تاريخ الإضافة : 29.08.2008 16:55
كلمة الإصلاح: "المتضررون من الانقلاب الأخير"
محمد ولد البار
كلمة الإصلاح هذه المرة تحاول أن تحدد أو تعين المتضررين من هذا الانقلاب الأخير وذلك حسب قراءة متأنية صاحبها مجرد آلة تصوير للواقع السياسي والاجتماعي الموريتاني.
فمن المعلوم أن انقلاب 3 من أغسطس سنة 2005 جاء إثر احتقان سياسي حقيقي عم البلاد والعباد ومن أهم مظاهره انعدام حرية الكلمة وزج الرجال في السجون بما فيهم العلماء والمفكرون وغيرهم.
ولكن من لطف الله بهذا الشعب أن قيض له بعد ذلك الانقلاب رجلا ترأس مجلسه العسكري للعدالة والديمقراطية وقد تميز ذلك الرجل بعمقه العقلي وذكائه المتميز الذي قد جعل- بعقله- في جميع أيام منصبه بينه وبين رئيسه المطاح به برزخا لا يبغيان أي لا تبغي طبيعة أحدهما على الآخر.
فالرئيس المطاح به آنذاك سكنت إبرة تفكيره على شراء ضمائر وكرامة الرجال بأن لهم المال والجاه مقابل تقديس الشخصية واكتساب ولاء الشعوب ساعة الانتخابات.
ورئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية كان تفكيره منصبا على أن لا تلطخ حياته بأي أوامر تصدر لإيذاء أي مواطن كان من أعلم العلماء إلى أجهل الجهلاء واحتفظ لنفسه بذلك المنصب على أن يتمسك هو منه بطريقته الخيرية ويترك طريقته الشرية لغيره.
وأنا أتكلم هنا من باب "هل سافرت معه" فأنا أعرفه جيدا وإن كان هو لا يظن أن مثلي يستطيع معرفة مثله.
فهذا الرجل الذي وصفته آنفا هو المتضرر الأول من الانقلاب الأخير لأنه استطاع في تلك المدة الوجيزة أن يخطط لموريتانيا ديمقراطية تشبه إلى حد بعيد التخطيط للمدينة الفاضلة وإن كان الفلاسفة صرحوا باستحالة وجودها لكنهم لم يمنعوا المحاولة وهو حاولها قطعا بكل أنماطها الأخلاقية والسياسية، فلو فتح الله عليه بالاعتراف بالحزب الذي منع رجالا معينين من تشكيله مع أنهم هم القوم الآن في موريتانيا في تحزبهم وفي مزاولتهم للسياسة وفي وسطيتهم في جميع تصرفاتهم، وأظن أن غلطته الكبرى وأظنها الوحيدة هي منعه لذلك الحزب الذي أصبح الآن على هامة الأحزاب ومزاولة منتسبيه لما أوجبه الله عليهم لم تؤثر على الإخلاص في خدمة الشعب الذي قام بها هو أيضا في رئاسته القصيرة لهذا البلد فليتهم كانا التقيا آن ذاك في خدمة الوطن بمعنى أن"للما يعرفك يخسرك".
فقد أعطى ذلك الرجل لموريتانيا مسميات لم يأتي بها من الخارج ولم يتلقاه من مستشاريه، فمنها التشاور الشعبي الجماعي لما ينبغي أن تكون عليه موريتانيا في حياتها السياسية والاجتماعية، ومنها تعيين حكومته الانتقالية التي يعلم الله حجم كفاءتها وبالأخص وزيرها الأول السيد سيد محمد ولد ببكر، ومنها منع كل من هو في المجلس العسكري والحكومة من الترشح أو مساندة المترشحين، وهذه النقطة الأخيرة ظهر أن ضابطا من مجلسه لم يستطع لجمه عنها و"ها هي الآن تهدم ما بناه"، ومنها تشكيل لجنة للانتخابات احتفظت على حيادها وشفافية أعمالها إلى آخر الانجازات التي لا أستطيع تعدادها.
أما الخصائل الاقتصادية فهي الأخرى معجزة في عهده فقد تضاعفت الرواتب والاعتمادات وانخفضت الأسعار تلقائيا عند مجيئه، ومنه إنجاز جهاز الرشاد أو الحكم الرشيد...
