذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة أو بمقتضى النصوص المعمول بها"، وأضيف الآن، بعد أن توفرت عناصر جديدة، أن الأمر "الدستوري" المذكور غير ملزم حتى للضباط الذين أصدروه وأستند في ذلك على دليلين يعتبران في حكم اعتراف الضباط ولا سبيل للتملص منهما لأنه لا مناكرة في محسوس:
• الدليل الأول هو أن الأمر "الدستوري" في مادته الثالثة نص على أن المجلس الأعلى للدولة يعين رئيسه حسب الطرق المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس، وإذا علمنا أن النظام الداخلي المذكور لم يصدر حتى كتابة هذا المقال فإن من السائغ أن نستنتج أن الجنرال محمد ولد عبد العزيز لم يتم تعيينه رئيسا للمجلس الأعلى للدولة إذ أن الوثيقة المرجعية لتعيينه لم تصدر بعد، مما يجعل من المخالف للأمر "الدستوري" اعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للدولة ما لم يصدر النظام الداخلي ويتم تعيينه طبقا لمقتضياته.
وإذا علمنا أن رئاسة الجنرال محمد ولد عبد العزيز للدولة الموريتانية إنما تستند على أساس وحيد هو صفته كرئيس للمجلس الأعلى للدولة وأنه يفتقد هذه الصفة بالتأكيد فإننا نخلص إلى بطلان تصرفاته وتعييناته المتعلقة بالدولة بما فيها تعيين ولد محمد الأغظف لأنها ببساطة لا تلزم إلا من صدرت عنه، دون أعضاء المجلس الآخرين ولا سبب بالتالي لإلزام عموم المواطنين الموريتانيين بها.
• أما الدليل الثاني، على عدم إلزام الأمر "الدستوري" لمن أصدروه، فهو نصه في مادته الرابعة على اجتماع المجلس الأعلى للدولة في دورة عادية كل ثلاثين يوما، والثابت بحسب وسائل الإعلام الرسمية خاصة الوكالة الموريتانية للأنباء، أن آخر اجتماع للمجلس كان بتاريخ 11 أغشت 2008 وأنا أختم هذا المقال في اليوم الرابع والعشرين من شتنبر 2008 وبين التاريخين ما يربو على الأربعين يوما لم ينعقد خلالها اجتماع لمجلس الدولة ولا للمجلس الأعلى للدولة (عبارة الأعلى لم ترد في البيان الأول).
واضح إذن أن أعضاء المجلس الأعلى للدولة لم يحترموا أمرهم "الدستوري" المحدد لسلطات مجلسهم ومن المجانف للعدل والإنصاف والمروءة أيضا أن يطالبوا المواطنين العزل باحترام ما لم يحترموه هم أنفسهم. عندما أغفل الضباط، لسبب ما، ترتيبا مهما يتضمن قواعد عمل المجلس الأعلى للدولة فإنهم عرضوا بذلك مجلسهم لأن يعتبر من الناحية القانونية كيانا غير مصنف وغير جدير بالتقدير.
وبالرجوع لانقلاب 3 أغشت 2005 نجد أن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية أصدر ميثاقه الدستوري ونظامه الداخلي في يوم 6 أغشت 2005 اعتبارا لتكامل الوثيقتين أما المجلس الأعلى للدولة الذي أراد الإقتداء بشقيقه فقد أصدر أمرا "دستوريا" لم يشفعه بالنظام الذي يحدد قواعد العمل وهذا ما لا يدعم قطعا الثقة في قراراته ويجعل من المؤسس والوارد وصفها بالمرتجلة.

2. الدفاع المدني يتصدى للإنقلاب:
يتقاسم المواطنون العمل في كل مجتمع صالح ويمارس كل شخص الشغل الذي يتناسب مع مؤهلاته وتكوينه فتناط بالدفاعات العسكرية مهمة التصدي لأعداء الوطن وحماية الثغور والذود عنها كما يناط ب"الدفاع المدني" دور حماية الحقوق المدنية والذب عن حياض القانون باعتباره التعبير الأعلى عن إرادة المجتمع، يستخدم الدفاع العسكري في أداء مهامه القوة المادية من مدافع وصواريخ بينما يسخر "الدفاع المدني" الوسائل القانونية ويعتمد قوة الدليل والإقناع.
