تاريخ الإضافة : 19.09.2008 17:16

التعديلات الدستورية في إفريقيا .....مأموريات بين التقييد و التمديد

التعديلات الدستورية في إفريقيا .....مأموريات بين التقييد و التمديد

سيدي ولد عبد المالك
Sidimalik@maktoob.com

الدستور في كل بلد هو العقد الذي تستمد منه القوانين شرعيتها ، و يفصل حدود العلاقة بين السلطات الأخرى القائمة (التنفيذية والتشريعية و القضائية). و قد عرفت دساتير بعض الدول الإفريقية مع مطلع الألفية الحالية تعديلات أثارت جدلا سياسيا و إعلاميا داخليا كبيرا بين مؤيد و معارض . و كان موضوع مأمورية الرئيس تمديدا أو تقييدا هو بيت القصيد في هذه التعديلات. فالتعديل غالبا ما يكون وليد ظرفية سياسية معينة ، قد تتمثل في نضج سياسي لدي الطبقة السياسية الحاكمة معزز بوعي شعبي بضرورة فتح قناة للتداول السلمي علي السلطة ، كما قد تكون ذات الظرفية ناتجة عن تعثر ديمقراطي – وهي الغالبة- فشل أصحابه في تجسيد مثل الديمقراطية لتعارضها مع استمرار شخص الزعيم في السلطة ، و لاصطدامها بمصالح و نزوات الثلة الحاكمة .إلا أن الغريب في أمر أصحاب الحالة الأخيرة قدرتهم علي اختلاق جملة من الأعذار الواهية لبقائهم في السلطة من قبيل أن الرئيس هو وحده الصالح لحكم البلاد في هذه الظرفية ، أو أن سعادته لديه بعض الوعود الانتخابية التي لم تتح له فرصة الوفاء بها لناخبيه ، أو أن الزعيم لديه برنامج طموح لن يغادر السلطة حتى ينعم المواطن بوافر عطائه و انجازاته. و يسخر الحاكم لإنجاح هذه التعديلات الهادفة إلي التمديد له في الحكم كل وسائل الدولة ، و في حالة تعذر هذه الوسائل عن إكساب هذه التعديلات مصداقية و قبولا لدي المواطنين يتم اللجوء إلي تزوير النتيجة بنعم و بأرقام فاحشة و مقززة (99% مثلا).
و يظهر في إفريقيا بين الفينة و الأخرى تياران متعارضان سياسيا ، احدهما يدعوا إلي خلق مؤسسات دستورية حقيقية و قوية كخطوة إلي ترسيخ الديمقراطي
ة بعيدا عن الشعارات الزائفة ، و هذا التيار هو الأضعف لحد الساعة. و في مالي كانت أول تجربة ناجحة لهذا التيار مع تقييد المأمورية دستوريا ، حيث رأت لجنة الخلاص الوطني التي حكمت البلاد اثر الثورة الشعبية التي أطاحت بالديكتاتور موسي اتراوري سنة 1991 أن أهم شيء يمكن أن يوصل البلاد إلي بر الأمان ،هو قطع الطريق أمام الطامحين و الحالمين بالبقاء في السلطة مدي الحياة ، و من اجل تحقيق هذه الغاية صاغ العسكر دستورا جديدا يمنع احتكار السلطة للفرد إذ نص الدستور المالي الجديد علي أن تكون فترة الرئيس في السلطة هي مأمورية من خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة . العبرة المالية لم تكن في تسطير الدستور وإنما تجلت في اجتياز الرئيس كوناري لأصعب امتحان سقط و يسقط فيه الكثير من زعماء دول العالم الثالث ، و ذلك بمغادرته الطواعية للسلطة احتراما لمقتضيات الدستور ، التي تتعارض مع بقائه حاكما أزيد من 10 سنوات. و كان كوناري بهذا التصرف الفريد أول زعيم إفريقي يقدم لإقرانه الأفارقة درسا عميق الدلالة ، كما سن سنة حميدة فتحت باب الأمل واسعا في التناوب علي السلطة لدي شعبه ، و رسخ ثقافة جديدة لدي الطبقة السياسية في مالي بحتمية تناوب الأشخاص و الأحزاب علي السلطة. و قد أكسبت هذه المغادرة الطوعية الرئيس كوناري سمعة حسنة استطاع بموجبها أن يحظي بدعم دولي و إقليمي بوأه لرئاسة البيت الإفريقي (الاتحاد الإفريقي) فيما بعد. الحالية المالية وان كانت الأكثر شيوعيا إفريقيا ليست الوحيدة من نوعها ، فجمهورية غانا الانكلفونية ، عرفت تناوبا سلميا سلسا علي السلطة أوصل الرئيس الحالي إلي سدة الحكم بعد سنواته الطوال في خندق المعارضة . و لم يكن الرئيس كيفور ليصل السلطة لولا الجهود السياسية الكبير التي قام بها الرئيس العسكري جيري جون راولينغ ، وذلك بتخليه عن السلطة انحناء و احتراما لدستور البلاد من جهة ، و كذا احترامه لنتائج صناديق الاقتراع التي أطاحت بمرشحه جون آتا ميلز من جهة أخري .
