تاريخ الإضافة : 27.08.2008 11:56

..يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا...

سيدي محمد ولد ابهادي

سيدي محمد ولد ابهادي

جاء من الأفق البعيد، بعد أن ضاقت الأرض بما رحبت، بعد عشرين عاما من الاستبداد والظلم والقهر، انتهكت فيها الأعراض وديست الكرامة، واستشرى الفساد في كل أركان الدولة ، أطل وصحبه مؤذنين بنهاية سني عجاف، أهلكت الحرث والنسل، أتوا يحملون أرواحهم على أكفهم لا يملكون من العتاد غير الإيمان بالمبدأ والإخلاص فيه، فكان لهم ما أرادوا فحطموا تلك الأسطورة الزائفة المتمثلة في نظام العقيد ولد الطائع، فأصابوا نظامه المترهل في مقتل، حتى إذا ما استعصى على حماته وسدنته نفث الروح به من جديد، لم يبق أمامهم إلا آخر الدواء..فنادوا في معشرهم "أن تلكم الدولة أورثتموها بما كنتم تعملون"...فسرقوا بذلك أحلام المغلوبين على أمرهم والطامحين إلى تغيير حقيقي يعيد المظالم ويشيع العدل، ويعزز الوحدة الوطنية، نظام يحقق قطيعة حقيقية مع الماضي الأليم، ويساعد في بناء أواصر القربى والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد بعد ما أصيب نسيجه بتصدعات خطيرة .
ولئن كان الكثير من المهتمين بالشأن السياسي الموريتاني يرجعون أسباب انقلاب الثالث من أغشت إلى خلافات داخلية في النظام البائد آنذاك إلا أن أشد المتحمسين لهذا الطرح لا ينكر أن الفضل الأكبر في ذلك الانقلاب يرجع للمحاولات المتكررة من طرف فرسان التغيير بقيادة الأخ صالح ولد حننه من جهة، وكذا للصمود وطول النفس الذي عبرت عنه الطبقة السياسية المعارضة لنظام ولد الطايع؛ فذلك الانقلاب إذا ثمرة سياسية لنضال الأحرار من رجالنا الوطنيين، وإن لم يكن بالطريقة التي يتمناها الجميع فقد شكل محطة هامة وأسفر عن مرحلة جديدة تسنى للجميع فيها التقاط الأنفاس والتخطيط لمرحلة جديدة يكون الاستقرار السياسي فيها أهم مطلب من لدن الجميع، خصوصا بعد المسار السياسي الذي أشرف عليه المجلس العسكر، وكان برغم ما شابه من أخطاء مرحلة يمكن التأسيس عليها فقد جاء بمؤسسات ديمقراطية وفتح بابا واسعا من الحرية والشفافية كان في غاية الأهمية لو استغل استغلالا أمثل من طرف الطبقة السياسية المعارضة منها والموالية.
إلا أن أعداء موريتانيا من الذين يعيشون على الأزمات ويستغلون الفترات الاستثنائية أبوا إلا أن تكون لهم الكلمة العليا، والقول الفصل. فزجوا بالجميع في صراع لا مبرر له ، وكان من الواضح للوهلة الأولى أن أيدي العسكر تحرك أولئك القوم نوابا كانوا أو رجال قبيلة،. ولم يكن من المفاجيء للجميع حصول مثل هذا الانقلاب؛ لأن ولد عبد العزيز لم يسلم السلطة فعليا ولو استطاع الاحتفاظ بها في السابق لفعل؛ وإنما كان يتحين الفرص لاستعادتها في أقرب الآجال؛ غير أن المستغرب حقا أن يدعمه في ذالك الاعتداء السافر على حرمة الدولة ومكانتها أناس ضحوا بأرواحهم في سبيل إنقاذ الدولة وتخليصها من حقبة العقيد وظلوا كما عهدناهم في كل خرجاتهم الإعلامية ومواقفهم الوطنية متمسكين بالمصلحة العليا للوطن لا يخافون في ذلك لومة لائم، فما الذي حصل بين عشية وضحاها حتى يتخلى الزعيم المناضل صالح ولد حننه عن كل ما بناه خلال تاريخه السياسي وربما العسكري، إنه لسقوط حر بكل المقاييس، قد كان الأولى بالجنرال أن يتودد إليك يا سيدي فقبلك لما يكن شيئا مذكورا، ألا تدرك أنه لولا محاولتك الجريئة المخلصة التي استغلها الجنرال لإبراز تودده وإخلاصه للعقيد آن ذاك، لما كان له من ذكر ولما وُضع كل عتاد الدولة تحت يده، حتى أصبح بإمكانه قلب نظام الحكم في أقل من نصف ساعة، ودون استشارة من أحد..إنه لمن سوء الطالع حقا أن لا يصمد أحد في هذا البلد على موقف عز، إلا وكيد له حتى ينحني ويرجع..
إن أمثالك سيدي من الرجال الذين بنوا مستقبلهم على مواقف خالدة تحملهم العامة والدهماء إلى مصاف العظماء كما فعلوا بك، ولا يحتاجون إلى مداهنة الحكام، ولا إلى التودد لهم، فدع ذلك لأهل السياسة ومن يتشبثون "بفن الممكن" وسياسة الأمر الواقع..فلهم نهجهم ولك ولأمثالك من تودد إليهم غير أولئك وهم يعرفون كيف يمكِِنون لك.
أتمنى أن يراجع الأخ صالح ولد حننه موقفه من الانقلاب الأخير، وأن يختط لنفسه منهاجا آخر بعيدا عن المواقف الارتجالية البراكماتية.
فقد عرفناك على ذالك المهيع وذلك النهج، وكنت فينا بحق أبيا مرجوا قبل هذا..

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026