تاريخ الإضافة : 14.08.2008 23:31

محنة الديمقراطية في موريتانيا

المصطفي ولد البح
elmoustaphaa@yahoo.fr

بعد أكثرمن سنة من الديمقراطية في موريتانيا التي اعتبرت نموذجا في المنطقة وعلى إثر قرار الإقالة لبعض الضباط المرقون في الفترة الأخيرة لمناصب عسكرية لا يستحقونها لا بكفاءتهم ولا بأقدميتهم ، إذ لا يزال في الجيش الموريتاني من الشرفاء والنبلاء المستحقين لرتبة الجنران والتصدر غيرهم ، أقدم هؤلاء المتعطشون للسلطة والنفوذ على خيانة الشرعية الموريتانية ووأد الديمقراطية الفتية في هذا البلد الذي كتب على شعبه المسكين أن يعيش نحت سطوة المستخفين بعقوله المارقين على دساتيره ممن لا يرغبون في القانون ولا الأخلاق ولا القيم إلا ولا ذمة، وإلا فأي مسوغ قانوني أو سياسي لانقلاب على رئيس منتخب لمجرد أنه مارس بعضا من صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة في تولية من يراهم مناسبين لأمن وحراسة الوطن ، وأي منطق هذا الذي يسميه ولد عبد العزيز ردة فعل إنها فعلا ردة فعل غير محسوبة وردة ( بكسر الراء ) لحرية وطن مكلوم.

إن هذه الفعلة الشنيعة لن تمر في ما يبدو كباقي الانقلابات لأنها ببساطة تفتقد المبرر الواقعي والرؤية السياسية والشرعية القانونية ، ويظهر ذلك بوضوح في البيان رقم واحد الذي جاء فقط ليلغي قرارا رئاسيا وصفه البيان أنه لاغ قانونيا وعمليا وهو وصف ما سمعنا به في عيوب القرارات الإدارية، ولا في نواقض الحيثيات الدستورية ، التي يبدو أن مستشاري عزيز غالطوه فيها عن جهل أو تدليس حين قال للجزيرة أن رفض الرئيس لدورة استثنائية برلمانية ليس من صلاحياته وإنما من صلاحيات المجلس الدستوري وهو خلاف القانون الموريتاني الصريح في أن رئيس الجمهورية هو من يفتتح الدورة ويسطر جدول أعمالها وله الأولوية في كل ما يتعلق بها حسب سلطته التقديرية استثنائية كانت أو عادية (المادة 53 الفقرة الأخيرة) ، كما أن قصر الفترة الزمنية للتجربة الديمقراطية لا تتترك مجالا لأي مبرر يزعم أن للرئيس من الوقت ما يوصف فيه أنه أوصل البلاد إلي احتقان أو هاوية أو .. وكل الحجج المقدمة في هذا الصدد متهافتة تماما كحجة سحب الثقة عن حكومة لم تقدم برنامجها أصلا ... ،

وإذا كانت الشرعية وحدة متناسقة لا تتجزأ فإنه من النوازل الفقهية اليوم تعايش المؤسسات الدستورية برلمانية أو قضائية أو بلدية في ظل فترة لا هي بالانتقالية كما في الصيغ القانونية المعروفة ولا هي بمرحلة الشغور الرئاسي التي ينص غليها الدستور ويلزم بإجراء انتخابات رئاسية في فترة تسعين يوما في ظل رئاسة رئيس مجلس الشيوخ ( المادة 40 من الدستور) عفوا لكنها ردة فعل حسب وصف الجنرال
أما المسيرات المصطنعة التي سيرتها الشرطة وقمعت غيرها من المسيرات المناهضة للانقلاب فهي محاولة لخلق شرعية مفقودة في الشارع يكذبها الواقع السياسي الذي شهد من أول يوم تزايد الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية التي تتكون من أكبر الأحزاب شعبية في البلاد وتضم أكثر من نصف البرلمان الموريتاني بالإضافة لرئيس البرلمان صاحب الشرعية الدستورية في ظل غياب الرئيس الشرعي، وهي كلها أمور تعزز من رصيد حماة الشرعية لو أحسن استغلالها ، هذا فضلا عن مواقف النقابات العمالية ونقابة المحامين ومنظمات حقوق الإنسان التي سجلتها بوضوح " أن لا شرعية للانقلابين أبدا مطالبة بعودة الرئيس المنتخب "

وعلى ذلك ندرك الفرق الجوهري بين انقلاب الثالث من أغشت 2005 الذي كان فيه المنقلب والمنقلب عليه سيان في افتقاد الشرعية ولأجل ذلك التف حوله الجميع وأعطوه شرعية داخلية سرعان ما قبلت خارجيا ، وبين هذا الانقلاب على الشرعية التي شهد لها الجميع وشارك في تأسيسها ولذلك كانت المواقف منددة ورافضة من الشعب الموريتاني -إلا من قلة برلمانية صنعها الجنرالان لغرض المشاكسة السياسية بالوكالة عنهما قبل أن يقررا الانتصار لأنفسهما بالقوة- ومن الدول والمنظمات الخارجية التي كانت هذه المرة معبرة وواضحة ومجمعة في مواقفهاعلى عودة الديمقراطية بل هددت بقطع المساعدات عن السلطة الجديدة مما يؤكد صعوبة استمرار الانقلابيين مهما قلل من ذلك الجنرال محمد ولد عبد العزيز بوصفه الاعتراف الدولى أنه لا يهم، وأن موريتانيا معترف بها أصلا من الدول الخارجية وكأنه هو موريتانيا،.

غير أن ذلك لا يعني أن المحنة عابرة أو أن وعودا جديدة بالديمقراطية قد تجدي، فتجارب الشعوب أثبتت أن الحرية والديمقراطية تنتزع ولا تعطي تنال ولا توهب ومستقبل ذلك مرهون بالتأكيد بمواقف الشعب الموريتاني وقواه الحية في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ البلد لنتجاوز النكسة والمحنة التي أصيبت بها الديمقراطية الفتية في موريتانيا، فإما أن تثبت القوي السياسية ومن ورائها الشعب للجميع أننا تستحق الديمقراطية بعمل جماهيري وسياسي وإعلامي مستمر تنخرط فيه كل المنظمات الحقوقية والفعاليات البرلمانية والهيئات القضائية مع الأحزاب الجادة والنقابات ، تعززها في ذلك المبادرات الشعبية لتحريك الشارع وفرض الديمقراطية واستعادة الشرعية على غرار حركة كفاية المصرية والثورات البرتقالية، وإما أن يفرض الجنرالان حكما ديكتاتوريا متسلطا يعطي من الديمقراطية ويمنع مثلما الثروة والنفوذ في انتظار ردة الفعل القادمة في دوامة من المخاطر والأزمات أبطالها مغامرون وضحاياها شعب وديع غلب على أمره" من استخف قومه فأطاعوه" .

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026