وبذلك أعطى لبلدنا سمعة لا يمكن تمثيلها إلا بإخراج الحي من الميت فقد كنا دولة تعد في آخر الركب من البداوة والتخلف حتى أصبحنا دولة قيادية في كل خير، ويقتدى بها ويحتذى بأفعالها لكل من يريد لشعبه العزة والكرامة والديمقراطية العتيدة.
هذه الصورة الناصعة الجذابة التي كان كل موريتاني يفتخر بها أين ما حل أو ارتحل ويرحب به ويكرم على أساسها في كل مجامع العالم ونواديه، وكان بطلها بحق يتلقاه العالم بالتبجيل والتكريم وأصبح بعد سوار الذهب هو أيضا سوار الجوهر الموريتاني، ذلك الرجل هو المتضرر الأول من هذا الاختطاف وأخذ الرئيس الذي نصبه بعد انتخابه الشفاف رهينة على خلفية أنه لم يجازي السماعون له في انتخاب هذا الرئيس الرهينة الآن بإعطائهم مناصب على ذلك الأساس، فحاولوا الدخول له من كل نافذة وعندما تعسر عليه ذلك حطم الحيط وأدخل من فوق ركام التحطيم، فمثل ما أوقعه هذا الاختطاف في جهود رئيس المجلس العسكري كمثل من بني دارا من الإسمنت المسلح على أحسن طراز وأثثها بآخر موضة للتأثيث فجاءه رجل آخر بجرارات وجعل عاليها سافلها وبعثر أثاثها مشرقا ومغربا، ورش مكانه بمبيدات الحرية والديمقراطية.
فلو كنت مكان ذلك الرجل المنكوب الآن في جهوده وسمعته لرفعت شكايتين من هذا الفاعل ولا سيما أنه من أقرب المقربين نسبا ومهنة كما يقال (وظلم ذوى القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند)، فالشكاية الأولى مرفوعة إلى الله مكتوب فيها (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد)، والشكاية الثانية إلى أهل الدنيا لينتقموا لي ممن أفسد علي بقية حياتي بتلطيخ ثيابي وسود وجهي بكتم عملي هذا.
المتضرر الثاني:هو الشعب الموريتاني الذي تركته تلك الانتخابات وقد هنأ الخاسر الناجح لأول مرة" ولو أصبح الآن يقول إنه رئيس غير شرعي".
هذا الشعب الذي كان أفراده يعيشون أينما حلوا التكريم والتبجيل أصبح الآن بعد هذا الاختطاف كأنه من قبيلة نمير التي كانت تفتخر على القرشيين وعندما قام فرد منها بعمل سيئ ضد شاعر هجاه ذلك الشاعر بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأصبح كل نميري يختفي عن الناس أو ينكر نسبته لنمير، فكذلك كل موريتاني الآن في العالم أصبح يختفي وينكر جنسيته.
أما المتضرر الثالث: فهو الجيش الموريتاني الذي أصبحت هذه العملية تنسب له كله كأنه الفاعل لها، والجميع يدرك أن هذا الانقلاب أو الاختطاف أو التصحيح سمه ما شئت قام به شخص واحد بمعداته الموضوعة تحت يده والمنفصلة عمليا عن الجيش والحرس الوطنين بدليل قوله هو نفسه للجزيرة أنه طلب من الرئيس الرهينة أن يتراجع عن مرسوم العزل ليتراجع هو عن اختطافه وامتنع الرئيس عن ذلك، فنفذ العملية ونسبها للجيش كله أو بصورة أعم نسبها للقوات المسلحة وقوات الأمن والجميع يدرك أن الجيش وقوات الأمن بريئين من القضية، لأن البرلمانيين الذين قيم بالعملية لأجلهم لم يكونوا يلتقون بقيادة القوات المسلحة لتحضير العملية بل كانت الصحف تكتب فيلقا من النواب وجنرالين فقط.
أما المتضرر الرابع فهم المثقفون والعلماء والمحامون وكثير من الوجهاء، تلك اللائحة التي أرادت أن تجعل عقلها وراء ظهرها وتقوم بدور من أغمضت عينيها بدل تغطية وجهها من أجل إخفاء عملية تقوم بها ظنا منها أن تغميض العينين يخفى القضية مع أنها كانت مكشوفة لكل الرائيين.
