تاريخ الإضافة : 21.09.2008 11:49
حدادا على موريتانيا..
أحمد ولد إسلم
ahmed3112@hotmail.com
بادرة حسنة تشكر للمجلس الأعلى للدولة الحاكم في موريتانيا، إعلانه الحداد ثلاثة أيام على أرواح الشهداء الذين سقطوا على أديم تورين، ذبحا بيد غادرة، وجدت في سعة الصحراء، وسوء حال الجنود الموريتانيين وضعف تكوينهم، واشتغال قادتهم، ما أتاح لها فرصة تجريب مخططاتها الجهنمية، وإعلان انتصارات عنترية على الضعفاء من الناس حين عجزت عن مقارعة الأقوياء.
وأمر جيد أن تعزي وزارة الدفاع الموريتانية أسر الشهداء بعد ستة أيام من الواقعة المخجلة.. صحيح أنه عزاء جاء متأخرا، لكنه أفضل من أن لا يأتي، كما حدث مع شهداء الغلاوية الذين قضوا نحبهم ذبحا في الصحراء، وعلم ذووهم باستشهادهم من الشارع مثل ضحايا حوادث المرور.
لكن الحداد والعزاء الشكليين المعلن عنهما،لا يكفيان لغسل العار الذي طبعت وصمته على جبين المؤسسة العسكرية، التي تحذو درب فريق موريتانيا لكرة القدم المهزوم دائما.
فعائلات الشهداء الإثنى عشر، لا ينتظرون من الحكام إذاعة برقية مدتها تسع وأربعون ثانية في الإعلام المحلي، تعقبها تقارير عن نعمة الخريف وإنجازات المجلس الأعلى للدولة،وتخفيض الأسعار، لتعود تلك الأبواق بعد ثلاثة أيام، إلى دوامة بيانات التأييد ومسيرات المساندة.
وقطعا لا يطالب ذوو الشهداء، أن تنشغل الحكومة الوليدة المحاصرة، بتمويل "حملات ترويجية ضخمة لتشجيع السياحة" كما أعلن ذلك الوزير الأول في أول تعليق له على مذبحة تورين الأليمة.
ما ينتظر أيتام وأيامى الشهداء في تورين وقبلهم شهداء الغلاوية، وقبل ذلك وبعده شهداء لمغيطي ونواكشوط، هو أن يقام العدل في هذا البلد، أن توجه أصابع الاتهام إلى شخص محدد ويقال لهم هذا هو المسؤول عن الكارثة، ثم يقدم لمحكمة نزيهة وينال جزاء وفاقا.
لا أن يكرم الجناة، وترقى رتبهم دون مراعاة معيار موضوعي كما حدث بعد مجزرة الغلاوية.
لقد آن للحكام في موريتانيا أن يدركوا فداحة خطيئاتهم المتراكمة،آن لهم أن يقدروا قيمة أرواح هؤلاء الجنود البسطاء، الذين تركوا الحياة المترفة خلف ظهورهم، وولوا وجوههم شطر ثغور قصية، ترتعد فرائص القادة فزعا لذكرها.
إن هذا العار الذي طبعته الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي،- إن صحت نسبته إليها- لا يغسله إلا القيام ـ وعلى وجه الاستعجال ـ بثلاث خطوات:
أولها: محاكمة كل من له صلة وظيفية بملف العمليات الدموية، عسكريا كان أو مدينا،وليكن البدء بالقادة الكبار الذين يتحملون المسؤولية المباشرة عن كل ما حدث.
إن على الحكام الجدد إن كانوا يرغبون في البرهنة على إخلاصهم لموريتانيا، وحرصهم على شعبها، أن يبادروا في سبيل تحقيق العدالة، و"توزيعها مساواة بين الشعب" كما تعهد بذلك الجنرال محمد ولد عبد العزيز في أول ظهور إعلامي له بــ:
- الإقالة الفورية لوزير الدفاع الوطني الذي مرت عليه أربع حكومات وهو مخلد في منصبه،رغم الفشل الذي صاحب كل عملية إجرامية ينفذها المسلحون في أطراف البلد، ففي إحدى مأمورياته ذبح الشهداء في الغلاوية، ثم قتل وجرح الضباط في نواكشوط، وفي مأموريته الرابعة ذبح الشهداء في تورين.
