تاريخ الإضافة : 16.08.2008 23:23
وداعا أيها الرئيس الأخير..!!
يتداول في المأثور التراثي لبلاد السيبة أن أحد الفرسان مر براجل متعب، فطلب منه الراجل حمله معه فأجابه بأن الفرس أنثى؛ أسقط في يدي الرجل فحاول الاستفسار، لكن الفارس كان سريعا فرد دون تلكؤ: إنما هو عذر فلتقبله إذا شئت أو ترفضه إن استطعت؛ حكاية تختزل في مضمونها حادثة صباح الأربعاء وما تلاها من تغابِ ولعب على العقول!
تريثت كثيرا في كتابة هذه الكلمات علي وعساي أجد من فرسان أقلامنا الكثر من يكفيني شر القتال ويحمل عني"خطيت فم الحاس" فأنا في الحقيقة لست كاتبا؛ لأنني ـ ببساطةـ لا أتقاضى عليها ولا أتسلى بها وفي أغلب الأحيان لا أهواها، ولقمة العيش بالنسبة لي أهم وأولى من الشهرة، وكتابتي دوما من باب "مكره أخاك لا بطل"؛ لأنه دين علينا أن نرى الساكت على الحق شيطان أخرس حتى وإن ضُللت الأمة وجمعت على غير ذلك.
لست هنا للدفاع عن الرئيس الشرعي ولا المخلوع، ولا ـ بالمقابل ـ لتسويغ فعلة الانقلابين ولا المنقذين، فما هذا ولا ذاك من خلقي وللبيوت أرباب ستحميها.
صحيح أنني لم أصوت لا في الشوط الأول ولا في الشوط الثاني للرئيس الحبيس، وأعتقد ـ جازما ـ أنه لو كان هناك شوط ثالث لما صوت له، ومع كل ذلك يأبى علي إحساسي بالانتماء لهذا البلد أن أظل مكمما صامتا والكوب به بقايا بلل..!
أصبح من نافلة القول بل من سخفه أن الرئيس الحبيس صنيعة سجانيه، وأن الديمقراطية التي جاءوا به عليها ما أسست على التقوى من أول يوم، لا مراء في أي من هذا ولا جدال؛ لكن ذنب من هذا ترى؟!أهو ذنب ذلك الشيخ المسن الوقور الذي كان يأتيه رزقه رغدا من كل مكان يعيش بين بيته ومحرابه! أم ذنب أولئك الصعاليك الذين امتطوا خيولهم وامتشقوا أسلحتهم وقالوا بكل صراحة ـ حتى لا أقول وقاحة ـ الدولة دولتنا والمقاسات وفق أمزجتنا نهب الحكم من نشاء وننزعه ممن نشاء؟؟!!
لا أعتقد أن الإجابة على أي من السؤالين تستوجب الكثير من الجهد ولا الخارق من الذكاء؛ لكن المشكلة هي أنه وكما يقال "النخبة تعرف الحقيقة ولا تريدها، والعامة تريد الحقيقة ولا تعرفها"؛ ومع كل ذلك يجب أن يعرف الجميع أننا اليوم إذ نبكي وننتحب فإننا لا نفعل ذلك حبا في أيام أزمة السلطة، وإنما نندب ـ وبكل كبرياء ـ لحظة طالما انتظرناها وحلمنا بها، تلك اللحظة التي سرقت منا فرحتها، لا ننقم على أولئك الصعاليك شيئا وإن كنا بالمقابل لا ندين لهم بشيء، فإذا كانوا خلصونا من دكتاتورية ولد الطايع فإنهم أوقعونا في تسلطهم وأخذونا رهائن لرغباتهم؛ والمتأمل لمقابلة الجنرال مع قناة الجزيرة يدرك أن الدافع الحقيقي هو الإقالة، والتي كانت هي العلاج الأمثل للأزمة، فعندما قال منتشيا إنه اتصل بالرئيس السادسة وطلب منه التراجع عن قراره وإلا فإنه يعرض موريتانيا لخطر فإنه كان يعي جيدا ما يقول ولم يكن يخاطب مطلقا ذلك الرئيس القابع خلف القضبان؛ بل كان يخاطب المستقبل وبلغة عسكرية صارمة وخشنة من يتجرؤ على قاماتنا فلن يبقي هنالك محذورا ولا مقدسا، حتى الوطن لن يعود يعني شيئا عندما تمس سلطاتنا.