فهؤلاء يذيعون ويحللون ويتفننون في العبارات بأن المسار الديمقراطي تعطل وأن كل شيئ أصبح مختنقا وأن خطر الانهيار وشيك، وفي نفس الوقت يدركون أن من سواهم من الموريتانيين يعرف ما معنى تعطيل المسار وأن المؤسسات الدستورية هي كل ما ينص عليه الدستور الموريتاني من مؤسسات كثيرة لم تتعرض للتعطيل منها إلا مؤسسة الرئاسة بعد اختطاف الرئيس المنتخب.
فالشعب الموريتاني يعرف كثرة اجتماعات البرلمان وكثرة نقاشهم مدة العام كله وقد عقدوا الجلسات العادية والطارئة ويعرف الشعب كذلك أن المراوغات كانت بين نواب عادل ورئيس الحزب وهم يريدونه أن يعين منهم الحكومة وهو والرئيس يريدان حرية السلطة التنفيذية في تعيين الحكومة وهذه المراوغات أدت بنواب الحزب إلى الخروج عن مقتضيات الفرق بين السلطات فطلبوا حجب الثقة عن أشخاص الحكومة بسبب الأشخاص وليس بسبب خطأ في عملها، وعندما هدد الرئيس بحل البرلمان مستعملا في ذلك حقه الدستوري منعه الجنرالان من غير أن يكتب الدستور كلمة واحدة تبيح لأي عسكري التدخل في السياسة ولذا قال الرئيس الأعلى للدولة في تعداده لأخطاء الرئيس الرهينة أنه منع النواب من تقديمهم لحجب الثقة عن حكومة لا يروق لهم أشخاصها ولم يقل لم يرق لهم عملها أو عملت أخطاء في مأموريتها.
فكان من الأحسن للجيش أو بعض أفراده أن يتنبهوا عند الاستفتاء على مواد من الدستور في الفترة الانتقالية الذهبية ليضعوا مادة تقول بحق الجيش أو قيادته إذا رأوا تأزما يخل بحياة واستمرار المؤسسات الدستوؤية التدخل، فعندئذ يمكن التدخل دستوريا سواء كان الوضع متأزما حقا أو ادعاء، ولا يجوز لدولة خارجية أن تعترض في هذه الحالة، ومع وضوح كل ما وقع بين هؤلاء النواب والوزير الأول و أدخلوا فيه الرئيس الرهينة أخيرا بعد تهديده بإقالتهم أصبحوا يقولون إن الرئيس عطل المؤسسات الدستورية وهم من تولى قطع رأس المؤسسات الدستورية، فمن تولى قطع الرئيس هو المعطل للمؤسسات وكل من يتكلم عن تعطيل المؤسسات من مثقفين على الطاولات المستديرة ويحللون ذلك هم أمام الشعب بمثابة من ينزع لباسه ويقوم بالصياح على الناس أكلتنا السباع وعندما يأتي الجمهور لا يجد إلا السراب والسوءة المكشوفة للرائي أوكمثل حفرة الأعمى يحفر في مكان ويتفل في مكان ويردم مكانا ثالثا، فالكلام الذي يقولونه لا ينطبق على ما يراه الشعب من عدم تعطيل لأي مؤسسة دستورية.
فلو كان الجميع من عسكريين ونواب وشيوخ ومثقفين ذهبوا إلى أداء الرئيس أو حكومته لعملهما فيما مضى من فترتهما لا شك أنهم سيجدون كثيرا من الملاحظات يوافقهم فيها كثير من الشعب أو الشعب كله، وملاحظتهم إن لم يبرروها دستوريا فهي مبررة عقليا.
فلا الرئيس الرهينة ولا الوزير الأول في الحكومتين الأولى والثانية ولا النواب ولا الشيوخ ولا الجنرالين اهتموا بما يعانيه الشعب في حياته اليومية من كثرة جرائم القتل والغصب والسرقة والرشوة من فساد السير على الطرق وإهمال الأطباء الذين أصبحوا يهجرون المواطنين إلى أطباء الخارج بعد ما يسلبونهم ما عندهم من نقود في الفحوصات والمقابلات العقيمة كل ذلك موجود وما زال موجود وسيظل ما لم يأت من ينزع من المسؤولين الموريتانيين فكرتهم عن الدولة، فلو طلب النواب سحب الثقة عن الولاة والحكام والمدراء إلى آخر كل ما يتحرك في هذه الدولة لكانوا بحق نواب الشعب وهم الآن بحركتهم هذه نواب الشعب فيما ذا ؟!.