- الإقالة الفورية لقائد أركان الجيش الوطني لمسؤوليته الأخلاقية عن ما حدث خاصة أنه كان المدير العام للأمن الوطني، قبل أن يمنح فرية جنرال، وينصب قائدا لأركان الجيش المنهك.
- الإقالة الفورية لقائد الأركان المساعد لمسؤوليته الميدانية عن إعطاء الأوامر لكتيبة تورين بالتحرك ليلا في منطقة لا يهتدي فيها حاذق الأدلاء،رغم علمه المسبق بالخطر المحدق المتربص بأي جندي يتحرك ليلا في تلك المنطقة.
- الإقالة الفورية لرئيس جهاز المخابرات العسكرية، لفشله المذل في رصد تحرك المسلحين الجناة، مع أن المخابرات العسكرية الأمريكية التي تستوطن الصحراء الموريتانية، قدمت معلومات دقيقة عن المسلحين وتحركهم قبل ثلاثة أيام من الجريمة.
- الإقالة الفورية لقائد المنطقة العسكرية الثانية في ازويرات لفشله الذريع في العثور على جثامين الشهداء، طيلة ستة أيام، رغم أنها لا تبعد أكثر من عشر كيلومترات، ولعجزه عن ملاحقة الجناة بعد رصدهم على بعد خمسين كيلومترا فقط، ولإرساله قائد كتيبة عسكرية غير مجهزة بما تحتاجه للمواجهة المحتملة، ولا يعرف قائدها المنطقة بشكل كاف، لقيادة وحدة عسكرية في الليل.
وكإجراء تكميلي لذلك على المجلس الأعلى للدولة، إنشاء محكمة مختلطة بين محلفين مدنيين وعسكريين، لمحاكمة جميع الضالعين في الملف بتهمتي التقصير والتفريط.
والخطوة الثانية التي تساهم في التكفير عن خطيئات المؤسسة العسكرية، هي التكفل الكامل بأسر كل شهداء المواجهات مع الجماعات المتطرفة، بدء بشهداء لمغيطي، والغلاوية ونواكشوط ثم تورين، بما في ذلك العناية المادية والمعنوية بأبنائهم، وتوفير متطلبات الحياة لهم، حتى لا يحسوا –أكثر مما هم عليه- بالظلم والغبن ، فيدفعهم ذلك للانتقام، ليس من منفذي الاعتداء على آبائهم، بل من الدولة الموريتانية، التي سيعتبرونها شريكا في الجريمة.
والإجراء الثالث الذي يتوجب القيام به استعجالا، هو توفير المعدات اللازمة لكل جندي موريتاني، حسب موقعه ومهمته،وتكثيف تدريبه، ووضع إستراتيجية عسكرية طويلة المدى، وزيادة الإنفاق العسكري استعدادا لمواجهة حتمية مع الجماعات المتطرفة التي ما يزال نشاطها محدودا في الصحراء،وهو ما يمكن تقليصه قبل أن يصل إلى المدن المأهولة،إذ أن السيطرة عليه إذ ذاك قد تكون من شبه المستحيل،وسيضطر الحكام حينها للتعاون مع جهات أجنبية لها من المطامع والشروط ما الإرهاب أهون منه.
وما لم يبادر حكام موريتانيا بمعالجة تبعات هذه الكوارث، واستكمال النواقص دون تسويف ، فعليهم وعلى الشعب الموريتاني إعلان حداد ليس على الجنود فقط، بل على كينونة الدولة الموريتانية ويشرعوا في البحث عن وطن بديل..إن وجدوا إليه سبيلا..