وفي هذا الظرف تعيش الدولة الموريتانية فوضى عارمة حيث تتمركز القوة العسكرية في العاصمة ويهدر الضباط مقدراتهم العسكرية التي كلف تكوينها الدولة مبالغ طائلة ويشتغلون بالسياسة التي لم يؤهلوا لها تاركين الثغور خالية، كما ذكر أحد النواب، وأثناء ذلك يتيه المحامون ويرتبك القضاة بعد أن تعطلت البوصلة القانونية إثر اختفاء القطب الأساسي للشرعية "الدستور" الذي تتجه شطره نصوص القانون كما تتجه البوصلة الجغرافية شطر قطبها المغناطيسي ويتوارى المستثمرون خوفا من أن تشتعل الحرائق ويعز الدفاع المدني الكفيل بإطفائها.
لقد انطلقت المضادات الأرضية من كل مكان للتصدي للإنقلاب وكانت قاعدتها الرئيسية الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية.. كما أبلت "من أجل موريتانيا" بلاءا حسنا: أبناء مغتربون آلوا على أنفسهم أن يعملوا على إعادة موريتانيا إلى سكة القانون باستخدام التقنيات التي تطوي المسافات.. كما ارتفع صوت الشغيلة من انواكشوط إلى جانب الشرعية..
عزاؤنا في هذا الزمن التعس هو ما نطالعه من مقالات رائعة نتصيدها يوميا عبر المواقع الإلكترونية الملتزمة.. لتعطينا فكرة حقيقية عن موقف النخبة في هذه الأزمة.. مقالات رفعت معنوياتنا في مواجهة التلفزيون الرسمي ودعايته الإنقلابية المتواضعة.
وفي سياق الهرج والمرج الذي تعيشه موريتانيا استحضرت الهيئة الوطنية للمحامين دورها ومسؤوليتها في طليعة "الدفاع المدني" وأصدرت بيانا بتاريخ 15/09/2008 دعت فيه إلى إطلاق سراح الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ووزيره الأول وإعادة الشرعية وإلى تجنب أي تعديل دستوري في هذا الظرف لئلا يتفكك الإجماع الوطني الذي يحظى به الدستور ويصبح احترام تعديلاته منوطا بمن أثبتوا أنهم لا يقدرونه حق قدره.
وبحكم الإنتماء لهذه الهيئة المدنية فإنني أبرز هنا الأسباب التي تدعونا في الدفاع إلى الإرتياح لموقف مجلس هيئتنا المشرف، في هذا الظرف العصيب، مع ذكر بعض وسائل الدفاع مؤازرة للمجتمع والدولة وانتصارا للقانون.
يقول أسامة توفيق أبو الفضل في كتابه رسالة المحاماة "فإذا ما حرم المحامون من استقلالهم، وحريتهم في مناقشة الأمور العامة والأحكام القضائية، ومن تناولها بالنقد البناء فإن أخطاء السلطات الثلاث ستتكرر، وتتفاقم، إلى درجة يصعب فيها الإصلاح.." ويقول القاضي محمدن ولد امبيريك رحمه الله "والمحامي كما يتضح من الإسم هو المدافع لكنه مدافع عن ماذا ؟ مدافع عن الحق ولا شيء غير الحق". لذلك لا بد أن يكون للمحامي موقف وإسهام فيما يجري فعندما ينتشر الوباء يفسح الناس الطريق للأطباء وعندما يشب الحريق تفسح الطريق للدفاع المدني. ولا مراء في أن إشكالية موريتانيا الآن هي إشكالية شرعية بالأساس مما يترتب عليه إعطاء الكلمة لذوي الإختصاص.
فجأة في صبيحة يوم 6 أغشت 2008 غيب القانون الأساسي الذي ارتضاه الشعب الموريتاني وصوتت له مئات الألوف من المواطنين ونقض بصحيفة وضعها أحد عشر ضابطا (من حقنا التساؤل عما إذا كانوا من المواطنين الذين صوتوا للدستور حينما زعموا أنعم غير محايدين في أمره أم أن خصومتهم معه قديمة).
من حق كل شخص أن ينظر لإنقلاب 6 أغسطس 2008 من منظوره للأشياء، من حق البعض أن يعتبره تصحيحا ومن حقنا، في الدفاع، أن ننظره من منظور القانون وأن نصنفه بأنه تغليب لقانون القوة على قوة القانون، من حقنا أن لا نحتفي بالإنقلاب باعتباره جرما داخلا في إطار الجنايات والجنح ضد الدستور التي هي موضوع المواد 106 وما بعدها من قانون العقوبات الموريتاني ونستسمح المساندين للإنقلاب لأن أنفسنا لا تطاوعنا في الوقوف ضد القانون.