فهذا الشعب بعد سنة 1978 لم يتح له المولى عز وجل من يهتم به من الناحية الدولية في حياته فنحن عندما نتكلم بيننا نعلم أننا لسنا دولة بمعنى الكلمة لأن كل واحد منا يريد أن يعيش من ميزانية الدولة من غير حق ويساعده في ذلك أكبر مسؤول من رئيس الجمهورية إلى البواب.
أما المتضرر الأخير فهو الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله نفسه فإذا كان من رجال الدين والدنيا وذلك ما نتمناه فليحمد الله أنه لن يسأل عن سلطة خمس سنوات ولكن عن سلطة سنة ونصف فقط، فالمسؤولية عن العجزة والفقراء إلى آخره ثقيلة (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله).
وإن كان رجلا مسلما ولكنه علماني لا يظن أن السياسة يسأل عنها يوم القيامة فلا شك أنه هو نفسه وجميع الأنفس التي مرت على هذه الدنيا سوف يقولون (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)، ويعلم عندئذ مصداقية قوله تعالى: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون).
ويستفاد من ذلك أن أي شخص يطلب المساندة من الجنرال عليه أن يفكر أكثر لأن مساعدته سيأخذها بطريقة قد لا تكون مناسبة من وجهة نظر المدعوم فيبدو أن دعم الجنرال كما يقال عن السلطة أنها [نعمت المرضعة وبئست الفاطمة]،
كما أنه من أعظم ما اكتسبه الرئيس المنتخب هو أنه استراح من هذه المنح التي أعطاها له من أخذها منه فالمثل يقول في سيئ المنحة "منيحة وراءها عزبة" وهذه منيحة وراءها جنرال. ،
فعلى طول السنة كان يأخذ نتيجة هذه المنحة تقسيطا فقد كان الرئيس يظن أنه إن ترك له المؤسسة العسكرية يرقي من يشاء ويحول في الداخل والخارج من يشاء ويأتي بمن يعين في الحكومة أو الوظائف متى شاء أن كل ذلك سيقنع الجنرال ولكن الرئيس الرهينة لم يقنع ولي نعمته في الانتخابات وشُعَب الانتخابات، حتى جاءت نقطة الصفر فتولى كبر هذه العملية وترك والدستور مقطوعي الرئيس وحالهم يقول: (عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده).
كلمة الإصلاح هذه المرة تحاول أن تحدد أو تعين المتضررين من هذا الانقلاب الأخير وذلك حسب قراءة متأنية صاحبها مجرد آلة تصوير للواقع السياسي والاجتماعي الموريتاني.
فمن المعلوم أن انقلاب 3 من أغسطس سنة 2005 جاء إثر احتقان سياسي حقيقي عم البلاد والعباد ومن أهم مظاهره انعدام حرية الكلمة وزج الرجال في السجون بما فيهم العلماء والمفكرون وغيرهم.
ولكن من لطف الله بهذا الشعب أن قيض له بعد ذلك الانقلاب رجلا ترأس مجلسه العسكري للعدالة والديمقراطية وقد تميز ذلك الرجل بعمقه العقلي وذكائه المتميز الذي قد جعل- بعقله- في جميع أيام منصبه بينه وبين رئيسه المطاح به برزخا لا يبغيان أي لا تبغي طبيعة أحدهما على الآخر.
فالرئيس المطاح به آنذاك سكنت إبرة تفكيره على شراء ضمائر وكرامة الرجال بأن لهم المال والجاه مقابل تقديس الشخصية واكتساب ولاء الشعوب ساعة الانتخابات.
ورئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية كان تفكيره منصبا على أن لا تلطخ حياته بأي أوامر تصدر لإيذاء أي مواطن كان من أعلم العلماء إلى أجهل الجهلاء واحتفظ لنفسه بذلك المنصب على أن يتمسك هو منه بطريقته الخيرية ويترك طريقته الشرية لغيره.
وأنا أتكلم هنا من باب "هل سافرت معه" فأنا أعرفه جيدا وإن كان هو لا يظن أن مثلي يستطيع معرفة مثله.