صحفي ومدون موريتاني
ahmed3112@hotmail.com
بادرة حسنة تشكر للمجلس الأعلى للدولة الحاكم في موريتانيا، إعلانه الحداد ثلاثة أيام على أرواح الشهداء الذين سقطوا على أديم تورين، ذبحا بيد غادرة، وجدت في سعة الصحراء، وسوء حال الجنود الموريتانيين وضعف تكوينهم، واشتغال قادتهم، ما أتاح لها فرصة تجريب مخططاتها الجهنمية، وإعلان انتصارات عنترية على الضعفاء من الناس حين عجزت عن مقارعة الأقوياء.
وأمر جيد أن تعزي وزارة الدفاع الموريتانية أسر الشهداء بعد ستة أيام من الواقعة المخجلة.. صحيح أنه عزاء جاء متأخرا، لكنه أفضل من أن لا يأتي، كما حدث مع شهداء الغلاوية الذين قضوا نحبهم ذبحا في الصحراء، وعلم ذووهم باستشهادهم من الشارع مثل ضحايا حوادث المرور.
لكن الحداد والعزاء الشكليين المعلن عنهما،لا يكفيان لغسل العار الذي طبعت وصمته على جبين المؤسسة العسكرية، التي تحذو درب فريق موريتانيا لكرة القدم المهزوم دائما.
فعائلات الشهداء الإثنى عشر، لا ينتظرون من الحكام إذاعة برقية مدتها تسع وأربعون ثانية في الإعلام المحلي، تعقبها تقارير عن نعمة الخريف وإنجازات المجلس الأعلى للدولة،وتخفيض الأسعار، لتعود تلك الأبواق بعد ثلاثة أيام، إلى دوامة بيانات التأييد ومسيرات المساندة.
وقطعا لا يطالب ذوو الشهداء، أن تنشغل الحكومة الوليدة المحاصرة، بتمويل "حملات ترويجية ضخمة لتشجيع السياحة" كما أعلن ذلك الوزير الأول في أول تعليق له على مذبحة تورين الأليمة.
ما ينتظر أيتام وأيامى الشهداء في تورين وقبلهم شهداء الغلاوية، وقبل ذلك وبعده شهداء لمغيطي ونواكشوط، هو أن يقام العدل في هذا البلد، أن توجه أصابع الاتهام إلى شخص محدد ويقال لهم هذا هو المسؤول عن الكارثة، ثم يقدم لمحكمة نزيهة وينال جزاء وفاقا.
لا أن يكرم الجناة، وترقى رتبهم دون مراعاة معيار موضوعي كما حدث بعد مجزرة الغلاوية.
لقد آن للحكام في موريتانيا أن يدركوا فداحة خطيئاتهم المتراكمة،آن لهم أن يقدروا قيمة أرواح هؤلاء الجنود البسطاء، الذين تركوا الحياة المترفة خلف ظهورهم، وولوا وجوههم شطر ثغور قصية، ترتعد فرائص القادة فزعا لذكرها.
إن هذا العار الذي طبعته الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي،- إن صحت نسبته إليها- لا يغسله إلا القيام ـ وعلى وجه الاستعجال ـ بثلاث خطوات:
أولها: محاكمة كل من له صلة وظيفية بملف العمليات الدموية، عسكريا كان أو مدينا،وليكن البدء بالقادة الكبار الذين يتحملون المسؤولية المباشرة عن كل ما حدث.
إن على الحكام الجدد إن كانوا يرغبون في البرهنة على إخلاصهم لموريتانيا، وحرصهم على شعبها، أن يبادروا في سبيل تحقيق العدالة، و"توزيعها مساواة بين الشعب" كما تعهد بذلك الجنرال محمد ولد عبد العزيز في أول ظهور إعلامي له بــ:
- الإقالة الفورية لوزير الدفاع الوطني الذي مرت عليه أربع حكومات وهو مخلد في منصبه،رغم الفشل الذي صاحب كل عملية إجرامية ينفذها المسلحون في أطراف البلد، ففي إحدى مأمورياته ذبح الشهداء في الغلاوية، ثم قتل وجرح الضباط في نواكشوط، وفي مأموريته الرابعة ذبح الشهداء في تورين.