هذه الصورة الناصعة لبعض الديمقراطيات الإفريقية تقابلها أخري في غاية القتامة و السواد ، تتمثل في تيار الحكام الخالدين في السلطة ، و الذين يجد البعض منهم دساتير مقيدة لبقائه في السلطة ، فيعكر الأمر صفو حياته في البداية لكنه سرعان ما يجد مفتاح القصر الأزلي عند عراف في القانون الدستوري يشير عليه بإضافة مواد للدستور لذر الرماد في عيون شعبه، مع أخري و هي الأهم لبقائه حاكما مدي الحياة لا تراعي فترة لمأمورية و لا طولا في العمر- إن سلم من غلبة العسكر الذين هم في الغالب من رفاق الدرب- و كان الجنرال انياسيمبي ايدما الذي حكم البلاد في توغو لفترة زادت علي ثلاثة عقود من الزمن أول مهندس إفريقي لتغيير دستور بلاده كي يبقي حاكما مدي الحياة ، مدشنا بذلك سلسلة من التعديلات الدستورية قام بها نظرائه في السلطة من أبناء المؤسسة العسكرية و ذلك في كل من تشاد ( الجنرال إدريس دبي) و غينيا كونا كيري ( الجنرال لانسنا كونتي) ، و تونس ( الجنرال زين العابدين بن اعلي ) بهدف الحكم مدي الحياة.
موجة التعديلات الدستورية من اجل تمديد المأمورية الواضح أنها لم تتوقف عند المجموعة الأخيرة المشار إليها سلفا ، ففي جمهورية الكامرون يسعي الرئيس بول بيا حاليا البالغ من العمر 75 سنة – أمضي ثلثها في السلطة- علي تهيئة المناخ السياسي و الإعلامي المناسب كخطوة أولي للإعلان رسميا عن تعديل دستور بلاده الذي يحرمه من الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة ل 2011 ، و ذلك بعد أن ألمح في أكثر من مناسبة سياسية عن رغبته في البقاء في السلطة. و في الجزائر يجمع المراقبون السياسيون – في بلد عرف بالتعديلات الدستورية لدرجة انه لكل رئيس تعديله الدستوري الخاص به- أن التعيين الأخير لأحمد اويحياي وزيرا أولا و هو المعروف برجل المهمات الصعبة ، و يرأس في ذات الوقت حزب التجمع الوطني الديمقراطي الداعم لمبادرة الرئيس للترشح لعهدة ثالثة ، يأتي ليجسد رغبة لرئيس عبد العزيز بوتفليقة في إطالة عمره السياسي في سدة الحكم بالجزائر، رغم ما يشاع من تدهور في حالته الصحية .
أما التجربة الموريتانية التي كانت محل إشادة و إعجاب عربيا و إفريقيا و غربيا ، فلم يكتب لها الاستمرار في النجاح فجماعة العسكر التي أطاحت برفيقها العقيد ولد الطائع ، و سلمت السلطة في ظاهرها للمدنيين أبت إلي أن ترجع مرة أخري إلي السلطة عن طريق النافذة في سياق غير مسبوق و بخطوة مرتجلة أفسدت الحلم الموريتاني ، فالرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله انقض عليه واضعو الدستور من العسكر قبل أن يكمل عهدته الأولي و يتقدم للاختبار العسير و المفصلي القاضي بتحديد ترشحه مرتين فقط ، فانقلاب الجنرالين و ميليشيات البرلمانيين عكس استخفاف هؤلاء بالدستور و بخيارات الشعب الموريتاني ، و أجزم أن الأغلبية الساحقة من الشعب لن تثق بأي "إصلاحات" دستورية بعد ما حصل كما لم تعد تنطلي عليها خدعة التعديلات و توسيع الصلاحيات فالساسة أجمعوا أثناء تنظيم الأيام الوطنية للتشاور إبان المرحلة الانتقالية أن الترميمات التي أدخلت علي الدستور يوليو كافية و لا تحتاج إلي المزيد.
فواهم ولد محم و رفيقه "محسن" إن كانا يظنان أن المهزلة الدستورية التي يحضرون لها ستكون ذات قيمة و مصداقية .ومن يضمن في حالة استمرار ولد عبد العزيز في السلطة-و يأبي الله ذلك-و ترشحه لانتخابات أولي و ثانية أن يعمد مرجفوا السياسة إلي تعديل المادة القاضية بتحديد مأمورية الرئيس لتكون المأمورية مفتوحة غير محددة من جديد.
فنحن شعبا ابتلانا الله" بنخب" فاسدة استمرأت النفاق و التزلف ، تتلون مع كل مرحلة بمساحيق تجميل جديدة ، و تتكاثر بشكل رهيب مع الزمن مما يضمن لها القدرة علي عدم الانقراض. لا شيء عندها مقدس و يستحق التضحية سوي مصالحها الذاتية و المنحصرة في التوظيفات و الامتيازات.
يمكن القول في الأخير بأن الأرضية السياسية في كل بلد ، و مقياس وعي شعبه ، و نضجه ، و رشد طبقته السياسية الحاكمة ، هو ما يحدد و يرسم طبيعة مؤسساته الدستورية قوة و احتراما ، أو ضعفا ، و تقهقرا و صدق المصطفي صلي الله عليه و سلم القائل " كما تكونوا يولي عليكم "، و قديما قيل أيضا الناس علي دين ملوكهم ، و يمكن في هذا العصر قول أن الملوك علي دين الشعوب وعيا ، و تحررا ،أ و جهلا و تخلفا.

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026