فهذا الرجل الذي وصفته آنفا هو المتضرر الأول من الانقلاب الأخير لأنه استطاع في تلك المدة الوجيزة أن يخطط لموريتانيا ديمقراطية تشبه إلى حد بعيد التخطيط للمدينة الفاضلة وإن كان الفلاسفة صرحوا باستحالة وجودها لكنهم لم يمنعوا المحاولة وهو حاولها قطعا بكل أنماطها الأخلاقية والسياسية، فلو فتح الله عليه بالاعتراف بالحزب الذي منع رجالا معينين من تشكيله مع أنهم هم القوم الآن في موريتانيا في تحزبهم وفي مزاولتهم للسياسة وفي وسطيتهم في جميع تصرفاتهم، وأظن أن غلطته الكبرى وأظنها الوحيدة هي منعه لذلك الحزب الذي أصبح الآن على هامة الأحزاب ومزاولة منتسبيه لما أوجبه الله عليهم لم تؤثر على الإخلاص في خدمة الشعب الذي قام بها هو أيضا في رئاسته القصيرة لهذا البلد فليتهم كانا التقيا آن ذاك في خدمة الوطن بمعنى أن"للما يعرفك يخسرك".
فقد أعطى ذلك الرجل لموريتانيا مسميات لم يأتي بها من الخارج ولم يتلقاه من مستشاريه، فمنها التشاور الشعبي الجماعي لما ينبغي أن تكون عليه موريتانيا في حياتها السياسية والاجتماعية، ومنها تعيين حكومته الانتقالية التي يعلم الله حجم كفاءتها وبالأخص وزيرها الأول السيد سيد محمد ولد ببكر، ومنها منع كل من هو في المجلس العسكري والحكومة من الترشح أو مساندة المترشحين، وهذه النقطة الأخيرة ظهر أن ضابطا من مجلسه لم يستطع لجمه عنها و"ها هي الآن تهدم ما بناه"، ومنها تشكيل لجنة للانتخابات احتفظت على حيادها وشفافية أعمالها إلى آخر الانجازات التي لا أستطيع تعدادها.
أما الخصائل الاقتصادية فهي الأخرى معجزة في عهده فقد تضاعفت الرواتب والاعتمادات وانخفضت الأسعار تلقائيا عند مجيئه، ومنه إنجاز جهاز الرشاد أو الحكم الرشيد...
وبذلك أعطى لبلدنا سمعة لا يمكن تمثيلها إلا بإخراج الحي من الميت فقد كنا دولة تعد في آخر الركب من البداوة والتخلف حتى أصبحنا دولة قيادية في كل خير، ويقتدى بها ويحتذى بأفعالها لكل من يريد لشعبه العزة والكرامة والديمقراطية العتيدة.
هذه الصورة الناصعة الجذابة التي كان كل موريتاني يفتخر بها أين ما حل أو ارتحل ويرحب به ويكرم على أساسها في كل مجامع العالم ونواديه، وكان بطلها بحق يتلقاه العالم بالتبجيل والتكريم وأصبح بعد سوار الذهب هو أيضا سوار الجوهر الموريتاني، ذلك الرجل هو المتضرر الأول من هذا الاختطاف وأخذ الرئيس الذي نصبه بعد انتخابه الشفاف رهينة على خلفية أنه لم يجازي السماعون له في انتخاب هذا الرئيس الرهينة الآن بإعطائهم مناصب على ذلك الأساس، فحاولوا الدخول له من كل نافذة وعندما تعسر عليه ذلك حطم الحيط وأدخل من فوق ركام التحطيم، فمثل ما أوقعه هذا الاختطاف في جهود رئيس المجلس العسكري كمثل من بني دارا من الإسمنت المسلح على أحسن طراز وأثثها بآخر موضة للتأثيث فجاءه رجل آخر بجرارات وجعل عاليها سافلها وبعثر أثاثها مشرقا ومغربا، ورش مكانه بمبيدات الحرية والديمقراطية.
فلو كنت مكان ذلك الرجل المنكوب الآن في جهوده وسمعته لرفعت شكايتين من هذا الفاعل ولا سيما أنه من أقرب المقربين نسبا ومهنة كما يقال (وظلم ذوى القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند)، فالشكاية الأولى مرفوعة إلى الله مكتوب فيها (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد)، والشكاية الثانية إلى أهل الدنيا لينتقموا لي ممن أفسد علي بقية حياتي بتلطيخ ثيابي وسود وجهي بكتم عملي هذا.
المتضرر الثاني:هو الشعب الموريتاني الذي تركته تلك الانتخابات وقد هنأ الخاسر الناجح لأول مرة" ولو أصبح الآن يقول إنه رئيس غير شرعي".