ليس غريبا على عسكري في دولة صغيرة من العالم الثالث إن لم يكن الرابع دخل الجيش يحلم بالسلطة ـ وبالسلطة فقط ـ أن يتكلم بلغة كهذه؛ لكن الغريب بل والمحير أن يجاريه في لغته أناس دخلوا المشهد من أوسع أبوابه ديمقراطية، واختارهم الشعب بعد أن أثقل الجنود كاهله، وظل وفيا لهم كلما سنحت الفرصة؛ ولقد كان زعيم المعارضة واحدا من أولئك الذين خيبوا أمل الحالمين بالديمقراطية؛ وهنا أذكره بسؤال محمد أكريشان الوارد والوجيه، ذلك السؤال الذي يجب أن يظل يرن في أذنه، وهو ما ذا لو انتخبت رئيسا لموريتانيا والأغلبية ـ كما هو معلوم ـ ليست لديك؛ بل هي من ألد أعدائك التقليدين، ثم اجتمعت هذه الأغلبية وغذاها بعض الموظفين؛ مدنين أو عسكريين ما ذا كنت فاعلا يومها؟ ولو انقلبوا عليك ما ذا تأمل وترجوا منا؟!
حزّ في نفسي موقف زعيم المعارضة أكثر من غيره؛ لأن غيره ـ في غالبيته ـ كان دوما يزاحم في المسيرات والتظاهرات مرحبا بأي عقيد قادم؛ وأذكّر أولئك الحرباويين بحكاية متداولة في كتب التاريخ والأدب العربيين، وهي أن الفتح بن خاقان والبحتري كانا حاضرين ليلة اغتيل الخليفة المتوكل، فقتل الفتح دفاعا عن خليفته؛ أما الشاعر البحتري فقد فر بجراحه مخلدا موقفه النبيل في واحدة من روائع الأدب العربي:
محل على القاطول أخلق داثره
وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره
إلي أن يقول:
فلا مٌلّي الباقي تراث الذي مضى
ولا حملت ذك الدعاء منابره
إن التصحيح الحقيقي هو ذلك الذي سبق الانقلاب بلحظات قليلة، حيث أصبح الرئيس يمارس سلطته كاملة غير منقوصة، لكننا ألفنا ـ وهذا دأبنا ـ أن نرى الصورة معكوسة.
أحمد ولد محمد الحافظ
المدير الناشر لصحيفة المواطن
تريثت كثيرا في كتابة هذه الكلمات علي وعساي أجد من فرسان أقلامنا الكثر من يكفيني شر القتال ويحمل عني"خطيت فم الحاس" فأنا في الحقيقة لست كاتبا؛ لأنني ـ ببساطةـ لا أتقاضى عليها ولا أتسلى بها وفي أغلب الأحيان لا أهواها، ولقمة العيش بالنسبة لي أهم وأولى من الشهرة، وكتابتي دوما من باب "مكره أخاك لا بطل"؛ لأنه دين علينا أن نرى الساكت على الحق شيطان أخرس حتى وإن ضُللت الأمة وجمعت على غير ذلك.
لست هنا للدفاع عن الرئيس الشرعي ولا المخلوع، ولا ـ بالمقابل ـ لتسويغ فعلة الانقلابين ولا المنقذين، فما هذا ولا ذاك من خلقي وللبيوت أرباب ستحميها.
صحيح أنني لم أصوت لا في الشوط الأول ولا في الشوط الثاني للرئيس الحبيس، وأعتقد ـ جازما ـ أنه لو كان هناك شوط ثالث لما صوت له، ومع كل ذلك يأبى علي إحساسي بالانتماء لهذا البلد أن أظل مكمما صامتا والكوب به بقايا بلل..!
أصبح من نافلة القول بل من سخفه أن الرئيس الحبيس صنيعة سجانيه، وأن الديمقراطية التي جاءوا به عليها ما أسست على التقوى من أول يوم، لا مراء في أي من هذا ولا جدال؛ لكن ذنب من هذا ترى؟!أهو ذنب ذلك الشيخ المسن الوقور الذي كان يأتيه رزقه رغدا من كل مكان يعيش بين بيته ومحرابه! أم ذنب أولئك الصعاليك الذين امتطوا خيولهم وامتشقوا أسلحتهم وقالوا بكل صراحة ـ حتى لا أقول وقاحة ـ الدولة دولتنا والمقاسات وفق أمزجتنا نهب الحكم من نشاء وننزعه ممن نشاء؟؟!!