لقد كانت الجمهورية الإسلامية الموريتانية حتى صبيحة 6 أغشت 2008 دولة حضارية كباقي الدول، ذات منظومة قانونية يتصدرها دستور ينظم عمل السلطات ويسمو على كل القوانين وفجأة انقلب الوضع وشل الدستور، شعر الجميع بالخوف، القوانين أصبحت تتسلل لواذا وتتوارى عن الأنظار وهي تستحضر ما فعل بكبيرها "الدستور"– لا يمكن للمرء إلا أن يشعر بالذلة عندما يهان أبوه - لم يعد بمقدورنا في الدفاع أن نصدع بالقانون لأننا نقدر ما وقع وما ترتب عليه من آثار فلقد كنا نعتبر القانون مرجعا مسكتا حتى استحالت النصوص فجأة حبرا على ورق لا حجية له.
وعلاوة على ما يعانيه المواطنون والأجانب المقيمون في البلد جراء اختفاء القواعد المرجعية فإن معاناة المحامين مزدوجة ذلك أن القانون هو مصدر كسبهم وتغييبه يعني تسريحهم وقطع أرزاقهم.
في السنة المنصرمة تابع العالم بأسره الإنتخابات الرئاسية الموريتانية وأشاد بنزاهتها، رفع الموريتانيون رؤوسهم اعتزازا وفخرا وطالت أعناقهم عن قاطني محيطهم العربي والإفريقي، اعترفت المعارضة، وكنت في صفها، بالنتائج ورأينا الرئيس المنتخب يدخل المسجد الجامع ويصلي مطمئنا مع العامة.. وأعتقد الآن أنه كان بمقدور الرئيس لو وجد التشجيع أن يمشي في الأسواق دون حراسة.. كان بمقدور انواكشوط لو تحلينا بالحكمة والعدل أن تتيه على لندن التي تفاخر العالم بكون شرطتها غير مسلحة كقاعدة عامة لو لا أن بعض قواد قواتنا المسلحة كان على ما يبدو يسعى إلى ترويع الرئيس لحاجة في نفسه قضاها يوم 6 أغشت 2008.. فبعد أن بدا الضابط حريصا جدا على أمن الرئيس لدرجة منعه من الخروج للصلاة وحبسه في القصر.. شاءت الأقدار أن يداهم الخطر الرئيس من حيث لم يكن يحتسب.
كان بمقدور مؤسسات "الدفاع المدني" عندنا أن تلعب دورا أكبر في إعادة تكريس سيادة القانون وإعادة الإعتبار للدستور وهنا أفكر في أعضاء المجلس الدستوري الذين لم يتداولوا حول الوضع ولم ينبسوا ببنت شفة وإنما تواروا عن الأنظار، ظلوا غير مبالين لأنهم يتقاضون رواتبهم وينتظرون أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وربما أخافهم ما يطالعونه كل يوم من وسائل عسكرية في الثكنة الرئاسية المقابلة.
كان بمتناول المحكمة العليا حين أحيل عليها ملف رئيس السلطة العليا للصحافة لتأدية اليمين أن ترفض وتصدر كلمة حق تستند فيها على عدم تعيين المعني من طرف رئيس الجمهورية.
ولأني أعيب التقصير في مواجهة الوضع فلا أملك إلا أن أكتب وأن أصدر مرسوما في الخاتمة للنقاش.
3. مـرسـوم جـديـد:
سأصدر مرسوما، لا أريده أن يكون أسمى من قواعد الدستور ولكني أحسبه مساو في قيمته القانونية لمراسيم الجنرال محمد ولد عبد العزيز، يمكن للقراء، خاصة من ذوي الإختصاص، مقارنة المشروعية الداخلية والخارجية لمرسومي بالمرسوم موضوع البيان رقم 1، وأنبه الرأي العام أني إنما اتخذت هذا الترتيب إثر الإنسداد المؤسسي والتعطيل الدستوري والتهديد المستمر الذي تتعرض له مؤسسة رئاسة الجمهورية، فالمرسوم ليس انقلابا على الأركان الخاصة لرئيس الجمهورية وإنما هو تصحيح لانحراف هذه الأركان وسعي إلى استقرار دولة القانون والمؤسسات.
المرسوم: يتم تحويل الأركان الخاصة لرئاسة الجمهورية بكامل ترسانتها العسكرية إلى اعكيلة تورين بولاية تيرس زمور ويمنح مقرها، المقابل لرئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، للهيئة الوطنية للمحامين ويعتبر كل إجراء مخالف باطلا قانونيا وعمليا.

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026