هذا الشعب الذي كان أفراده يعيشون أينما حلوا التكريم والتبجيل أصبح الآن بعد هذا الاختطاف كأنه من قبيلة نمير التي كانت تفتخر على القرشيين وعندما قام فرد منها بعمل سيئ ضد شاعر هجاه ذلك الشاعر بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأصبح كل نميري يختفي عن الناس أو ينكر نسبته لنمير، فكذلك كل موريتاني الآن في العالم أصبح يختفي وينكر جنسيته.
أما المتضرر الثالث: فهو الجيش الموريتاني الذي أصبحت هذه العملية تنسب له كله كأنه الفاعل لها، والجميع يدرك أن هذا الانقلاب أو الاختطاف أو التصحيح سمه ما شئت قام به شخص واحد بمعداته الموضوعة تحت يده والمنفصلة عمليا عن الجيش والحرس الوطنين بدليل قوله هو نفسه للجزيرة أنه طلب من الرئيس الرهينة أن يتراجع عن مرسوم العزل ليتراجع هو عن اختطافه وامتنع الرئيس عن ذلك، فنفذ العملية ونسبها للجيش كله أو بصورة أعم نسبها للقوات المسلحة وقوات الأمن والجميع يدرك أن الجيش وقوات الأمن بريئين من القضية، لأن البرلمانيين الذين قيم بالعملية لأجلهم لم يكونوا يلتقون بقيادة القوات المسلحة لتحضير العملية بل كانت الصحف تكتب فيلقا من النواب وجنرالين فقط.
أما المتضرر الرابع فهم المثقفون والعلماء والمحامون وكثير من الوجهاء، تلك اللائحة التي أرادت أن تجعل عقلها وراء ظهرها وتقوم بدور من أغمضت عينيها بدل تغطية وجهها من أجل إخفاء عملية تقوم بها ظنا منها أن تغميض العينين يخفى القضية مع أنها كانت مكشوفة لكل الرائيين.
فهؤلاء يذيعون ويحللون ويتفننون في العبارات بأن المسار الديمقراطي تعطل وأن كل شيئ أصبح مختنقا وأن خطر الانهيار وشيك، وفي نفس الوقت يدركون أن من سواهم من الموريتانيين يعرف ما معنى تعطيل المسار وأن المؤسسات الدستورية هي كل ما ينص عليه الدستور الموريتاني من مؤسسات كثيرة لم تتعرض للتعطيل منها إلا مؤسسة الرئاسة بعد اختطاف الرئيس المنتخب.
فالشعب الموريتاني يعرف كثرة اجتماعات البرلمان وكثرة نقاشهم مدة العام كله وقد عقدوا الجلسات العادية والطارئة ويعرف الشعب كذلك أن المراوغات كانت بين نواب عادل ورئيس الحزب وهم يريدونه أن يعين منهم الحكومة وهو والرئيس يريدان حرية السلطة التنفيذية في تعيين الحكومة وهذه المراوغات أدت بنواب الحزب إلى الخروج عن مقتضيات الفرق بين السلطات فطلبوا حجب الثقة عن أشخاص الحكومة بسبب الأشخاص وليس بسبب خطأ في عملها، وعندما هدد الرئيس بحل البرلمان مستعملا في ذلك حقه الدستوري منعه الجنرالان من غير أن يكتب الدستور كلمة واحدة تبيح لأي عسكري التدخل في السياسة ولذا قال الرئيس الأعلى للدولة في تعداده لأخطاء الرئيس الرهينة أنه منع النواب من تقديمهم لحجب الثقة عن حكومة لا يروق لهم أشخاصها ولم يقل لم يرق لهم عملها أو عملت أخطاء في مأموريتها.
فكان من الأحسن للجيش أو بعض أفراده أن يتنبهوا عند الاستفتاء على مواد من الدستور في الفترة الانتقالية الذهبية ليضعوا مادة تقول بحق الجيش أو قيادته إذا رأوا تأزما يخل بحياة واستمرار المؤسسات الدستوؤية التدخل، فعندئذ يمكن التدخل دستوريا سواء كان الوضع متأزما حقا أو ادعاء، ولا يجوز لدولة خارجية أن تعترض في هذه الحالة، ومع وضوح كل ما وقع بين هؤلاء النواب والوزير الأول و أدخلوا فيه الرئيس الرهينة أخيرا بعد تهديده بإقالتهم أصبحوا يقولون إن الرئيس عطل المؤسسات الدستورية وهم من تولى قطع رأس المؤسسات الدستورية، فمن تولى قطع الرئيس هو المعطل للمؤسسات وكل من يتكلم عن تعطيل المؤسسات من مثقفين على الطاولات المستديرة ويحللون ذلك هم أمام الشعب بمثابة من ينزع لباسه ويقوم بالصياح على الناس أكلتنا السباع وعندما يأتي الجمهور لا يجد إلا السراب والسوءة المكشوفة للرائي أوكمثل حفرة الأعمى يحفر في مكان ويتفل في مكان ويردم مكانا ثالثا، فالكلام الذي يقولونه لا ينطبق على ما يراه الشعب من عدم تعطيل لأي مؤسسة دستورية.