لا أعتقد أن الإجابة على أي من السؤالين تستوجب الكثير من الجهد ولا الخارق من الذكاء؛ لكن المشكلة هي أنه وكما يقال "النخبة تعرف الحقيقة ولا تريدها، والعامة تريد الحقيقة ولا تعرفها"؛ ومع كل ذلك يجب أن يعرف الجميع أننا اليوم إذ نبكي وننتحب فإننا لا نفعل ذلك حبا في أيام أزمة السلطة، وإنما نندب ـ وبكل كبرياء ـ لحظة طالما انتظرناها وحلمنا بها، تلك اللحظة التي سرقت منا فرحتها، لا ننقم على أولئك الصعاليك شيئا وإن كنا بالمقابل لا ندين لهم بشيء، فإذا كانوا خلصونا من دكتاتورية ولد الطايع فإنهم أوقعونا في تسلطهم وأخذونا رهائن لرغباتهم؛ والمتأمل لمقابلة الجنرال مع قناة الجزيرة يدرك أن الدافع الحقيقي هو الإقالة، والتي كانت هي العلاج الأمثل للأزمة، فعندما قال منتشيا إنه اتصل بالرئيس السادسة وطلب منه التراجع عن قراره وإلا فإنه يعرض موريتانيا لخطر فإنه كان يعي جيدا ما يقول ولم يكن يخاطب مطلقا ذلك الرئيس القابع خلف القضبان؛ بل كان يخاطب المستقبل وبلغة عسكرية صارمة وخشنة من يتجرؤ على قاماتنا فلن يبقي هنالك محذورا ولا مقدسا، حتى الوطن لن يعود يعني شيئا عندما تمس سلطاتنا.
ليس غريبا على عسكري في دولة صغيرة من العالم الثالث إن لم يكن الرابع دخل الجيش يحلم بالسلطة ـ وبالسلطة فقط ـ أن يتكلم بلغة كهذه؛ لكن الغريب بل والمحير أن يجاريه في لغته أناس دخلوا المشهد من أوسع أبوابه ديمقراطية، واختارهم الشعب بعد أن أثقل الجنود كاهله، وظل وفيا لهم كلما سنحت الفرصة؛ ولقد كان زعيم المعارضة واحدا من أولئك الذين خيبوا أمل الحالمين بالديمقراطية؛ وهنا أذكره بسؤال محمد أكريشان الوارد والوجيه، ذلك السؤال الذي يجب أن يظل يرن في أذنه، وهو ما ذا لو انتخبت رئيسا لموريتانيا والأغلبية ـ كما هو معلوم ـ ليست لديك؛ بل هي من ألد أعدائك التقليدين، ثم اجتمعت هذه الأغلبية وغذاها بعض الموظفين؛ مدنين أو عسكريين ما ذا كنت فاعلا يومها؟ ولو انقلبوا عليك ما ذا تأمل وترجوا منا؟!
حزّ في نفسي موقف زعيم المعارضة أكثر من غيره؛ لأن غيره ـ في غالبيته ـ كان دوما يزاحم في المسيرات والتظاهرات مرحبا بأي عقيد قادم؛ وأذكّر أولئك الحرباويين بحكاية متداولة في كتب التاريخ والأدب العربيين، وهي أن الفتح بن خاقان والبحتري كانا حاضرين ليلة اغتيل الخليفة المتوكل، فقتل الفتح دفاعا عن خليفته؛ أما الشاعر البحتري فقد فر بجراحه مخلدا موقفه النبيل في واحدة من روائع الأدب العربي:
محل على القاطول أخلق داثره
وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره
إلي أن يقول:
فلا مٌلّي الباقي تراث الذي مضى
ولا حملت ذك الدعاء منابره
إن التصحيح الحقيقي هو ذلك الذي سبق الانقلاب بلحظات قليلة، حيث أصبح الرئيس يمارس سلطته كاملة غير منقوصة، لكننا ألفنا ـ وهذا دأبنا ـ أن نرى الصورة معكوسة.
أحمد ولد محمد الحافظ
المدير الناشر لصحيفة المواطن







