تاريخ الإضافة : 20.08.2008 15:22

واستقال الأخ إسحاق!

بقلم: سيدي محمود ولد الصغيركاتب موريتاني sidymhd@hotmail.com

بقلم: سيدي محمود ولد الصغيركاتب موريتاني sidymhd@hotmail.com

بدت موريتانيا خلال الأيام الأخيرة بمظهر لا تحسد عليه ، وقد استماتت في الإعلان عن براءتها مما رماها به " المستعجلون " ممن هللوا للضياء حين تراءى (الفجر الكاذب ) ، فتمطى الليل ليفضح الأوهام ، وبدا الحلم الموعود أبعد مما تخيله الحالمون .. وتوارى الشاطئ المحبوب - الديمقراطية - خلف الضباب ، بعد ما قذف الموج " العنيف " ب"الزورق " والربان " ، فلم يجد الواهمون بدا من تجرع الحقيقة وإن " بيد عمرو " ! .
تبدل كل شيء في لمحة طرف ، وتهاوى الصرح المشيد ، وصدق المثل القديم :" الهدم أسرع من البنيان " ، وكأنما عاد الزمان أدراجه ، أو عاد الناس سيرتهم الأولى مثلما كانوا قبل الشهر الثامن من عام 2005 م ، حاولت ألا أصدق أن ذلك هو ما يحدث بالفعل ، وإن كان كل شيء يوحي بعكس ما أحاول التشبث به ، ولم يطل الوقت حتى " قطعت جهيزة قول خطيب " : مظاهرات مفتعلة تجوب البلاد شرقا وغربا، ومؤتمرات صحفية هنا وهناك ، ومبادرات وأحزاب " منكرة " ، كل أولئك يرحبون ب" الإنجاز العظيم "!.
وكان من اللازم أن يصل هذا الصوت " لا غيره " إلى الجماهير المغلوبة على أمرها ، فسخرت وسائل الإعلام لهذه المهمة " النبيلة " وبدأت معزوفة " القرف " تطحن أذواق الأبرياء من خلال استضافات، وطاولات مستديرة : طويلة " كليل السجين " !، ثقيلة " كتنكر الأصدقاء " !، متخلفة " كالبيان رقم 1 "ّ! ، تناقش "دوافع التصحيح ووجهة البلد بعده "، وانبرى متحدثون كأنما هبطوا من عالم آخر ، يحاولون إقناع الجماهير بما ليسوا هم أنفسهم مقتنعين به .
وكنت من أولئك " التعساء " الذين حاولوا بقدر من التجلد أن يصبروا على سماع ما يقول هؤلاء ، فأحسست بالمرارة التي
زاد ها :أن أكثر ما كنا نتعلل به في عهدنا " المختطف ": هو هامش الحرية الذي كنا نسمع – ونقول - من خلاله ما نحب ، فنأمل أن نراه في الواقع يوما من الأيام ، وها قد عرفنا – الآن – أن سماع تلك الأقوال يحتاج – من الحاكم - إلى رصيد من القوة الأخلاقية والمشروعية الشعبية يسمح لصاحبه بأن لا يرى في الحرية غولا فاتكة ، وتلك مقدمة يفتقر إليها " المنقلبون " ، وإذن فهم من الضعغف والهشاشة بالموقع الذي يهدده " مجرد الكلام "، وإن رأيناهم مدججين بالسلاح !
ومن هنا كانت الحرية أول ضحايا الاعتداء على الشرعية والديمقراطية وهو أمر في محله بالتأكيد ، وإلا فلما ذا غيب صوت عشرات النواب ومن بينهم رئيس الجمعية الوطنية ؟ ولما ذا قمعت مظاهرات سلمية لا تتوسل بغير التعبير الشفوي عن موقف يعرفه الجميع ؟
أعود إلى الموضوع الإعلامي والبرامج التبشيرية بحركة التصحيح لأسجل شعورا أحسست به وأنا أتابع بعض تلك البرامج ، فقد كنت أتعاطف مع الصحفيين الذين يقدمون تلك البرامج، حيث يخيل إلي أن بعضهم يبدو مكتئبا أو متضايقا منها، وبخاصة الجيل الجديد من الصحفيين، دعك من من أولئك الذن مردوا على "..." ، فهؤلاء قد جاوزوا " القنطرة "!
ومع تسارع الأيام بدأت أفقد ذلك الإحساس وأشعر بأن الجميع صادرون عن نفس المشرب .
ولكن عاد إلي بعض الأمل بعد ما اطلعت على القرار الشجاع المتمثل في استقالة رفيعة دبجها الشاب الصحفي اللامع : إسحاق ولد المختار ، حين أحس بفقد المكتسبات ، وأيقن باستحالة أداء رسالته النبيلة ، وحاول تصحيح الأمر بالأسلوب الأمثل في الإطار الداخلي ومن موقع المهني الصادق " الشريف " ، فلما لم يجد شيء من ذلك قرر أن يستقيل !
إنه درس رائع وسلوك حضاري أصيل ، وبقية شرف ما زال يعتمل في نفوس بعض أبناء هذه البلاد، وهؤلاء وحدهم - سواء كانوا مهنيين أم سياسيين- هو أمل الوطن وعدة التغيير وبوادر " الفجر الصادق " .
.فلهم منا " مع كل إشراقة تحية "
، ومع كل خفقة قلب ثناء وتقدير .
بقلم: سيدي محمود ولد الصغير
كاتب موريتاني
sidymhd@hotmail.com

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026