عندما يتصرف بعض البرلمانيين كأطفال في الصف الأول الابتدائي
خالد ولد بوب
khalidbewba@yahoo.fr
عندما فشل الانقلابيون في اقناع الرأي العام الوطني والدولي بمبرراتهم الواهية لأغبى وأحمق انقلاب عرفه التاريخ البشرى، وحينما فشلت حلقات وبرامج مقززة ومضحكة في آن واحد ينظمها التلفزيون الموريتاني لقطعان المنافقين والحربائيين لمدح الجنرال وتعداد مناقبه في أن تغير من الحقيقة شيئا، جاء الدور أخيرا على البرلمانيين حين أظهرهم التلفزيون وهم يستجدون العالم ويتوسلونه الاعتراف بانقلاب جنرالهم وولي نعمة الكثيرين منهم.
وإذا كانت هذه المسرحية تعكس مدا الفشل الذي أصاب انقلاب 06 أغسطس 2008 وقوة الحصار والعزلة الوطنية والدولية التي يعاني منها منفذوه، فإنه حتى المتابع لها يمكنه أن يخرج بملاحظات مضحكة ومؤسفة تجعله يفقد الثقة والاحترام لكثير ممن يرون أنهم ممثلون للشعب الموريتاني ويأبى الله إلا أن يظل بنيان الباطل والنفاق والتزلف ضعيفا يوشك أن ينقض وينهار.
لقد أراد البرلمانيون من هذه الخطوة أن يظهروا للعالم وكأنهم أغلبية برلمانية يمثلون الشعب الموريتاني ويباركون ما يسمونه" الحركة التصحيحية" ويمنحونها سندا أو مبررات شرعية ودستورية ، فأظهرهم التلفزيون الموريتاني على حقيقتم المزرية حتى لكأن المتابع لهم يخيل إليه أنهم أطفال في الصف الأول الابتدائي جمعهم معلمهم في الفصل وأعطى واحد منهم ورقة أو نشيدا يتلوه والآخرون من حوله مجتمعون ومظاهر الخوف والطمع والارتباك تعلوا الوجوه .
لقد أراد الجنرال والتلفزيون الموريتاني من هذه المسرحية تخفيفا لحصار وعزلة دولية تزداد كل يوم وتشتد وطأتها، ففضحت صور التلفزيون القوم وأكدت أن البيان الذي قرأه واحد منهم وكأنهم اجتمعوا عليه ساعات قبل ذ لك وناقشوه واتفقوا عليه، هو مجرد بيان ربما تم تحريره وكتابته بقيادة الأركان أو الحرس الرئاسي ثم جمعوا له بعد ذلك كالقطيع حتى تتم قرائته بحضورهم وتلك هي صور النلفزيون شاهدة حيث يرفع بعض البرلمانيين غير بعيد من قارئ البيان أيديه ملوحا ومسلما على رفاق آخرين له بالبرلمان يبدو أنه لم يلتق بهم منذ عدة أيام، وإلا فما الداعي لأن يتبادل النواب المحترمون التحية أمام الكاميرات ولحظة قراءة البيان ماداموا كانوا على اتصال ببعضهم البعض وهم فوق هذا خارجين لتوهم من اجتماع ولقاء تمت خلاله صياغة البيان الذي يطالب الشعب الموريتاني بقبول الانقلابات وسيلة للوصول إلى الحكم ويعتبرها ضرورية؟؟؟
وليست الصور والحركات وحدها تشي بحقيقة البيان وطبيعة من وقعوه واجتمعوا لقراءته، بل البيان نفسه يكاد يقول للبرلمانيين المدافعين عن الديكتاتورية: ما أنتم إلا كما يقول المثل الحساني " يؤمر بالصلاة ولايتجه يوما نحوالقبلة". تتحدثون عن الشرعية وسلطة الشعب وفي الواقع تدافعون عن من انقلب عليها !!