- الإقالة الفورية لقائد أركان الجيش الوطني لمسؤوليته الأخلاقية عن ما حدث خاصة أنه كان المدير العام للأمن الوطني، قبل أن يمنح فرية جنرال، وينصب قائدا لأركان الجيش المنهك.
- الإقالة الفورية لقائد الأركان المساعد لمسؤوليته الميدانية عن إعطاء الأوامر لكتيبة تورين بالتحرك ليلا في منطقة لا يهتدي فيها حاذق الأدلاء،رغم علمه المسبق بالخطر المحدق المتربص بأي جندي يتحرك ليلا في تلك المنطقة.
- الإقالة الفورية لرئيس جهاز المخابرات العسكرية، لفشله المذل في رصد تحرك المسلحين الجناة، مع أن المخابرات العسكرية الأمريكية التي تستوطن الصحراء الموريتانية، قدمت معلومات دقيقة عن المسلحين وتحركهم قبل ثلاثة أيام من الجريمة.
- الإقالة الفورية لقائد المنطقة العسكرية الثانية في ازويرات لفشله الذريع في العثور على جثامين الشهداء، طيلة ستة أيام، رغم أنها لا تبعد أكثر من عشر كيلومترات، ولعجزه عن ملاحقة الجناة بعد رصدهم على بعد خمسين كيلومترا فقط، ولإرساله قائد كتيبة عسكرية غير مجهزة بما تحتاجه للمواجهة المحتملة، ولا يعرف قائدها المنطقة بشكل كاف، لقيادة وحدة عسكرية في الليل.
وكإجراء تكميلي لذلك على المجلس الأعلى للدولة، إنشاء محكمة مختلطة بين محلفين مدنيين وعسكريين، لمحاكمة جميع الضالعين في الملف بتهمتي التقصير والتفريط.
والخطوة الثانية التي تساهم في التكفير عن خطيئات المؤسسة العسكرية، هي التكفل الكامل بأسر كل شهداء المواجهات مع الجماعات المتطرفة، بدء بشهداء لمغيطي، والغلاوية ونواكشوط ثم تورين، بما في ذلك العناية المادية والمعنوية بأبنائهم، وتوفير متطلبات الحياة لهم، حتى لا يحسوا –أكثر مما هم عليه- بالظلم والغبن ، فيدفعهم ذلك للانتقام، ليس من منفذي الاعتداء على آبائهم، بل من الدولة الموريتانية، التي سيعتبرونها شريكا في الجريمة.
والإجراء الثالث الذي يتوجب القيام به استعجالا، هو توفير المعدات اللازمة لكل جندي موريتاني، حسب موقعه ومهمته،وتكثيف تدريبه، ووضع إستراتيجية عسكرية طويلة المدى، وزيادة الإنفاق العسكري استعدادا لمواجهة حتمية مع الجماعات المتطرفة التي ما يزال نشاطها محدودا في الصحراء،وهو ما يمكن تقليصه قبل أن يصل إلى المدن المأهولة،إذ أن السيطرة عليه إذ ذاك قد تكون من شبه المستحيل،وسيضطر الحكام حينها للتعاون مع جهات أجنبية لها من المطامع والشروط ما الإرهاب أهون منه.
وما لم يبادر حكام موريتانيا بمعالجة تبعات هذه الكوارث، واستكمال النواقص دون تسويف ، فعليهم وعلى الشعب الموريتاني إعلان حداد ليس على الجنود فقط، بل على كينونة الدولة الموريتانية ويشرعوا في البحث عن وطن بديل..إن وجدوا إليه سبيلا..
صحفي ومدون موريتاني