فلو كان الجميع من عسكريين ونواب وشيوخ ومثقفين ذهبوا إلى أداء الرئيس أو حكومته لعملهما فيما مضى من فترتهما لا شك أنهم سيجدون كثيرا من الملاحظات يوافقهم فيها كثير من الشعب أو الشعب كله، وملاحظتهم إن لم يبرروها دستوريا فهي مبررة عقليا.
فلا الرئيس الرهينة ولا الوزير الأول في الحكومتين الأولى والثانية ولا النواب ولا الشيوخ ولا الجنرالين اهتموا بما يعانيه الشعب في حياته اليومية من كثرة جرائم القتل والغصب والسرقة والرشوة من فساد السير على الطرق وإهمال الأطباء الذين أصبحوا يهجرون المواطنين إلى أطباء الخارج بعد ما يسلبونهم ما عندهم من نقود في الفحوصات والمقابلات العقيمة كل ذلك موجود وما زال موجود وسيظل ما لم يأت من ينزع من المسؤولين الموريتانيين فكرتهم عن الدولة، فلو طلب النواب سحب الثقة عن الولاة والحكام والمدراء إلى آخر كل ما يتحرك في هذه الدولة لكانوا بحق نواب الشعب وهم الآن بحركتهم هذه نواب الشعب فيما ذا ؟!.
فهذا الشعب بعد سنة 1978 لم يتح له المولى عز وجل من يهتم به من الناحية الدولية في حياته فنحن عندما نتكلم بيننا نعلم أننا لسنا دولة بمعنى الكلمة لأن كل واحد منا يريد أن يعيش من ميزانية الدولة من غير حق ويساعده في ذلك أكبر مسؤول من رئيس الجمهورية إلى البواب.
أما المتضرر الأخير فهو الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله نفسه فإذا كان من رجال الدين والدنيا وذلك ما نتمناه فليحمد الله أنه لن يسأل عن سلطة خمس سنوات ولكن عن سلطة سنة ونصف فقط، فالمسؤولية عن العجزة والفقراء إلى آخره ثقيلة (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله).
وإن كان رجلا مسلما ولكنه علماني لا يظن أن السياسة يسأل عنها يوم القيامة فلا شك أنه هو نفسه وجميع الأنفس التي مرت على هذه الدنيا سوف يقولون (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا)، ويعلم عندئذ مصداقية قوله تعالى: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون).
ويستفاد من ذلك أن أي شخص يطلب المساندة من الجنرال عليه أن يفكر أكثر لأن مساعدته سيأخذها بطريقة قد لا تكون مناسبة من وجهة نظر المدعوم فيبدو أن دعم الجنرال كما يقال عن السلطة أنها [نعمت المرضعة وبئست الفاطمة]،
كما أنه من أعظم ما اكتسبه الرئيس المنتخب هو أنه استراح من هذه المنح التي أعطاها له من أخذها منه فالمثل يقول في سيئ المنحة "منيحة وراءها عزبة" وهذه منيحة وراءها جنرال. ،
فعلى طول السنة كان يأخذ نتيجة هذه المنحة تقسيطا فقد كان الرئيس يظن أنه إن ترك له المؤسسة العسكرية يرقي من يشاء ويحول في الداخل والخارج من يشاء ويأتي بمن يعين في الحكومة أو الوظائف متى شاء أن كل ذلك سيقنع الجنرال ولكن الرئيس الرهينة لم يقنع ولي نعمته في الانتخابات وشُعَب الانتخابات، حتى جاءت نقطة الصفر فتولى كبر هذه العملية وترك والدستور مقطوعي الرئيس وحالهم يقول: (عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده).