إن المرء ليشفق على حال هؤلاء البرلمانيين الذين يتلون بيانا أمام شاشات التلفزيون ويتحلقون حوله ويقرون في البيان نفسه أن الشعب الموريتاني هو من يمنح السلطة وينزعها ومع ذلك لا يسأل الواحد منهم نفسه: هل منح الشعب الموريتاني الجنرال محمد ولد عبد العزيز السلطة أم منحها لنفسه؟
لقد جاء في بيانهم استشهادهم بالمادة 2 من الدستور فاكتفوا بجزء منها حيث اقتصروا على " السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها عن طريق ممثليه المنتخبين" ، والمادة كاملة تقول " الشعب هو مصدر كل سلطة، و السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها عن طريق ممثليه المنتخبين بواسطة الاستفتاء، ولايحق لبعض الشعب ولا لفرد من أفراده أن يستأثر بممارستها""
لنأخذ المادة مجتزأة كما ورد في بيان البرلمانيين أو بها كاملة كما هي في الدستور الموريتاني، فأين هو الشعب الذي منح الانقلابي ولد عبد العزيز السلطة وجعله يستأثر بها؟؟
ألم تنبهنا المادة على أنه لا يحق لفرد ولا لمجموعة ممارسة السلطة من دون تفويض من الشعب الموريتاني؟ أم أنكم تفهمون أن المراد من كلمة "الشعب" في المادة 2 من الدستور هو ثلاثة جنرالات معزولين من مناصبهم وعصابة من جنود وضباط الحرس الرئاسي؟؟ أهذا هو الشعب الذي يمنح السلطة يابرلمانيين؟؟
و لايدري المرء أيعجب أم يضحك من بيان يوقع عليه برلمانيون يعتبرون فيه عزل ضباط عن مناصبهم بطريقة قانونية هو اتباع لسياسة فرق تسد ويرون أنه سيؤدي بالبلاد إلى الهاوية.
هل كل قرار عزل أو تحويل في المؤسسة العسكرية يراد من خلاله تطبيق سياسة "فرق تسد"؟؟
ألم يكن مثل هذا الإجراء طبيعيا مارسه جميع رؤساء موريتانيا السابقين حتى في المرحلة الانتقالية الأخيرة ولم يتهمهم أحد بسياسة "فرق تسد"، فما الذي جعل أكثر رئيس في تاريخ موريتانيا شرعية استثناء من القاعدة؟؟ وكيف نتخيل رئيسا لا يستطيع عزل أو تحويل قيادات في المؤسسة العسكرية؟؟
وكيف يكتب أويوافق 67 نائبا و47 شيخا على أن عزل الجنرال محمد ولد عبد العزيز كان سيؤدي بالبلاد إلى الهاوية؟ كيف نتصور هذا إلا إذا كان النواب المحترمون قد اختصروا المؤسسة العسكرية الموريتانية في رجل واحد هو الجنرال الانقلابي...؟
إن من المؤسف أن يسلم البلرمانيون عقولهم وتفكيرهم لمحسن ولد الحاج ووسيد محمد ولد محم والوزير ولد ابراهيم اخليل وغيرهم ممن يرون الجنرال محمد ولد عبد العزيز هو كل شيئ، فالبلاد بعد عزله تسير إلى الهاوية؟!!وهو كل شيئ والمؤسسة العسكرية من دونه لن تستقيم!! وهو فوق كل شيئ حتى القانون والدستور والرئيس المنتخب !! ويحق له كل شيئ حتى ولو كان نسف الديمقراطية والشرعية الدستورية.
وختاما فإنه قد يستغرب البعض كيف يوقع عدد كبير من البرلمانيين على بيان كهذا البيان؟ لكن الاستغراب يكاد يزول حين تعلم أن غالبية أعضاء البرلمان الموريتاني هم من المستقلين الذين تخرجوا من مدرسة الحزب الجمهوري وتدربوا في المرحلة الانتقالية في مدرسة المستقلين بزعامة سيدي ولد داهي وعلى عين الجنرال ولد عبد العزيز.
ويزول الاسنغراب تماما لو علمت أن البرلمايين المستقلين مدعومين اليوم من قبل نواب حزب زعيم المعارضة "الانقلابية&الديمقراطية" الذين هم في غالبيتهم من نفس المدرسة الطائعية ،منها أخذوا خبراتهم في التعامل والتقرب لساكن القصر حتى انقلاب 03 أغسطس لتبدآ رحلة بحثهم عن ساكن القصر القادم فقابلوا في طريقهم الزعيم داداه الذي رأوا فيه بشارات بعض المنجمين بأنه مرشح العسكريين مع نهاية المرحلة الانتقالية والرئيس القادم لموريتانيا، وتراءت للزعيم من خلفهم المقاعد البرلمانية لولايتي اترارزة ولعصابة حيث آلاف الناخبين.







